«الكنز الاستراتيجي» الوصف الذي اختاره «جلعاد عاموس»، مدير عام الدائرة السياسية والأمنية في وزارة «الدفاع» الإسرائيلية، في مؤتمر الأمن القومي الإسرائيلي لوصف السيسي، وقال إنه لم يكن متوقعًا، ولا في أكثر الأحلام الوردية، والأمر ليس مجاملةً أو شعارًا فارغًا؛ فالجنرال بالفعل يخط سطورًا جديدة في صفحة التطبيع العربي الإسرائيلي.

بداية، سأمر مرورًا سريعًا ـ قدر الإمكان ـ على السنوات الثلاث الأخيرة.

كان على السيسي أن يسدد الفاتورة العالمية للتغاضي عن انقلابه العسكري، والذي لم تكن أمريكا لتدعمه، في دولة بحجم ومكانة ومكان مصر، إلا بمقابل باهظ؛ فأمريكا لا تدفع لمصر معونة عسكرية، «عبارة عن أسلحة وتدريبات»، قدرها 1.3 مليار دولار لتكون مصر هي المتلقي الأكبر للمساعدات العسكرية الأمريكية، بعد أفغانستان وإسرائيل، إلا من أجل أمن ابنتها المدللة إسرائيل!

وُضعت أمريكا بعد انقلاب السيسي بين مطرقة شعاراتها «رعاية الديمقراطيات والحريات»، وسِندان «مصالحها ومصالح إسرائيل».

فترددت وتحرجت قليلًا، ثم سريعًا قدمت المصلحة بطبيعة حالها، وسلمت دفعة الطائرات الأباتشي المقرر تسليمها ضمن المعونة، خاصة بعد قيام إسرائيل بحملة لتقنع العالم بتأييد ذلك الرجل، الذي يعد «أهم معجزة حدثت لشعب إسرائيل في العقود الأخيرة»، كما قال الحاخام «يوئيل بن نون»، أحد قادة المستوطنين الصهاينة، ولإقناع أمريكا بالاستمرار في دعمه ماديًا وعسكريًا وسياسيًا.

وقد كان أن قام السيسي بما طلب منه، بل أكثر، بشكل مدهش للجميع، فكان «أمن إسرائيل» في أولوياته، وصرح بذلك قبل أن يقوم به عمليًا؛ بإخلاء الحدود الإسرائيلية، وبناء «جدار عازل» في عمليةٍ شجاعةٍ جدًا، لا أظن أن إسرائيل كانت تتجرأ أن تطلبها حتى!

كما حاصر غزة؛ بغلق المعبر، وأحكم الحصار؛ بهدم وإغراق الأنفاق، التي تعد المتنفس الوحيد في هذا الحصار ، وفي الوقت الذي يروج هو وإعلامه أن لإسرائيل صديقة بيننا وبينها معاهدة يروج لأن حماس إرهابية خطر على الأمن القومي المصري وأن أي عمل إرهابي حدث في السنين الأخيرة إنما هم من قاموا به أو حرضوا عليه أو خططوا له ، وانتقلت عملية تصحيح الصورة الذهنية لإسرائيل من البرامج الحوارية والتصريحات السياسية إلى السينما، وعرض مسلسل «حارة اليهود»، الذي قالت عنه سفارة إسرائيل في مصر «شاهدنا أول حلقة من المسلسل، ولأول مرة يمثل اليهود تمثيلًا إنسانيًا حقيقيًا»!

وعلى صعيد أهم، صدر حكم قضائي من محكمة الأمور المستعجلة بأن «حماس» ـ الجيش الوحيد الذي يقاتل إسرائيل ـ حركة إرهابية، وصدرت أحكام بالإعدام، والمؤبد على أعضاء من حماس، ومن المضحك المبكي أن من المحكوم عليهم شهداء، قضوا في حرب غزة الأخيرة، مثل الشهيدين «حسام الصانع» و«تيسير أبو سنيمة»، وأسرى في سجون الاحتلال، مثل الأسير «حسن سلامة»! كما عاد السفير الإسرائيلي إلى مصر، بعد غيابه منذ عام 2012.

واستمر قضاؤنا المصري في إدهاشنا؛ عندما حاكم، ولم يزل، «د. مرسي» بتهمة التخابر مع حماس، في الوقت الذي أفرجت فيه مصر عن الجاسوس الإسرائيلي «عودة الترابين» آخر عام 2015.

التنسيق العسكري

واعجب كل العجب، ولتعجب معنا روح الشهيد «سليمان خاطر»؛ أن يقتل حرس الحدود المصرية فلسطينيًا أعزلًا عاريًا تمامًا، لا يشكل أي خطر، بينما تطوف الزنانات الإسرائيلية في سماء سيناء المحررة! بل حدث بعد الانقلاب مباشرة أن دخلت طائرة عسكرية إسرائيلية؛ لتنفذ عملية ما، في سيناء، وعندما تناقل الخبَر بعضُ وسائل الإعلام، خرج المتحدث العسكري آنذاك؛ ليطمئننا على أمننا القومي، ويقول «إن الطائرة الإسرائيلية، لم تدخل المجال الجوي المصري، دون علم منا، بل كان الأمر بالتنسيق بيننا»، ولكن لم يكن تصريحا مرضيًا بالتأكيد، فتم نفيه بعد قليل، وعن هذه العلاقة الوطيدة، قال نائب رئيس الأركان الإسرائيلي «التعاون العسكري مع مصر لم يسبق له مثيل، منذ إنشاء دولة إسرائيل»!

المرحلة الجديدة

كان حديثي في كل ماسبق عن مرحلة أراها تمهيدًا وتوطئًة بين مرحلتين كبيرتين؛ عندما زرع الكيان الصهيوني في جسد الوطن العربي، كان كالطعنة التي انتفض لها العرب، وتوحدوا عسكريًا وماديًا وسياسيًا في حالة فريدة في تاريخ العرب الحديث، ومر الصراع بهزائم وانتصارات، وشد وجذب، لم يقر له قرار، حتى أعطاه السادات قبلة الحياة؛ وعقد «كامب ديفيد»، تلك التي بالرغم من انتصار العرب قبلها، منحت إسرائيل، وأعطتها ميزات، كما لو أنها المنتصرة، أو «رسخت لسلام غير عادل»، كما وصفها وزير الخارجية الذي استقال احتجاجًا عليها آنذاك!

وتعد كامب ديفيد أوثق عروة بين مصر وإسرائيل؛ يقول جلعاد عاموس «إن صعود السيسي أبطل سيناريو الرعب الذي فزعت منه تل أبيب، وتمثل في أن يقدم الإخوان على إلغاء اتفاقية كامب ديفيد».

وهذه المرحلة الثانية من عمر الصراع، استقر فيها الوضع عسكريًا، لكنه ظل محتقنًا سياسيًا، انتقلت العلاقة من الحرب إلى السلام الحذر، ومن الممانعة إلى التطبيع على خجل، ظلت إسرائيل العدو الكلاسيكي في العقيدة القتالية للجيش المصري، وفي ثقافة المجتمع المصري.

أماالمرحلة الثالثة التى نراها الآن: مرحلة السلام الحقيقي، والتطبيع الكامل، أو «السلام الدافئ»، كما عبر السيسي في خطابه الأخير، الذي تحدث في معظمه، دون أية مناسبة، وخارج السياق تمامًا، عن السلام بين العرب وإسرائيل، حتى جعلني أصدق مزحة أنهم يداعبون إسرائيل، بتصميم القاعة التي كساها اللونين الأزرق والأبيض، وكان فقط ينقصها النجمة السداسية لتصبح على شكل العلم الإسرائيلي!

تغيرت ثقافة جزء كبير من المجتمع؛ لترى إسرائيل دولة صديقة، أو على الأقل، غير محاربة، بل تغيرت العقيدة القتالية للجيش المصري؛ لتصبح المقاومة الفلسطينية والمعارضة في مصر هي العدو!
السيسي يؤسس اليوم لسلام حقيقي، يضم جميع العرب، وليس مجرد سلام العاجز قليل الحيلة، بل دعى وسعى لضم السعودية لاتفاقية كامب ديفيد، فكان أن تنازل عن جزيرتي «تيران وصنافير»، فليس الأمر بسطحية الأرض مقابل المال، بل الكارثة أعمق من ذلك بكثير؛ فإشراك السعودية ـ الدولة العربية الأهم ـ في هذه الاتفاقية ينفض عنها التراب، ويبث فيها دمًا جديدًاـ ويحولها من اتفاقية بين دولتين، إلى وثيقة تشمل العرب جميعًا، وتصوغ شكل العلاقة العربية الإسرائيلية، ويحول الموقف العربي، من رافض لها تمامًا وقت توقيعها، إلى حد تعليق عضوية مصر في الجامعة العربية، إلى راضٍ عنها، ثم الآن إلى طرف فيها!

وهذا ما وعد به السيسي من سبتمبر 2015 ـ حسب جريدة «المصري اليوم» ـ عندما قال «يجب توسيع معاهدة السلام مع إسرائيل، لتشمل المزيد من الدول العربية .. وأنا أستطيع القيام بهذا الدور»، ووعد فأوفى ، وقد نقلت جريدة «هآرتس الإسرائيلية» في عدد 11 إبريل 2016 عدم ممانعة إسرائيل من تسليم الجزيرتين مبدئيًا، وأكدت على التزام الأطراف بمعاهدة السلام، وأن السعودية صرحت أنها سوف تحترم كل الالتزامات القانونية والدولية لمصر فيما يتعلق بالجزيرتين.

ودعى السيسي العرب في خطابه ـ الذي طلب أن يذاع في إسرائيل ـ إلى نسيان الماضي، قائلا «الوقت كفيل لتجاوز الكثير من المسائل»، وإلى أن تصبح إسرائيل ـ في ظل سلام وأمان حقيقيين ـ جارًا وصديقًا، بدلًا من كونها عدوًا محتلًا، وأشاد بما حققه حتى الآن، من ثقة وأمان متبادلين!

والسؤال : ماذا يفعل في القضية الفلسطينية، والتي قال سابقًا إنها سبب الإرهاب في حوار متلفز؟

دولة لفلسطين في سيناء

تحدث السيسي في خطابه عن حل الدولتين، لا أعرف ماذا يقصد تمامًا، ربما يقصد دولة حسب الحدود الحالية، أو ربما يقصد العودة إلى حدود 1967م ، أو ربما يكون ما ذكرته «إلئيت شاحر»، مراسلة الإذاعة الإسرائيلية، صحيحًا، والتي ذكرت أن السيسي عرض على نتنياهو، بعد حرب غزة الأخيرة، إقامة دولة فلسطينية في سيناء؛ حتى لا يكون هناك حاجة إلى إخلاء المستوطنات الإسرائيلية في «الضفة الغربية»، حسب «موقع عربي21».

وأكد هذا الكلام «ماتي ديفيد»، الباحث الإسرائيلي، وضابط المخابرات السابق، الذي قال في مقال بجريدة «نيوز ون الإسرائيلية»، في أبريل (نيسان) أن «السيسي» عرض على «عباس» إقامة وطن للفلسطينيين في سيناء على مساحة 1600 كم2، ويستقدم إليها اللاجئون من سوريا ولبنان وغيرها، وتنتهي بذلك الأزمة الفلسطينية، والمطالبة بحدود قديمة، والمطالبة بحق اللاجئين!

بالتأكيد هذا الكلام غريب جدًا، وغير متوقع، كمعظم الأفعال التى ذكرتها بالأعلى، والتي لم نكن نتوقعها كذلك!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد