تطورت بعض برامج «الكاميرا الخفية» إلى حالة مفيدة وراقية، بدلًا من الترويع والسخافات والاستفزاز والتوريط. بعض البرامج استحدثت أساليب لاختبار القيم والأخلاق لدى عموم الناس: قيمة الدفاع عن بنت ضد التحرش، الدفاع عن أب ضد عقوق ابنه، رفض التطبيع مع إسرائيل، إعادة أموال وقعت من صاحبها، إسعاف من أصابته أزمة صحية… إلى آخره!

وهذا لا شك تطور جيد ومفيد ومهم. لكن ينبغي التنبيه فيه على أمرين:

الأول: أن قوة الدفاع عن هذه القيمة تعبير حقيقي عن قوة تماسك هذا المجتمع، وعن احتفاظه بالقيم الإسلامية الأصيلة المتجذرة كعادات وتقاليد. إن المجتمع الذي يندفع فيه أحدهم ليضرب الابن العاق لوالده (وهو في غضبته تلك يرى أن هذا من حقه: إنزال العقاب بالمخطئ الذي لا علاقة له به) هو أشد تماسكًا وتراحمًا وأصالة من المجتمع الذي يكتفي فيه المرء بالنصيحة أو الكلام أو حتى إبداء الامتعاض من غير فعل!

الثقافة المجتمعية الحقيقية هي التي يرى فيها الأفراد أن من حقهم «تغيير المنكر» أو «الحسبة على غيرهم» أو «التدخل في شؤون الآخرين». وكلما قويت هذه الثقافة كان المجتمع أبعد عن التغريب وأقرب إلى الإسلام وأرجى للنفع والأمل!

الثاني: أن قيمة تغيير المنكر هي قيمة إسلامية أساسية، بل هي شرط خيرية هذه الأمة، أي أن الأمة تفقد خيريتها إذا امتنع أفرادها عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. بل إن زوال هذه القيمة هي سبب لعن الأمة وإسراع الفناء إليها كما قال تعالى (لُعِن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه). وأخبر النبي أن أول ما دخل الفساد إلى بني إسرائيل أن صاحب المعصية فيهم لا يجد غربة وإنكارًا من المجتمع، بل يظلون على علاقتهم الطبيعية به في المجالسة والمؤاكلة والصحبة.

وطوال القرن الماضي كان علماء الاجتماع يفرقون بين «المدينة الحديثة» باعتبارها البيئة التي أصابها التغريب، وتفشت فيها الفردانية، وقل فيها التماسك الاجتماعي، وانقطعت فيها اهتمامات الناس ببعضهم البعض ومعرفتهم ببعضهم البعض، وبين الأحياء الشعبية أو القرية التي «يمارس أفرادها الحسبة على بعضهم البعض» وتجمعهم قيم عامة يدافعون عنها، فهذه هي البيئة الشرقية «التقليدية» التي لم يصبها «التحديث»!

ولهذا البحث والتفريق آثار طويلة عريضة في فهم نفسيات القادة والسياسيين. فكلما كان السياسي على رأس السلطة وليدَ بيئة اجتماعية متماسكة خيف منه على العلمانية والتغريب (أردوغان ومرسي مثالًا). وكلما جاء من نمط تحديثي تغريبي استقر وتأسس وترسخ نمط العلمانية والتحديث والرأسمالية الطاحنة (والأمثلة كثيرة تشمل كل الطبقة الثانية من الحكام الذين هم أبناء الملوك والرؤساء: جمال مبارك أو سيف الإسلام القذافي أو بشار).

وأسوأ الأمثلة هم أولئك الذين خرجوا من الطبقات المطحونة ثم وصلوا إلى السلطة فاندمجوا فيها وفي نمطها فتحولوا إلى ملوك جدد، كسائر طبقة العسكر والمنافقين والوصوليين في المجتمعات المتحولة اقتصاديًّا واجتماعيًّا!

المهم أن هذا الأمر ليس مسألة بسيطة أو عابرة بل لها آثار بعيدة أفاض علماء الاجتماع في دراستها وتوصيفها، خصوصًا وأن الاحتلال عمل جاهدًا على صناعة طبقة ملتصقة به، يكون لها تعليمها الخاص وسكنها الخاص وقيمها الخاصة وعلاقاتها الخاصة وأهدافها الخاصة.

[لمن أراد التوسع: اقرأ ما كتبه المسيري عن الجماعات الوظيفية وعن الفوارق بين المجتمعات التراحمية والمجتمعات التعاقدية، أو نماذج تطبيقية مثل: «معذبو الأرض» لفرانز فانون – «استعمار مصر» لتيموثي ميتشل].

بقي أهم ما في الموضوع، والذي لأجله كتبت كل ما سبق، وهو:

إن التدخل لتغيير الخطأ ليس مستنكرًا في أي وجدان إنساني، بل إن الذي يتدخل (خصوصًا لو كان يعرض نفسه للمخاطر) يحظى بأوصاف البطولة والشهامة والمروءة والإنسانية!

المشكلة هنا في أمر واحد، بسيط ولكنه جوهري وفارق: من الذي يحدد أن هذا «خطأ»؟!

نحن المسلمين لا إشكالية لدينا في هذا، فالإسلام يحدد ما هو الصحيح وما هو الخطأ، ولدينا في هذا تراث هائل من النصوص القرآنية والنبوية فضلًا عن تراث فقهي كبير يدور حول شرح هذه النصوص وتحديدها وفهمها!

وهكذا لكل قوم مرجعيتهم الثقافية التي تحدد لهم ما هو الصحيح وما هو الخطأ. وهي المرجعية التي تتحول إلى نصوص قانونية تحميها الشرطة والقضاء!

نكبتنا الحالية هي أننا دولة مسلمة مفروض عليها سلطة علمانية، وهذه السلطة تعمل جاهدة على مطاردة الإسلام، ولا يرضيها إلا أمثال أحمد الطيب وخالد الجندي وسعد الهلالي وبقية التافهين الذين خانوا الله ورسوله وباعوا دينهم لأجل السلطة!

لذلك نعاني من محنة شديدة ظهرت بأبرز وجوهها في فتوى دار الإفتاء (وهي فتوى خارج السياق وغير مفهومة بالنسبة لي حتى الآن) التي تعتبر أن المجاهرة بالفطر في رمضان ليس ضمن الحرية الشخصية وإنما هو اعتداء على قدسية الإسلام. (ولا شك أن الفتوى صحيحة تمامًا).

ساعتها دخل العلمانيون والمسلمون التائهون الذين لا يعرفون دينهم ولا حتى لديهم فكر متكامل لينقدوا هذه الفتوى ويهاجمونها. (فضلًا عن بشاعة أن يهاجمها نصراني لا علاقة له بالأمر أساسًا).

هنا يبدو الفارق واضحًا بين نموذج العلمانية والإسلام!

الإسلام الذي يبيح للناس التدخل للدفاع عن امرأة ضد التحرش، ويحثهم على تغيير منكر عقوق الوالد، ويوجب عليهم التدخل لإنقاذ مريض سقط في الشارع؛ هو نفسه الإسلام الذي يعطيهم الحق في إنكار وتغيير منكر المجاهرة بالإفطار في رمضان! ويعطيهم الحق في إنكار وتغيير زي المرأة المتبرجة أيضًا!

أما العلمانية، ولأنها ثقافة أخرى ونموذج معرفي مختلف، فإنها تريد من الناس أن يتحركوا ضد التحرش وضد الاعتداء على طفل وإنقاذ مريض، وهي نفسها تمنعهم من التدخل ضد المجاهرة بالإفطار أو الزنا أو الشذوذ أو التعليق على زي المرأة باعتبار هذا كله «حرية شخصية»!

فالذي يهاجم فتوى دار الإفتاء فيه علمانية ولو لم يعرف أو يقصد. وهو لا يعترض على مسألة التدخل في الحرية الشخصية نفسها (لأنها يبيحها في حال الاعتداء على طفل أو عجوز) ولكنه مسكون بثقافة علمانية تفرق بين أمور لم يفرق بينها الإسلام، وتجمع بين أمور فرق الإسلام بينها.

وهم في غمرتهم هذه يتناسون ظروفًا كثيرة وفوارق ضخمة وأساسية بين الإسلام والعلمانية.

وكنا فيما سبق، قد نشرنا على صفحات ساسة بوست سلسلة في رؤية الإسلام ومنهجه في بناء المجتمع المسلم، والفارق بينه وبين النموذج الغربي، وتحدثنا عن طبيعة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ضمن هذا النظام، ونعيد التذكير بها هنا لمن شاء:

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات