تمهيد

تبدأ قصة الجسد داخل المنزل المقدس بداخل رحم الأم، كل شيء هنا يُجهز لك، الغذاء والماء واللعب والنمو والهدوء والتسليم، كل شيء يحدث في انسجام تام، وتناغم لا مثيل له؛ حتى تخرج إلى الحياة، روح أتت من عالم البرزخ تختبر الحياة عبر هذا الجسد، هنا تتوحد الروح النورانية مع الجسد المادي، هذه المعجزة هي أنت! أنت روح قبل أن تُصبح جسدًا، الروح سبقت الجسد بكثير، فحقيقتك هي روحك التي هي بداخل جسدك، كثير من البشر عاشوا وماتوا ولم يدركوا أنهم ليسوا أجسادهم ولا عقولهم، ظنوا أن الأدوات لها السيادة.

سل نفسك: الحرفي أهم أم أدواته؟ الأدوات بدون الحرفى لا شيء، لا قيمة، والحرفي الماهر يعلم أهميه الاهتمام بالأدوات وصيانتها باستمرار. فإن لم يهتم؛ ستتلف الأدوات، وستعيقه عن تأدية عمله في الحياة، ولكن الحرفي بإمكانه شراء أدوات أخرى، لكن الإنسان لا يمكنه شراء جسد أو عقل. كان من المهم أن أذكر ذلك المثال؛ حتى نضبط المعادلة، فالإنسان روح، وهذه الروح لها جسد وعقل، إذن روح + جسد + عقل = إنسان.

في أعماق التاريخ كان «هرمس» مثلث العظمة يتحدث عن القوى الخفية، أي: عالم الروح، والتي شكلت الواقع المادي، فقال حينها لتلاميذه: كل شيء مرئي هو نتاج لشيء غير مرئي، ثم أتت الأديان تتحدث عن نفس الفكرة، إن كل شيء مادي هو نتاج لشيء غير مادي، وكل الشرائع ظلت تتحدث عن تلك الفكرة، أن العالم الروحي هو العالم الذي يخرج منه العالم المادي، فكل فكرة تبدأ في العالم اللامرئي، ثم تتحول إلى العامل المرئي، حتى بداية العلوم المادية الحديثة، في بداية العلم المادي، كانت الكنيسة هي المتحكمة في كل شيء؛ فقرر العلماء حينها، وقالوا: لن نتدخل في مجالكم الروحي الخفي هذا. نحن سنبحث فقط ي الأشياء المادية المحسوسة، وعندما استطاع نيوتن توقع حركة الكواكب بدراسة الخصائص المادية فقط، حينها صرح العلماء، وبكل ثقة، بما أن نيوتن استطاع أن يفهم عمل الكون بطريقة مادية، دون الحاجة للأشياء الخفية، فلا حاجه لنا إلى دراستها، سنكتفي فقط بدراسة المادة فقط، لكن  في عام 1925 اندمجت فيزياء نيوتن مع فيزياء أكبر تُدعى الفيزياء الكمية، اكتشفت الفيزياء الكمية أن الكون مصنوع من الطاقة، وليست المادة، ثم تسأل العلماء ما هي الطاقة التي يتحدث عنها علماء الفيزياء الكمية، والتي يتكون منها الكون؟ فقالوا هي تسمى (المجال)، وما تعريف المجال؟ المجال هو قوى متحركة خفية تؤثر في العالم المادي، قوى خفية؟ كيف تكون قوى خفية؟

شدد علماء الفيزياء الكمية على وجود مجال خفي متحرك، وهو الأساس الأولي للعالم المادي. وللتوضيح، فإن الكرسي الذي تجلس عليه الآن، أو الكتاب الذي تمسكه، أو أي شيء أمامك، هو شيء مادي ملموس، ولكن هو على المستوى الدقيق، المستوى «الكونتى»، هو مكون من حزم من الطاقة. وبهذا عاد العلم المادي إلى الحقيقة القديمة التي قالها هرمس، والتي أصبحت في سياقها العلمى الذي يقول إن كل الكون هو على تواصل ببعضه البعض، فجميع خلايا جسدك على المستوى «دون الذري» هي متصلة مع كل خلايا الكون، تؤثر في الكون،  وتتأثر بالكون أيضًا، جيمعنا في نظام واحد متكامل، فكما أن خلايا أجسادنا تكونه، فإننا بالمثل خلايا صغيرة في جسد الكون، صنع الله الذي أتقن كل شيء.

المحورالأول: الجسد تحت المجهر

«لماذا تُريد أن تفتح الباب الخارجي عندما يكون هناك باب داخلي؟ كل شيء في الداخل»

سات غوروسيفا

يقول الدكتور «بروس ليبتون»، وهو عالم بيولوجيا، ومؤلف كتاب التطور العضوي، وكتاب بيولوجيا المعتقد، إن العلم الحديث اكتشف أن عقلنا الواعي المبدع يتحكم ويدير حياتنا بنسبة 5% كحد أقصى في معظم الوقت، وهذا يعني أن العقل اللاواعى يتحكم ويدير حياتنا بمقدار 95%، هذا، وكما عرفنا في البوابة الأولى، بوابة العقل، أن العقل اللاواعي يتحكم في قيادة الجسم، وبشكل لا إرادي: فالرئة والقلب، وكل أعضاء الجسد، تعمل بصورة شبه آلية تحت سيطرة العقل اللاواعي.

ولهذا يسأل الدكتور «ليبتون» من أين نحصل على برنامج صحي للاوعي؛ كي نستخدمه؟  علمًا بأن العقل اللاواعي تتم برمجته بطرق كثيرة جدًا، وبه كم مهول من المعتقدات والقناعات والأفكار التي من الممكن، وبشكل أساسى أن لا تكون جيدة لإدارة أجسادنا بالصورة المثالية، فجسد الإنسان يتكون من أكثر من 50 تريليون خلية تقريبًا تعيش كمجتمع واحد، والعقل هنُا يمثل الحكومة التي تحكم ذلك المجتمع، فإذا عملت الحكومة بشكل متناغم مع أعضاء المجتمع، سيُصبح المجتمع مجتمعًا صحيًا وينمو ويزدهر، ولكن عندما لا تكون الحكومه داعمة، ولا تعمل بتناغم مع المجتمع؛ فقد تتسبب الحكومة في انهيار طبيعة ذلك المجتمع، وفي بعض الاحيان تقضي على الجميع.

إذن التناغم هنا يعني إعطاء الجسد الطعام المناسب والجيد، والطعام نقصد به الطعام الجسدي والعقلي أيضًا. يروي الدكتور «بروس»، ويقول: أخذت خلية مصابة بمرض من جسد أحد المرضى، ووضعتها في بيئة جيدة ومناسبة للحياة، وتركتها لفترة من الزمن، ثم رجعت؛ واكتشفت أن الخليهة أصبحت سليمة، وقد عالجت نفسها ذاتيًا، ثم تساءلت: من المتحكم في بيئة الخلية في الجسد؟ إنها الحكومة، إنها العقل الذي يتحكم في تلك البيئة، فإن الدماغ يُطلق كيمياء تطابق الأفكار، فعندما أكون متوترًا وخائفًا، هذا يجعل العقل يُطلق مواد كيميائية مختلفة في الدم، فتؤثر في بيئة الخلية، وكذلك عندما أقع في الحب، يطلق عقلي أنواعًا أخرى من الكيمياء؛ فتؤثر أيضًا في بيئة الخلية، فالمواد الكيميائية التي تنطلق من الحب، تدعم النمو والشفاء في الجسد، وتدعم نظام المناعة، وفي المقابل عندما نواجه الخوف، ونطلق هرمونات التوتر إلى أجسادنا نحن، نُغلق آليه النمو، ونظام المناعة للحفاظ على الطاقة، فالخائف من أسد مثلًا يحتفظ بالطاقة، ويغلق آلية النمو، ونظام المناعة؛ كى يضخ تلك الطاقة إلى الأطراف؛ للمساعدة في الجري، وهذا غالبًا ما يحدث في الحالات الدفاعية في السلوك البشري، هذا الحبس للطاقة يُنتج خللًا في الجسد، ويؤثر على الجهاز المناعي، ولهذا، فإذا كان التوتر شيئًا مستمرًا مع الإنسان، فإن الجسد يستمر في ضخ المواد الكيميائية السيئة للجسد؛ مما يسبب المشاكل والأمراض، ولهذا فإن أساس الحياة هو أن يكون الإنسان في حالة شعورية سعيدة، والتعايش المتناغم مع البيئة هو الأساس من الناحية البيولوجية، ولهذا ليس من المحتمل الاستمرار في العيش بالخوف والتوتر والغضب، أو كل تلك الأفكار السلبية؛ لأنها ببساطة تسبب الأمراض، ولك أن تتخيل في عصرنا هذا كم التوتر الذي تجده في الشوارع، والغضب والسلبية، والتي ينتج عنها ملايين من المرضى بصورة أو بأخرى. ولك أن تتخيل كم المعتقدات السلبية التي تبرمجنا عليها منذ طفولتنا إلى الآن.

عمل الدكتور بروس ليبتون بحثًا آخر ذكره في كتابه، قام فيه بوضع خلية في بيئة بها غذاء، ووضع خلية أخرى في بيئة بها سم، وبعد مرور الوقت لاحظ أن الخلية الأولى تتغذى وتنمو، بينما الأخرى تتراجع بعيدًا عن السم، متخذة وضع حماية، ومن هنا استنتج أن مجموع خلايا الجسد، إما أن تكون فى وضع نمو، أو في وضع الحماية، ولا يمكن أن تكون الخلايا في الوضعين معًا، إما أن تنمو، أو أن تحمي نفسها، هذا ينطبق على مجموع خلايا جسد الإنسان المكون من أكثر من 50 تريليون خلية، وهذا يعني أن الطفل الذي يحظى بالحب؛ سوف ينمو، والطفل الذي لا يحظى بالحب؛ سيتعثر نموه. وهناك آلية في الجسد تدعم هذه الفكرة تُدعى «المحور الوطائى النخامي الكظري»، الوطائي هو جزء في المخ، وهو الذي ينقي الإشارات، حيث تأتي الإشارات من البيئة المحيطة وترتبط بالمخ، يقول العقل: هل هي إشارات إيجابية أم سلبية؟ إذا كانت الإشارة سلبية، فما سيحدث هو الضغط، سيقوم بتفعيل الغدة النخامية، والتي تدعى الغدة الرئيسة، والغدة النخامية هي التي تتحكم في شكل الجسد، وآلية عمله، وكما قلنا سابقًا: هناك شكلان: إما النمو، أو الحماية، إما القوة أو الضعف، في حالة الإشارات السلبية فالضغط يقوم بتفعيل الغدة النخامية؛ لتدخل في حالة القتال أو الهرب.

لدى الإنسان منطقتان في جسده هامتان، باستثناء الرأس، هناك الأطراف، والتي تختص بالدفاع في الحالات الدفاعية، ومنطقة المنتصف، أي المعدة والأحشاء، والتي تختص بالنمو؛ ولهذا فإنه في حالات التوتر أو الخوف أو الغضب، يتم عصر الأحشاء، وتعطيل جهاز المناعة والنمو، ويتم ضخ تلك الطاقة إلى الأطراف التي تحتاجها للجري أو الدفاع عن النفس.

ومن هنا نستنتج أن نظام الغدة الكظرية هو لحمايتك من تلك الأخطار التى تهددك في البيئة من حولك، مثل الوحوش والأعداء… إلخ، بينما نظام المناعة يحميك من الأشياء التي تدخل تحت بشرتك، مثل الفيروسات والعدوى، ولهذا عندما ترتفع هرمونات الغدة الكظرية يتوقف نظام المناعة تمامًًا؛ لأن الدم كله، والطاقة جميعها تذهب إلى الأطراف للحماية، وهذا يعُني أنك عندما تكون تحت ضغط، فأنت لا توقف نموك فقط، بل توقف نظام المناعة لديك تمامًا.

ولهذا نجد الطلاب في الامتحانات، عندما يكونون تحت ضغط، يشعرون بالمرض؛ لأن جهاز المناعة متوقف، وهم عرضة في هذه الحالي للأمراض، ليس هذا وحسب، بل تحت الضغط نكون أقل ذكاء؛ لأن الدم لا يغذى الجانب الأمامى من الدماغ المسؤول عن التفكير، بل يغذى الجانب الخلفي من الدماغ، والمسؤول عن الدفاع، والمسؤول عن ردة الفعل، ولهذا نكون أقل ذكاء تحت الضغط.

الخلاصة

إن إدراكك ووعيك يتدخل بين بيئتك، وبين جسدك؛ لأن الإدراك والوعي يعتبر مرشحًا للأفكار التي يتعامل معها الجسد، فإن كانت الأفكار إيجابيه تعزز الحياة والنمو، وإن كانت سلبية تجعلنا عرضة أكثر للأمراض؛ ومن هنا أتت أهميه الأفكار والمعتقدات الموجودة في العقل اللاواعي، وأيضًا في البيئة المحيطة بك من الأسره والأصدقاء والمجتمع، فجيمعها مؤثرة بشكل مباشر في صحتك أو مرضك. وهناك كثير من الأبحاث التي تؤكد أنه حتى العوامل الوراثية لا تتحكم بشكل كلي في مرضك؛ فقد تم اكتشاف أن خلايا مرض السرطان مثلًا 95% ليس له صلة وراثية، 5% فقط من الحالات تكون عن الوراثة، وغالبًا تظهر في الصغر، وأما إذا ظهر في الكبر؛ فهو نتيجة لأفكارك ومعتقداتك، ونتيجة للبيئة المحيطة بلا شك، فالبيئة المحيطة والمعتقدات تعمل على تفعيل تلك الجينات الوراثية للظهور والتعبير عن نفسها، فقد أثبت العلم أن المعتقد بإمكانه تفعيل جين السرطان أو تفعيل جين الحكمة؛ لأن نظامك العصبي يرى إدراكك للبيئة ويفسره؛ فينتقل هذا الإدراك عبر جهازك العصبي؛ ليصل إلى الخلايا، فتستجيب الخلايا على حسب محتوى الإشاره الواصلة لها، فإن كانت إشارة سلبية تعمل عليها، وإن كانت إيجابية تعمل عليها أيضًا.

كل ما ذكرته فى هذا الباب كان لأجل شيء واحد فقط، وهو أن تصل إلى نقطة الفهم الصحيح، وأن تقتنع بشكل عملي، وبالشواهد العلمية أنك المسؤول عن نفسك، وعن قراراتك، وعن اختياراتك. ولهذا فمن الآن يجب أن تتبنى الفكرة التي تقول إنك المسئول عن كل شيء يحدث، إن تحملك المسئوليه هو أول اليقظة، كن يقظًا وتحمل مسئولية نفسك.

المحور الثانى قوه التفكير الإيجابى

هناك من يتذمر لأن للورد شوكًا، وهناك من يتفاءل لأن فوق الشوك وردة.

جبران خليل جبران

يعيش المتفائلون حياة أطول من المُتشائمين، هذا ما أثبتته دراسة علمية نُشرت عام 2004 في مجلة «أرشيف الطب النفسي العام» لخصت الدراسة أن هُناك علاقة واقية بين التفاؤل وجميع أسباب الوفيات في سن الشيخوخة، بحيث إن التفاؤل يحميك من الأمراض.

درس العلماء الاستجابات المُقدمة من قبل 999 رجل وامرأه من ألمانيا تتراوح أعمارهم بين الخامسة والستين والخامسة والثمانين، بحيث يقومون بترديد تلك العبارات:

«غالبًا ما أشعر أن الحياة مليئة بالوعود» «ما تزال لدى توقعات إيجابية عن مستقبلي»

«هناك الكثير من لحظات السعادة في حياتي» «غالبًا ما يحدث الضحك المبهج»

«ما زال لدي العديد من الأهداف التى أناضل لأجلها» «أنا في روح عالية معظم الوقت»

وكانت النتائج مُذهلة: إن اولئك الذين أبدوا مستويات عليا من التفاؤل، وتفاعلوا بإيجابيه مع السؤال الأول، كان احتمال خطر الموت لديهم بأى سبب أقل بنسبة 45%، وكذلك كان احتمال خطر الموت بسبب أمراض القلب بنسبة 77% من أولئك الذين أظهروا مُستويات عليا من التشاؤم.

لقد فحصت دارسة أخرى السيرة الذاتية لحوالي (180) راهبة كاثوليكية، كُتبت في بداية دخول الراهبات الدير. فحص العلماء السير الذاتية بعد ستين سنة، واكتشفوا أن الراهبات اللاتى كتبن بإيجابية أكثر عند بداية دخولهن إلى الدير، عشن أطول بكثير من زميلاتهن اللاتي كانت كتاباتهن أكثر سلبية.

إن أحد أسباب أهميه المواقف الإيجابية الكبيرة هو أنه يرفع من أنظمتنا المناعية؛ وبالتالى يزيد قدرتنا على مُحاربة المرض.

المحور الثالث:  قوه الاعتقاد والتفاؤل

ماذا لو اكتشف العلم دواءً يعالج كل الأمراض؟ ماذا سيحدث للعالم حينها، كل نشرات الأخبار ستتحدث عنه، وسيصبح أكثر أنواع الدواء مبيعًا في العالم. أليس كذلك؟

المفاجأه أن هذا الدواء موجود بالفعل! هو الدواء الوهمي! نعم الدواء الوهمي. دعني أوضح الأمر. الدواء الوهمي هو عقار دوائي زائف مُصنع بطريقة تبدو تمامًا كالدواء الحقيقي. إنه يُستخدم في التجارب الطبية، بحيث يمكن اختبار تأثير الدواء على المريض. عندما تكون تحت  تأثير الدواء الوهمي من المفترض أن لا تُشفى، ولكنه يحصل؛ لأن المرضى يعتقدون أنه دواء حقيقي؛ ببساطة، إن تفكيرهم يشفيهم.

هذا ما قاله الدكتور «فابريزيو بينيديتي»، أستاذ علم الأعصاب في جامعه تورين للعلوم الطبية، وهو خبير عالمي في مجال تأثير الدواء الوهمي، عضو في مجموعة دراسة الدواء الوهمي وتأثيره الأولي على التفكير، الدماغ، والسلوك بجامعه هارفرد. منذ قدوم تقنية التصوير الدماغي، كانت هناك موجة من الاهتمام بتأثير الدواء الوهمي، أظهر البحث الآن أنه عندما نؤمن أننا نتناول الدواء الوهمي على أنه حقيقي، يُضيء الدماغ، وكأننا نتناول الدواء الحقيقي، وُينتج المواد الكيميائية الطبيعية الخاصة به. لقد حدث هذا بالفعل مؤخرًا مع مرض «باركنسون» الذى تنشأ أعراضه من تلف جزء من الدماغ الذى يُفرز ماده تُسمى «الدوبامين» الأمر الذي يؤثر في الحركة. أظهر البحث أنه عندما أعطي الدواء الوهمي مرضى «باركنسون»، أُخبروا أن هذا الدواء هو دواء مُضاد لمرض باركنسون، فإنهم كانوا قادرين على الحركة على نحو أفضل. أظهرت فحوصات الدماغ بالأشعه أن الدماغ يتفعل في المنطقة التي تتحكم بالحركة، وأن الدوبامين يُنتج فعليًا. إن تحسن الحركة، ليس أمرًا نفسيًا  فحسب، بل إنتاج مادي لماده الدوبامين في الدماغ. وهذا يجعلنا نفكر مرة أخرى بمقولة إن كل شيء مرئي هو نتيجة لشيء غير مرئي، أي أن الأحداث تحدُث على المستوى الروحي أو اللامرئى أولًا، ثم تتجلى إلى الواقع المادى، فمجرد اعتقاد المرضى فى فاعلية العلاج جعلت الجسم يستجيب ليُنتج المواد الكيميائيه التى يحتاجها للشفاء. وهذا الشىء ليس اكتشافًا حديثًا، بل لقد أُثُبت أنتاج المواد الكيميائية فى الدماغ عندما يتناول الانسان دواء وهميًا بداية من عام 1978 عندما أوضح علماء فى جامعة كاليفورنيا فى سان فرانسيسكو، أن فقدان الألم عند تناول الدواء الوهمي يحدث بسبب أن الدماغ يُنتج مسكنات الألم الخاصة به، وقد أثبت البحث الأكثر تطورًا أن هناك الآلاف من المواد الطبيعية في الدماغ والجسم التى تسكن الألم وتعالج الأمراض بشكل طبيعي، إذا تم تفعيلها بمجرد الاعتقاد، وإليك بعض المعلومات والأرقام التي تؤكد قوه الاعتقاد.

فى عام 2007 قدمت شركه أدويه تقريرًا عن نتائج تجربة نوع جديد من الأدوية لمرض قصور القلب الاحتقانى ( congestive heart failure  ) أظهرت الاختبارات أن الدواء قد ساهم فى تحسين الحالة بنسبه 66% من المرضى، وهذه النسبة جيدة جدًا، ولكن المدهش فى الأمر أن الدواء الوهمى الذي أعطوه للمرضى كما لو أنه علاج حقيقي حسن الحالة بنسبة 51% من المرضى. الدواء الحقيقى يعالج 66 شخص من كل مائة، بينما الوهمى يُعالج 51 شخص من كل مائه. العلاج الوهمي لم يعالج شيئًا؛ إنه الاعتقاد هو الذى يُعالج. هناك كثير جدًا من الأبحاث التى خرجت بتلك النتائج النسب متقاربة بين الشفاء بسبب علاج حقيقى وبين العلاج بالدواء الوهمى . من المهم القول إن نتائج كهذه لا تُعنى أن المرض ليس حقيقيًا، كما يؤمن البعض، ولكنها تُعنى أن الجسد يملك القدرة على تطوير حالة من التفكير تستطيع شفاؤه.

فى دراسه أجريت عام 1954 , أعطى مرضى مُصابين بتقرحات نازفه حُقنًا مائية، وأخبروا مجموعة منهم أن هذه الحقن سوف تشفيهم، ومجموعه أخرى قالوا لهم إن هذه الحقن تجريبية، وجدوا أن المجموعة الأولى التى قيل لها إن هذه الحقن ستشفيكم أظهر 70% تحسنًا ممتازًا، ولكن المجموعة الأخرى التي قيل لها إنها تجريبية تحسن فقط 25 % منهم. إذن على قدر الاعتقاد تكون الاستجابة. إذا كان الانسان متشائمًا، فالتشائم تفكير سلبى، وكما نعلم أن التفكير السلبى يُضعفنا، وإذا كان الإنسان متفائلًا، فهذا تفكير إيجابى، والتفكير الإيجابى يقوينا، وهذا ما أثبتته الأبحاث أيضًا.

قارن العلماء بين عامى 2005 و 2007 فى جامعه توليدو فى أوهيو بين استجابات متفائلين ومُتشائمين إلى الأدوية الوهمية فى سلسلة من التجارب. أعطوا المتفائلين والمتشائمين قرص دواء وهمى، وأخبروهم أن هذا القرص سجعلهم يشعرون بالتوعك، استجاب المتشائمون على نحو أكبر وشعروا بالتوعك على نحو أكبر من المتفائلين، ثم أعطى العلماء للمتفائلين والمتشائمين علاج نوم وهمى، وأخبروهم أنه سيجعلهم ينامون على نحو أفضل. هذه المرة استجاب المتفائلون على نحو أكبر وناموا على نحو أفضل من المتشائمين. نفهم من هذا أن المتفائلين هم على الارجح أكثر استفادة من أي شىء سيجعلهم أفضل، والمتشائمون هم على الأرجح أكثر استجابة مع اى شىء من المفترض أن يجعلهم أسوأ. إن مفتاح الشفاء يقبع داخلنا.

المحورالأخير: التخيل

بعد حين . التخيل هو حلم يقظة ذو هدف، إذا تصورت جزء من جسدك، فإن الجزء يشعر بذلك، أما الأجزاء الأخرى فلا. أوضح علماء جامعه كونيكتي كت فى مقالة علمية نُشرت عام 1996 فى مجله العلوم النفسية أنهم أحضروا مجموعة من المتطوعين عددهم 56 متطوعًا، وأعطوهم مرهمًا وهميًا، وقالوا لهم: إن هذا المرهم يخفف الألم إذا وضع على الأصبع، وبالفعل دهنوا به الأصبع السبابة فى يد، وقام العلماء بتحفيز الألم لديهم فى الأصبع السبابة فى كلتا اليدين، وكانت النتائج أنهم جميعًا شعروا بالألم فى الأصبع الذى لم يدهن، بينما الأصبع السبابة الذي تم دهنه بالمرهم الوهمى كان أقل إحساسًا بالألم.

عندما يكون لدينا ألم، ونتناول دواءً وهميًا ونؤمن أنه مُسكن للألم، فإن وعينا بمكان وجود الألم وتوقعنا أنه سيذهب بعيدًا، يبدو أنه يجعل الألم يختفى تمامًا. الأبحاث والمقالات العلمية الحديثة كثيرة جدًا، ولا تنتهى، والتى تتحدث عن أن التخيل كعمل من أعمال العقل بإمكانه أن يشفى الجسد، وفى الحقيقة إن العقل على اتصال بكل خلية فى الجسد، فعندما نلمس شيئًا بأيدينا مثلا نشعر به؛ لان العقل التقط الإشاره من اليد، وكذلك بنفس الطريقة جرب أن تُغمض عينيك، وتتخيل أن يدك تزداد سخونة، ستجدها بالفعل تزداد سخونة، وعلى نفس المقياس هذا سبب أننا عندما نصرف انتباهنا عن الألم، فإن بعض الألم يذهب. على الرغم من أن الأمر يُشبه الدجل والروحانيات، ولكن الآن هناك قسم كبير من الباحثين يعملون على  اكتشاف تلك القدرات البشرية، لقد أظهرت دراسات علم الأعصاب الآن على نحو قاطع أنه إذا فكرنا فى تحريك جزء من الجسم، فإن المنطقة من الدماغ التى تُسيطر على ذلك الجزء تتحفز، إن تفكيرك فى تحريك يدك على سبيل المثال يُنشط خريطه اليد فى الدماغ، وعلى نفس النمط استنتج العلماء أن بمجرد تخيلك للشفاء من مرض ما؛ فإن المخ ينشط، ويُنتج مواد كيميائية  تساعد هذا الجزء على العلاج.

فى دراسه عام 2008 فى مشفى ويليام بيمونت فى رويال أوك، متشيغان، استخدم التخيل المُوجه فى معالجة التهاب المثانة الخلالى، واستخدمت خمس عشرة امرأة التخيل الموجه لمده خمس وعشرين دقيقة مرتين فى اليوم إلى حوال ثمانية أسابيع، ركز التخيل الموجه على علاج المثانة: إرخاء عضلات أسفل الحوض، وعلى تهدئة الأعصاب المشاركة للحالة، استرخت خمسة عشر امرأة فى مجموعة المراقبة أثناء هذه الأوقات، أظهرت النتائج أن النساء اللواتى استخدمن التخيل الموجه انخفضت الأعراض والألم عندهن، وعلى نحو ملحوظ، مقارنة مع النساء الأخريات التى لم يقمن بذلك.

إن التخيل الموجه يؤثر حتى فى شفاء الجروح، أثبت هذا فى دراسة عام 2007 فى مدرسة التمريض فى جامعه شمال غرب لويزايانا، تضمنت أربعًا وعشرين مريضًا خضعوا لعملية جراحية من أجل إزالة المرارة. إن المرضى الذين استخدموا التخيل الموجه لم تنخفض لديهم  هرمونات التوتر والقلق فحسب، ولكنهم أيضًا حصلوا على مستويات أقل بكثير من التهاب الجرح الجراحى، والذى يظهر عادة على شكل احمرار حول الجرح، والمرتبط دائمًا بالعدوى أو الالتهاب، من حيث التأثير يسرع التخيل الموجه من شفاء جروحنا.

أخيرًا اكتشفنا أن القيم الافلاطونيه لم تكن كلامًا نظريًا، فالعلم الحديث يكاد يجزم بأن الأفكار الحميدة والنبيلة والإيجابية تُحافظ على الجسد من الأمراض والعكس صحيح، فإن الإنسان إذا حافظ على النمط الإيجابى والمتفائل سيجنى في واقعه المادى ثمرات هذه الأفكار النبيلة وسيغدوا جسده أكثر صحة من ذلك المتشائم والمتذمر. أتمنى لكم الصحة والعافية، بوركتم جميعًا.

ملخص سريع

  • إن اكتشافات الفيزياء الكمية بأن كل شىء فى الكون هو طاقه فتح الباب على مصرعيه للبحث عن قوة الطاقة البشرية وكيفية استخدامها وقلل الفجوه بين العلم والدين.
  • إن أبحاث الدكتور بروس ليبتون، عن الخلايا وتأثرها بالتفكير، أضاء لنا جانبًا من  أسباب انتشار الأمراض، وجعلنا نعى بشكل أعمق كيفية عمل الجسد.
  • إن الأبحاث والمقالات العلمة التى تتحدث عن قدرة الدواء الوهمى فى الشفاء فتحت الباب على مصراعيه للبحث فى مجال الشفاء الذاتى أو قدرة الجسد على شفاء نفسه عن طريق قوة الاعتقاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الجسد

المصادر

الدكتور بروس ليبتون , وهو عالم بيولوجيا و مؤلف كتاب التطور العضوى وكتاب بيولوجيا المعتقد وله فديوهات كثيره على اليوت يوب
كتاب كيف يستطيع تفكيرك ان يشفى جسدك , للدكتور دافيد هاميلتون .
كتاب هرمس مثلث العظمه للمؤلف مانلي هول .
كتاب الشفاء الذاتى آندرو ويل .
بعض الابحاث والمقالات العلميه من مواقع مختلفه موضحه فى المقال .
عرض التعليقات
تحميل المزيد