بعد أن انتقلت الجمهورية التركية إلى النظام الديمقراطي، والتعدد الحزبي بشكل فعلي، أصيبت الأحزاب التي استطاعت تشكيل حكومات منفردة بلعنة استمرت لعقود. وهذه اللعنة التي تعتبر إحدى كبرى المشكلات التي تواجهها تركيا، إن لم تكن أهمها فعليًّا، تسببت في انهيار تلك الأحزاب السياسية التركية عقب موت الزعيم الأساسي للحزب، ومجيء الحكومات الائتلافية. الحقيقة أنه لا يستطيع أحد أن يجزم أن حزب العدالة والتنمية الحاكم اليوم في تركيا، قد نجا أو تخلص من هذه اللعنة.

ولكي نستطيع إدراك أسباب إصابة الأحزاب التركية التي استطاعت تشكيل حكومات منفردة بهذه اللعنة دون غيرها من الأحزاب الأخرى، دعونا نبدأ القصة منذ البداية، أي إلى تاريخ انتقال تركيا إلى التعدد الحزبي.

باستثناء مرحلة فتحي أوكيار الفاشلة، والتي جرت عام 1930، ودامت لتسعة أشهر فقط، استمر الحكم في الجمهورية التركية بالحزب الواحد منذ تأسيسها حتى عام 1946. ففي مؤتمر الأمم المتحدة الذي عقد في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، وخلال المؤتمر تم إعلام وزير الخارجية التركي الأسبق حسن سقا، بأن على تركيا أن تختار ما بين الانتقال إلى النظام الديمقراطية والتعدد الحزبي، وتحصل بالمقابل على مساعدات مارشال، أو أن تبقى على حالها الأمر الذي سيجبر الدول الغربية لمحاربتها. فأخبرهم حسن سقا خلال ذلك اللقاء، أن نظام الحكم في تركيا جمهوري، فأشاروا له أن هذا الأمر لا يكفي مؤكّدين على أهمية التعدّد الحزبي لكي تعتبر تركيا دولة ديمقراطية.

بعد ذلك بدأ صراعٌ عنيفٌ بين صفوف حزب الشعب الجمهوري في تركيا، وأخيرًا تم السماح لجلال بيار وعدنان مندريس ومحمد فؤاد كوبرولو ورفيق كورالتان بتأسيس «حزب الديمقراطية» في السابع من يناير/ كانون ثاني 1946.

الإجراءات المعادية للدين التي تم إجراؤها تحت مسمى العلمانية، إلى جانب الظلم الذي أصيب به  الشعب التركي على يد حزب الشعب الجمهوري خلال فترة الحزب الواحد، جعل الشعب يبحث عن مخلص، ولم يكن الشعب التركي يومها ينظر لصفات المخلص أو يهتم من يكون. هذا الأمر ساهم بشكل مباشر في انتصار حزب الديمقراطية في انتخابات 1950 البرلمانية، ولكن الإجراءات التي قام به عدنان مندريس عقب استلامه زمام الأمور في البلاد، والتي كانت عبارة عن تخفيف الضغط العلماني، مثل إلغاء القانون الذي يجبر الناس على الأذان باللغة التركية، وسمح بتلاوة القرآن الكريم في الإذاعة، وفتح مدارس الأئمة والخطباء التي تركّز في تعليمها على دروس التربية الإسلامية، إضافةً إلى النهضة الاقتصادية، جعل الشعب يرى مندريس بطلًا؛ مما أدى إلى استمرار حكم حزب الديمقراطية تحت قيادة مندريس حتى عام 1960.

عقب انقلاب 27 مايو/ أيار 1960 العسكري في تركيا وإعدام مندريس لم يجد الشعب التركي في قيادة «حزب العدالة» و«حزب تركيا الجديدة» اللذين تم تشكيلهما من السياسيين البارزين في حزب الديمقراطية بعد إغلاقه، ما وجده في مندريس. وتوالت الحكومات الائتلافية في تركيا حتى عام 1965، حيث استطاع حزب العدالة التفرد بالحكم خلال فترة 1965 – 1969. ولكنه لم يستطع إكمال دورته الثانية بسبب انقلاب 12 مارس/ آذار 1971 العسكري، الذي كان عبارة عن قيام القيادة العسكرية بتوجيه خطاب إلى سليمان دميرل، ثم قام الأخير على إثره بالاستقالة. هذا التصرف أدى إلى عودة الحكومات الائتلافية حتى عام 1983.

في يوم الثاني عشر من سبتمبر/ أيلول 1980، قام الجنرال كنعان أورن بانقلاب عسكري، ثم أغلق جميع الأحزب السياسية في تركيا. بعد ذلك أنشأ حزب الديمقراطية القومية اليميني، وحزب الشعبوي اليساري، وكانت نيته ألا يكون في البلاد سوى هذين الحزبين، ولكن تورغوت أوزال استطاع إقناع أورن بالسماح له بإنشاء حزب الوطن الأم.

وفي انتخابات 1983 البرلمانية، انعكس رفض الشعب التركي للحكم العسكري على نتائج الانتخابات، وأعطى لأوزال فرصة يثبت من خلالها نفسه. ولم يضيع أوزال هذه الفرصة فركز على التنمية الاقتصادية في البلاد بشكل أساسي، الأمر الذي أدى إلى ازدياد شعبيته في البلاد، واستمرار حزب الوطن الأم في تشكيل حكومات منفردة حتى عام 1991. ولكنه أخطأ عندما قرر الانتقال إلى القصر الجمهوري، والتخلي عن زعامة الحزب؛ مما انعكس سلبًا على حزبه الذي بدأت نسبة أصواته تتراجع أكثر فأكثر في جميع الانتخابات التي خاضها، عقب انتقال أوزال إلى رئاسة الجمهورية، إلى جانب عودة الحكومات الائتلافية واستمرارها حتى عام 2002.

كان للنجاح الكبير الذي حققه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عندما كان رئيس بلدية إسطنبول الكبرى أثر كبير في فوز حزب العدالة والتنمية بانتخابات 2002 البرلمانية. أضف إلى ذلك عدم قيام حكومة 1999 الائتلافية بإعدام زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان؛ مما جعل الشعب يعاقب الأحزاب التي شكلت تلك الحكومة بعدم السماح لها باجتيازها السد الانتخابي (نسبة 10% التي ينبغي على الحزب الحصول عليها لدخول البرلمان التركي)، الأمر الذي مكَّن حزب العدالة والتنمية من تشكيل حكومة منفردة.

الإصلاحات التي قام بها أردوغان منذ توليه زمام الأمور في تركيا، والتي شملت الاقتصاد، والبنية التحتية، والصحة، والحريات، والمجالات الأخرى ساهمت في حصول حزبه على نسبة 49.83% من أصوات الشعب خلال انتخابات 2011 البرلمانية. فالشعب التركي بدأ يراه بطلًا لا سيما عقب ما قاله للرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز في دافوس 2009.

وتجدر الإشارة إلى أن حزب العدالة والتنمية يعيش تجربة حزب الوطن الأم عقب انتقال أردوغان إلى القصر الرئاسي، وذلك لأن الشعب التركي مدرك أن أردوغان لم ينفصل عن العدالة والتنمية. وأبرز ما يدل على ذلك ما قاله رئيس الوزراء التركي «بن علي يلدريم» في خطابه الذي ألقاه عند توليه لرئاسة الحزب عقب استقالة أحمد داود أوغلو، حيث أكد فيها صراحةً أن حزب العدالة والتنمية هو حزب أردوغان.

خلاصة القول إن الشعب التركي قام في البداية بتأييد مندريس لكي يتخلص من حكم حزب الشعب الجمهوري، ولكن الإجراءات التي قام بها مندريس جعلت الشعب يؤيده طوال العشر سنوات حتى قيام الانقلاب العسكري الأول. وقام بمنح الفرصة لدميرل ولكنه أضاعها عندما اختار الاستقالة والخضوع عقب توجيه الجيش خطابًا له. أما اختيار أوزال فكانت ردة فعل تجاه الانقلاب العسكري، وعلى عكس دميرل استغل أوزال الفرصة جيدًا، لكن حزبه لم يكن يمتلك الرجل الذي يملأ الفراغ الذي تركه أوزال عقب انتقاله لرئاسة الجمهورية؛ مما أدى إلى زوال حزب الوطن الأمن مع الزمن.

وبهذا يتبين لنا أن الشعب التركي في بداية كل مرحلة كان يبحث في بادئ الأمر عن بديل، ثم يطالب الحزب الذي يستطيع تشكيل عدة حكومات منفردة، أن يكون هنالك شخص يحمل نفس المواصفات التي يحملها الزعيم الأول للحزب، وإلا واجه الحزب مصير النزول عن خشبة مسرح التاريخ.

اليوم تواجه تركيا العديد من المؤامرات التي كان آخرها محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة، ولكن هذه المؤامرات ليست بقدر أهمية مشكلة نقص وجود شخص يغطي مكان الرئيس التركي أردوغان في حالة غيابه، وهذا يشكل خطر عودة البلاد مرة أخرى إلى حالة عدم الاستقرار السياسي عبر الحكومات الائتلافية.

لذا يجب على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يأخذ الأحزاب السابقة درسًا، ويجد من يستطيع إقناع الشعب التركي بأنه جدير بأن يحل مكانه في رئاسة حزب العدالة والتنمية والبلاد في حال غيابه، وإلا سيواجه العدالة والتنمية المصير ذاته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد