خرج في يوم 22 فبراير (شباط) من العام الماضي شباب الجزائر، وشيوخها، أطفالها، ونساؤها، متعلموهم وعامتهم، عن بكرة أبيهم. خرج الجميع هاتفًا «إرحل إرحل» ضد بوتفليقة، الرئيس المخلوع، وضد ترشحه للعهدة الخامسة، أو كما سماها الشعب الجزائري بالعهدة الخامجة.

كان الجميع يهتف، ولكن كان الصوت واحدًا «ارحل.. ارحل.. ارحل»، لا للعهدة الخامسة، لا لتجديد الفساد، لا للضحك على الشعب مرة أخرى.

سارعت المؤسسة العسكرية بقيادة الفريق أحمد قايد صالح بإلقاء خطاب متلفز، يصف فيه الحراكيين بالمغرر بهم والمفسدين، وبأن جهات خارجية وداخلية تحركهم، بل اتهم الجنرال توفيق رئيس المخابرات وقتها بأنه هو من يحركهم.

حملت تصريحات القايد صالح معنيين خطيرين:

أولهما: وجود صراع داخل السلطة بين قائد المخابرات وقائد الجيش، نتج عنه اتهام القايد للجنرال بمجرد خروج الشعب إلى الشارع.

ثانيهما: استعداد المؤسسة العسكرية في بادئ الأمر للعنف والتصعيد.

توالت الأيام والأحداث وتبددت السحب وزال وهم الربيع العربي ليكشف للعالم وللحكومة وللمؤسسة العسكرية بأن هذا أمر مختلف، ويجب التعامل معه بحذر وروية.

كشفت الجمعات تلو الجمعات بأن هذا الشعب لا تحركه سوى آماله وآلامه، تحركه الأوضاع المعيشية، والاجتماعية، والاقتصادية، الناجمة عن الفساد السياسي وفساد رجال السياسة.

وحدة الشعارات في كل جمعة تثبت وحدة الوعي بالمشكلة ووحدة الضرر الناجم عنها، الذي طال جميع فئات المجتمع، حتى رجال الأعمال ومتقاعدي الجيش.

خرجت جميع مكونات المجتمع الجزائري ومن جميع طبقاته الاجتماعية لتقول لا للعقد الاجتماعي المبرم من طرف واحد، وبقانون الاستعلاء.

وبتوالي الأسابيع والجمعات أيقنت السلطة بجميع أطيافها بأن الشعب ماض في مسيراته حتى تحقيق مطالبه، فبدأت في حملات خبيثة مفادها تشويه كل زعيم أو قائد محتمل للحراك الشعبي، فخونوا من كان مناضلًا ضدهم لأكثر من 20 سنة، ولفقوا التهم والخيانات، بل اتهموا الكثير بالعمالة للخارج أو فرنسا بالتحديد، ولكن لم يتم اعتقال أي منهم، وهذه مشكلة بحد ذاتها، فكيف تتهم وأنت السلطة شخصًا بالخيانة والعمالة وتتركه بدون محاكمة ولا إدانة؟

وأنشأوا صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، ودعموا صفحات شوهت الشرفاء من مناضلي هذا البلد، ولعبوا على أوتار مقدسات الشعب مثل نوفمبر (تشرين الثاني) شهر التضحيات والبطولات، والشيخ ابن باديس شيخ الإصلاح في عهد «الاستدمار» الفرنسي.

وجندوا القنوات الفضائية لخدمة نفس المسعى، حتى أنهم خلقوا قصة من فراغ لرئيس مجمع الشروق الإخباري، حين اختطف ليومين أو ثلاثة، ثم تدخل القايد صالح شخصيًا للإفراج عنه، دون ذكر من اختطفه، ولا محاسبته، ليعيش هذا الشعب الوهم مرة أخرى.

استطاع النظام المتمثل في المؤسسة العسكرية، وبقيادة القايد صالح، خلق أصوات داخل الحراك تنادي بما تنادي به المؤسسة العسكرية، بل تخون كل من يرفضها. ولعب النظام جميع أوراقه ضد الحراك الشعبي، ولكن الحراك لم يتوقف ولم يهن ولم يستسلم، بالرغم من اعتقال كل من كان مرشحًا محتملًا لتمثيله أقوى تمثيل.

حراك واع يعرف أين يتجه، لم تسقطه بطولة كأس الأمم الأفريقية، ولم يوقفه وفاة القايد صالح، ولم يوقفه كثرة الاعتقالات ولا حملات التخوين العشوائية، ولا حتى تلك التي تزرع التفرقة الأيديولوجية أو العرقية.

حتى أن الرئيس الجديد، عبد المجيد تبون، نطق بالحق، بعلم أو أنطقه الله، حين قال بعد فوزه بالرئاسة بأن الحراك الشعبي هو من ساعده على الترشح، وهو من جعله يفوز بالانتخابات، كيف لا أعلم.

وها هي «الكورونا» تلبي الطلب من بعيد، وتسمع لآهات السلطة، وتلبي النداء، قادمة من بلاد ما وراء النهر، ليجد فيها تبون وسلطته الحل ضد الحراك وإيقافه، باعتبار أن الفيروس معد وسهل الانتشار في التجمعات الكبيرة.

مرض قاتل وفيروس صعب التحكم به يفرح الطغاة؛ لأنه يلبي مطامحهم الآنية، بل يخلصهم من شعوبهم الفاسدة التي تأبى حكومات البغال.

الشعب يدرك كل ذلك، بل يدرك أن الحكومة قادرة، أو ربما كان باستطاعتها منع الفيروس من الدخول، ولكن الفيروس دخل لحاجة في نفس مستبد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد