تتجه الأنظار نحو مدينة إدلب شمال غرب سوريا، مترقبة هجوم النظام وحلفائه على آخر حصون المعارضة السورية، ثمة قراءات تعمل في ضوء ما جرى في الفترة المنصرمة، وهي ترى أن استعادة النظام لسيطرته على المنطقة تعد مسألة وقت فقط، وهي قراءة تعكس التحليل المتأثر بإيحاء ما جرى في مناطق أخرى، أكثر منه تحليلًا استيعابيًّا يأخذ في الحسبان جملة المعطيات الحقيقية التي تؤثر على مسارات معركة كهذه. في ضوء ذلك، فما الاعتبارات الوازنة التي تحدد مصير التدافع في إدلب؟

كانت كل المؤشرات تشير إلى قرب انهيار النظام السوري في سني الثورة الأولى، أدى التدخل الإيراني الكثيف والميليشيات الموالية لها إلى تحسين وضع النظام، وتأخير سقوطه، إلا إن التدخل الروسي في سبتمبر (أيلول) 2015 قد مثل نقطة تحول واضحة في الصراع لصالح النظام وحلفائه، ومنذ ذلك الحين أخذت كفة النظام ترجح شيئًا فشيئًا إلى أن استطاع فرض معركة على المناطق التي يسيطر عليها الثوار، وقد اضطرهم فيها للانكفاء والتسليم والخروج من مناطقهم، وكان من أبرز مؤشرات التحول هذه، استعادة النظام لحلب الشرقية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، والغوطة في أبريل (نيسان) 2018، ودرعا في يوليو (تموز) 2018. غني عن القول أن تدخل القوى الخارجية في سوريا، سواء أكان ذلك لصالح النظام، أم لصالح رافضيه قد سلب عن الحالة ميزة الثورة، وغدت أقرب لصراع دولي يجري على التراب السوري.

جرت مياه كثيرة في معطيات الصراع السوري في الفترة الفاصلة بين التدخل الروسي والتحضيرات الجارية للهجوم على إدلب، فقد غابت الجبهات المتعددة التي أرقت النظام فيما مضى، ولكنها انقلبت عبئًا على الثورة؛ نتيجة لسيادة النفس الفصائلي الضيق من جهة، والارتهان لمواقف قوى خارجية تقدم التمويل والتوجيه من جهة أخرى. وأصبح هناك معقل وحيد لمعارضي النظام، يتجمع فيه آلاف المقاتلين من مناطق شتى في سوريا سبق وأن هجروا إليه (إدلب)، ويمكن لهم أن يشكلوا فيه قاعدة لكيان سياسي موحد أقرب لأن يكون نظاميًّا، ويمثل ندًّا حقيقيًّا للنظام، فهو من جهة يسيطر فعليًّا على إقليم واسع ويعيش فيه بضع ملايين من الناس، ويتصل جغرافيًّا بأراضي دولة حليف (تركيا)، وهي بدروها تستضيف 3.5 ملايين سوري، ويمكن أن يصنع تأهيلهم وعودتهم إلى الشمال السوري فارقًا مهمًّا في معركة الصراع مع النظام.

من المفترض أن يكون رافضو النظام قد استوعبوا لعبة الأطراف الخارجية في الصراع، لا سيما القوى الغربية، والتي تقوم على الاستثمار فيه فحسب، ودون أن يعنيها مصير الشعب السوري. يمثل استيعاب كهذا مدخلًا للنضج السياسي اللازم لأي ثورة حتى تنجح وتحقق أهدافها. في الأثناء، يتعين عليهم إدراك حاجتهم للنصير الذي يشكل عمقًا إقليميًّا ودوليًّا، والاستعداد للتناغم مع حركته، وليس مخاصمته والاستعداد لقتاله، ثم امتلاك القدرة للتفريق بينه وبين سائر القوى الخارجية.

من جهته، فإن الموقف التركي بدا أكثر نضجًا إزاء الحالة السورية، وهو نضج لا يتعلق باستجداد القراءة والفهم، بقدر ما يتعلق بتحسن ظروف النظام الحاكم، نظرًا إلى نجاحه في تحييد كثير من المعوقات التي تعترض سبيله، وتقليم المزيد من أظافر الدولة التركية العميقة، التي تعمل بلا كلل لعرقلة مسار الحكومة التركية المنتخبة، ثم الرئيس المنتخب. وكل ذلك ينعكس في صورة إرادة وقدرة تركية على العمل في الميدان الخارجي بجد وفاعلية.

عقدة العلاقة التركية الروسية

شهدت العلاقة التركية الروسية مستويات متباينة من الشد والانفراج، والتنافر والانجذاب، والفتور والدفء. وهي علاقة طبيعية بين دول تبحث عن مصالحها، وتحاول تحسين شروط بقائها على الساحة السياسية الدولية. تمثل الحالة السورية مفردة في العلاقات التركية الروسية، هذا يفيد أنها ليست من يحدد مصير العلاقة بينهما، ما لم تتجاوز إحداهما الخطوط الحمراء بالنسبة للأخرى. وعليه، فإن تلك العلاقة التي تسهم في تقرير موقع كلا الطرفين ومصيرهما في النظام السياسي الدولي تظل أكبر من المشكلة السورية وتتجاوزها. إن المصلحة الاستراتيجية التي يتوخاها كل طرف من علاقته بالطرف الآخر تشكل قيدًا على مدى حراكهما وحجمه فيما يخص الحالة السورية، وفي حالة إدلب تعيينًا، فإن التحرك الروسي مقيد بشدة، نظرًا إلى كون إدلب تمثل خطًّا أحمر تركيًّا لأسباب كثيرة جغرافية وأمنية وسياسية، وهذا مهم جدًّا ويؤثر في طبيعة التدافع واتجاهات الوضع هناك.

إن تناقض المصالح التركية الروسية حول إدلب يضعهما وجهًا لوجه في ميدان المواجهة، لكنها معركة لن تكون محكومة بميزان القوة العسكرية لدى الطرفين، ذلك الميزان الذي أوحى للكثير من المراقبين للوضع السوري بقدرة النظام وحلفائه على حسم معركة إدلب سريعًا، بل هي محكومة بنظام المصالح الاستراتيجية بينهما، وفي مثل هذه الحالة فإن أوراق المواجهة في إدلب بيد تركيا لا بيد روسيا. كيف ولماذا؟

تشكل إدلب حالة خاصة ومصيرية بالنسبة لتركيا، وإن تغيير الوضع القائم هناك يعد تجاوزًا للخطوط الحمراء التركية، ولهذا السبب فإن العمل على إبقاء الوضع على ما هو عليه يعلو على نظام المصالح الاستراتيجية التركية الروسية من المنظور التركي، هذا يعني استعداد تركيا للدفاع عن خطوطها الحمراء حتى لو أدى ذلك لخسارة مصالحها الاستراتيجية عبر العلاقة مع روسيا، لكن في المقابل هل روسيا على استعداد لخسارة مصالحها الاستراتيجية التي توفرها علاقتها بتركيا؟ الجواب يكمن في حقيقة موقع إدلب بالنسبة لروسيا، فهل هي مصيرية أم لا؟ لا، إنها غير مصيرية. الأمر الذي يدعوها لتفويت خسارتها الاستراتيجية من خلال التنازل في الموضوع الأدلبي، وعدم تجاوز الخط الأحمر التركي، تمامًا كما تنازلت الولايات المتحدة وتراجعت خطوتين في عفرين ومنبج، وتقدم الأتراك خطوتين، نظرًا إلى مصيرية الموقعين بالنسبة لتركيا، فيما لم يكونا كذلك بالنسبة للولايات المتحدة.

من السهل على روسيا التوقف عند حدود إدلب توخيًا لمصلحة أكبر، وهي التي كظمت غيظها عندما أسقطت تركيا مقاتلتها فوق الحدود التركية السورية أواخر عام 2015، وبلعت حادثة اغتيال السفير الروسي في أنقرة أواخر عام 2016، كل ذلك حتى لا تخسر ما تتوخاه من مصالح استراتيجية تفترض أنها قادرة على تحقيقها من خلال نسج علاقة خاصة مع تركيا. عطفًا على ما سبق، فإن اعتبارات تركيا للدخول في مواجهة مع روسيا أكبر بكثير من اعتبارات روسيا للدخول في مواجهة مع تركيا، وبالتالي فإن فرص كسب تركيا لها أكبر بكثير من فرص روسيا للكسب، سواء أكان ذلك عبر المواجهة الفعلية، أم عبر منع وقوعها أساسًا.

قد تقبل روسيا بتحفظات تركيا على معركة إدلب، لكن ما يؤرقها يتعلق بإمكانية أن يؤدي ذلك إلى نقطة تحول، ومن هنا تبدو الممانعة الروسية في تقبل الموقف التركي، ومع ذلك تبدو تحولات الصراع السوري استحقاقًا نافذًا سواء أكان هناك مواجهة أم لا، غير أن حجمها وسرعتها والتداعيات المترتبة عليها ستتوقف على قرار روسيا بالهجوم على إدلب أو بالإحجام عنه، وفي حالة الهجوم ستكون التداعيات بمداها الأوسع، وأثرها الأكبر، والعكس صحيح، فما عسى روسيا أن تختار؟ في ضوء ما تقدم، من المستبعد استخدام خيار المواجهة الهادفة للحسم في إدلب على الطريقة التي جرت في مناطق أخرى، وقد تلجأ روسيا لمعركة محدودة على الأطراف لتحقيق بعض المكاسب، ولإثبات الوجود، فيما لن يؤدي ذلك إلى تغيير الوضع القائم هناك.

*تكمن قيمة المقال في كونه استشرافيًّا، وقد اعتمد على المعطيات الحاضرة ليحلل ما ستؤول إليه الأمور مستقبلًا، مثل الاتفاق الروسي التركي دليلًا واضحًا على صحة الاستشراف والتحليل حتى اللحظة، ومن هنا يكتسب المقال أهميته. يمكن تناول ما بعد الاتفاق في مقال آخر، لكن من شأن دمج مستجدات ما حدث بعد الاتفاق في هذا المقال أن يذهب بقيمة الأفكار والتصورات التي تضمنها، لأن هناك فرقًا بين حالتين، أن تتوقع في الأولى عدم حصول هجوم على إدلب، وتأتي الأحداث لتصدق التوقع «التحليل يسبق وقوع الفعل، ويدل الفعل التالي على صحة التحليل»، بينما تبدأ في الثانية تفسير وتحليل لماذا لم يحدث هجوم بعد أن يكون الفعل واقعًا على الأرض «التحليل يتبع وقوع الفعل».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد