يجسد حراك الشعب السوداني الساعي للتغيير تجربة أخرى في سياق حركة الربيع العربي، يقتبس من هداها ويضيف إليها مزيدًا من الروافد. من الواضح أن تفاعل الشعوب مع قضاياها الملحة، ورفع عقيرتها بالاحتجاج ضد الأنظمة الحاكمة لها ما يسوغها على امتداد الوطن العربي. بيد أن الفرق يتعلق بتوقيت نضج اللحظة المواتية لانطلاق التحرك في هذه الساحة أو تلك، وهكذا يبدو الحراك السوداني أحد موجات الربيع المتوالية على الرغم من نجاح الحراك المضاد لرغبة الشعوب في أكثر من ساحة عربية.

يشي التزامن والتتابع بين حراك الشعوب والحراك المضاد الذي تقوده أنظمة القمع والفساد العربية إلى طبيعة التدافع بينهما، وإلى حقيقة أن التغيير لا يأتي بجرة قلم، أو بمجرد وجود رغبة بذلك، بل هي عملية تتداخل فيها كثير من العوامل وتكاد تتكافأ فيها فرص النجاح والفشل لكلا الفريقين، حيث يتبادلان فيها تسجيل النقاط في مواجهة بعضهما البعض. وبالتالي، فمن الطبيعي أن يشهد حراك شعب ما انتكاسة هنا أو كبوة هناك، ولكنها لن تكون انتكاسات نهائية، بل ظرفية مؤقتة، بحكم أن حراك الشعوب يتماهي مع منطق التغيير التاريخي الذي لا بد وأن يأخذ فرصته نهاية المطاف مهما كانت المعيقات التي تعترض طريقه. ولذلك فإن حالة الانتكاس التي قد تعتري حراكًا هنا أو هناك تشكل بصورة من الصور أحد دوافع النهوض ومواصلة التدافع مرة أخرى. وهي الجدلية التصارعية التي تمهد الطريق لثورة كبرى قادمة لا تبقي ولا تذر. ووفقًا لهذا المنظور فإن كل التجارب الشعبية العربية السابقة والحالية واللاحقة مفيدة وتغذي الظروف اللازمة للوصول لتلك الحالة الجامعة حتى لو بدا للعيان انتكاس الكثير من هذه التجارب.

ثمة هموم ومشتركات كثيرة تواجهها الشعوب العربية، ومن أهمها غياب التداول السلمي على السلطة، وما يصحب ذلك من غياب ثقافة الرضوخ لمطالب الجماهير والنزول عند رغباتها لدى المستوى السياسي الحاكم، فضلًا عن قطاعات شعبية أيضًا، وفي المحصلة فتداول الحكم الحقيقي لن يكون سوى عبر القوة. وهو الأمر الذي يؤكد على ضرورة امتلاك الجماهير لشرط تحقيق التغيير الذي مناطه القوة. وإذا كان للقوة صور وتمثلات مختلفة، فإن عنوان القوة الأبرز في مثل الحالة العربية التي تفتقد لثقافة التداول السلمي للسلطة، والقدرة على إنجاز التغيير دون إراقة الدماء، يتمثل بالقوة المادية. في ضوء هذه المقدمات المفتاحية المهمة، هل يملك الحراك السوداني القوة الكافية لإزاحة نظام الحكم والمجيء بنظام حكم مغاير؟ بطريقة أخرى هل ارتقى الحراك السوداني لمستوى الثورة (وهي جماع القوة) حتى اللحظة؟ بدوره، هل من الممكن أن يتنازل المجلس العسكري السوداني عن السلطة لجهات مدنية في ضوء معطيات اللحظة الراهنة في السودان؟

من الملاحظ أن قوى التغيير السودانية لها رؤية ومطالب، ويمكن لها تحويل ذلك إلى واقع إذا امتلكت القدرة على إملاء ما تريد، لكنها في الواقع ترفع مطالبها للمجلس العسكري الذي أزاح رأس النظام عن سدة الحكم، ولما كان سقف مطالب قوى التغيير عاليا من جهة، وأن الهدف منها إحداث التغيير الجوهري من جهة أخرى، فإن الأمر في مثل هذه الحالة ذو صلة أكيدة بميدان المغالبة لا عرائض المطالبة. والمغالبة مجالها الفعال المشفوعة بالقدرة على إدارتها في مواجهة صاحب السلطان، لا تقديم المطالب له وهي في جوهرها تنال منه، وتضعه في دائرة الشبهات والمساءلة، ولو كانت قوى التغيير تملك القدرة على المغالبة بشرطها المرتبط بالحالة العربية المشار إليها لما تقدمت بمطالبها للمجلس العسكري الحاكم، وطالما أنها فعلت ولا تزال، فهذا يعني أنها غير واثقة بقدرتها على تحقيق ما تدعو الآخرين لتنفيذه. بدورة، فإن المجلس العسكري ليس من السذاجة حتى يوافق على تلبية مطالب يبدو أن سقفها لا يزال أعلى من قدرة قوى التغيير على تنفيذها من جانب واحد، فضلًا عن أنها تنال منه بصورة من الصور.

ثم إن العسكر الذين استغلوا مطالب الجماهير بتولي السلطة في وقت سابق كي ينقلبوا على رئيسهم لن يكونوا أوفياء لمطالب الجماهير؟ وأيهما أولى بالوفاء من منظور المنطق والمصالح، الرئيس الذي يتبوأون المناصب الرفيعة في ظل حكمه، أم مطالب الجماهير التي تضعهم تحت طائلة المساءلة والمحاسبة. هذا يفيد أن المجلس العسكري السوداني لن يستجيب لمطالب الحراك كلها، لأن في ذلك عطبه، ولكنه قد يستجيب لبعضها وقد استجاب بالفعل في سياق إدارة الموقف مع قوى التغيير، بطريقة توحي بأنه قدم تنازلات للحراك وما على الحراك سوى النزول عن شجرة المطالب العالية، وإلا فإن مسوغ مواجهة الحراك جاهزة، خصوصًا أن تنفيذ بعض المطالب قد يضعف تماسك قوى الحراك، ويوجد حالة من النقاش داخل صفوفها حول جدوى التمسك بالمطالب ذات السقف المرتفع. إن المسألة لن تنتهي إلى هذا الحد، بل إن للدور الإقليمي يدًا في التاثير على اتجاهات التجاذب بين المجلس العسكري وقوى التغيير، إن استعداد السعودية والإمارات – راعيتا الثورة المضادة لإرادة الشعوب العربية – لتقديم الأموال الطائلة لدعم المجلس العسكري كفيلة بترجيح كفته على قوى التغيير إذا استطاع توظيف سلطة المال لإحداث فرق معيشي واضح وسريع يلمس آثاره المواطن العادي، ويتأكد ذلك إذا علمنا أن دوافع الحراك السوداني كانت معيشة اقتصادية في المقام الأول.

إن مآلات الحراك السوداني ستتمثل في واحدة من اثنتين إما أن يتم استنساخ التجارب العربية السابقة، حيث التفت أنظمة الحكم وأجهزتها وبدعم خارجي على حركة الجماهير، وهو المسار الأكثر ترجيحًا ضمن المعطيات الحاضرة حتى اللحظة، وإما أن يستحيل الحراك إلى ثورة حقيقية تقلع الشوك بيدها، متجاوزة مرحلة التماس المطالب من صاحب السلطة. وهي الظروف التي لم تنضج بعد وفقا لذات المعطيات مرة أخرى. ومهما يكن الأمر، يظل الحراك رافدًا مهما لحركة الشعوب الساعية بخطوات ثابتة نحو تحقيق ما تصبو إليه، حيث لا يعني غياب الانتصار اللحظي الحاسم إخفاقًا نهائيًا بقدر ما يعني اجتياز مرحلة على طريق حرية الشعوب.

في الأثناء يتضح بجلاء صوابية رؤية الراحل حسن الترابي الذي سعى إلى مأسسة الحكم وتداول السلطة في وقت مبكر، وكانت الخطوة الأولى في ذلك تهدف لنزع السلطة من العسكر ووضعها في يد الشعب الذي يختار من يحكمه بحرية، إن حكم البشير الذي استمر لثلاثة عقود متوالية والطريقة التي انتهى بها يدل على أن المؤسسية قد كانت غائبة عن تجربته، حتى لو كانت مدعومة بأكبر مؤسسة في البلاد وهي الجيش، كما لم يغير تأسيس النظام لحزب سياسي لإضفاء المؤسسية على حكمه شيئًا من تلك الحقيقة المرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات