تمت دعوتي لحضور ندوة أقامها أحد الدعاة المشهورين في وطننا العربي (لا داعي لذكر اسمه)، وكانت المحاضرة تدور حول الأحداث التي تجري في بلادنا، ومنها تطرق الموضوع إلى طه حسين وغيره من الشخصيات المصرية البارزة، وجُذب انتباهي عندما رأيت فضيلة الشيخ يحكم على طه حسين بالكفر، ولكنني لم أتعجب كثيرًا؛ فقد دار نقاش بيني وصديق من تلامذة الشيخ حول طه حسين وعلمانيته، وسمعت أكثر مما قاله الشيخ – هدانا الله وإياه – ولكن هل حقًا عميد الأدب العربي طه حسين كافر؟

في كتاب للدكتور محمد عمارة يحمل عنوان حوار الإسلامية والعلمانية ميّز فيه العلمانيين في بلادنا إلى شرائح ثلاث، فيقول الدكتور عمارة عن الشريحة الثالثة: وهم دعاة فصل الدين عن الدولة من العلمانيين الوطنيين والقوميين (هم في جملتهم مسلمون يتدينون بعقائد الإسلام، فالخلاف بينهم وبين الإسلاميين ليس خلافًا في الأصول الاعتقادية، وإنما هو خلاف في الدولة، هل تكون إسلامية بالمعنى الذي تعنيه هذه الإسلامية لدى الإسلاميين! أم تكون مجرد دولة مسلمة تتبنى الإسلام (الدين)، وتحافظ على قيمه وشعائره، دون أن تتبنى (دولة) الإسلام، وموقفهم هذا من (دولة) الإسلام، ليس – كما يحسب بعض الإسلاميين – جحودًا للشريعة، يرشحهم للدخول في إطار الكافرين، وإنما مبعث هذا الموقف لهؤلاء العلمانيين من (دولة) الإسلام هو الاعتقاد الذي كونه لديهم الفكر الغربي بأن الإسلام لا يرفض العلمانية؛ لأنه كالمسيحية دين لا دولة، يدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، يتابع فيقول: (لقد فهموا إسلامنا على النحو الذي فهم به الغرب المسيحية… لقد تطلعوا إلى نهضة أمتنا… فلما اجتهدوا في تصورهم لعلمانية الدولة المسلمة، كان موقفهم – إذا شئنا الإنصاف – لونًا من خطأ المجتهدين، وليس جحودًا للشريعة يدخلون به في عداد الكفار، إذًا فالخلاف معهم هو في إطار الفروع والدولة والتي هي بإجماع تيارات الفكر السني من الفروع.

الحقيقة التي لا يستطيع أحد إنكارها أن طه حسين في بدايته كان موهومًا بالحضارة الغربية وتقدمها؛ مما جعله يؤصل للعلمانية في الإسلام وفي مجتمعاتنا العربية، فقد قال في كتابه مستقبل الثقافة في مصر (ولقد فطن المسلمون منذ عهد بعيد إلى أصل من أصول الحياة الحديثة، وهو أن السياسة شيء والدين شيء آخر، وأن نظام الحكم وتكوين الدول إنما يقومان على المنافع العملية، قبل أن يقوما على أي شيء آخر) وماثل أيضًا بين العقل المصري والعقل الغربي، وأخذ يماثل بين المسيحية والإسلام في علاقتهم بالسياسة والدولة ليضع نتيجته في نفس الكتاب (السبيل واضحة بينة مستقيمة، ليس فيها عوج ولا التواء، وهي واحدة فذة ليس لها تعدد، وهي أن نسير سيرة الأوربيين، ونسلك طريقهم؛ لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يُحمد منها وما يُعاب…).

وقد قال طه حسين أكثر من هذا بكثير مما يؤخذ عليه، ولكن أغلب الناس بمثقفيهم لا يقرأون الفصل الأخير من حياة الرجل ، ولا يتوقفون إلا عند ما يستهويهم، فالرجل عندما كان يعيد نشر كتبه تراجع عن هذه الأفكار وحذف النصوص التي كانت تؤخذ عليه حتى أنه غير عنوان كتابه (في الشعر الجاهلي) إلى (في الأدب الجاهلي)، يقول الدكتور محمد عمارة عن طه حسين في كتابه الإسلام والسياسة (فالرجل قد عاد في العقود الأخيرة من حياته الفكرية إلى الحديث عن تميز الأمة العربية، قوميًا وسياسيًا، على النحو الذي يجعل لهذا التميز مدخلًا في وحدتها القومية).

ولقد سُئل الدكتور طه حسين سنة 1971 في صحيفة الأهرام عن رأيه في كتابه مستقبل الثقافة في مصر وما تضمنه من آراء أثارت الجدل فقال (ده كُتب سنة 1936… قدم قوي، عاوز يتجدد ويجب أن أعود إليه، وأصلح فيه بعض حاجات، وأضيف).

فالرجل قد تراجع عن أفكاره وعلمانيته، وما يُصدّق ذلك موقفه سنة 1953 في لجنة وضع الدستور، وكانت مداولات اللجنة سرية، وطالب الدكتور طه حسين بالنص في الدستور على عدم السماح لقوانين البلاد بأن تعدل عن نص القرآن وقال أيضًا (إنه من المقطوع به أن الأغلبية لن تقبل أن تخرج على ما أمر به الإسلام، فلا أظن أننا سننص على أن تأخذ المرأة في الميراث نصيبًا كنصيب الرجل، فلن يحدث هذا بالطبع).

وله مواقف جيدة أخرى تفيد بتراجعه عن أفكاره القديمة ودفاعه عن الإسلام دين ودولة وشريعة لا أذكرها لعدم الإطالة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد