في إحدى محادثاتي الإلكترونية مع صديق عزيز؛ كُنّا نتحدث عن التغيير وكيف يبدأ وماذا باستطاعته أن يصنع. طبعًا، كان تأثرًا بما يجري بالوطن العربي بشكل عام. فالكل يحلم بالتغيير والكل يدعو إليه. وقد تبدو كلمة «التغيير» مطاطة أكثر من اللازم ؛ حيث يملك كل شخص تعريفًا خاصًا وأهدافًا كامنة وراء هذا «التغيير».

قال صديقي إن التغيير هو رحلة وليس مجرد هدف نسعى للوصول إليه. ولم أنفك أفكر بتلك العبارة «التغيير رحلة Change is a journey». إذًا على ما يبدو بأنه ليس هدفًا صعب المنال! وليس مجرد كلمة مطاطة تحمل معانيَ كثيرة، ويبدو أيضًا أن الكثير يحمل مفهومات مغلوطة عن تعريف التغيير. فلو ضربنا مثلًا، بأنني أريد تغيير شخصٍ ما، فتغيير هذا الشخص لن يكون هدفًا في حد ذاته بل – وإن كنت ذكيًا بما فيه الكفاية – سأقوم باتخاذ خطوات لتغيير هذا الشخص. وأبدأ رحلتي الطويلة.

الشخص المطلوب تغييره هو شخص مختلف عنّي، يملك أهدافًا تتعلق به، ويُسيّر حياته وفقًا لمبادئ اتخذها وتربى عليها، لذلك عليّ:

  • بأن أحدد نقاط الاختلاف أولًا.
  • ثم أحلل تلك النقاط وأحاول تقييمها.
  • بعد ذلك أقوم بتحدّي مواقفه الثابتة على أمل أن تهتز أرضيته الصلبة التي يبني عليها اختلافاته.

تلك أولى الخطوات في رحلة التغيير. وكل مرحلة من المراحل ستأخذ وقتًا طبعًا. ويظهر لي أنني كلما تعمقت في تلك المراحل أجد أنه ما زالت فكرة التغيير هي غاية بالنسبة لي. لأنني وببساطة أفتقد الغاية المطلوبة للقيام بتلك الخطوات.

سيبدأ نقاش طويل بيني وبينه، ربما يصل لجدل صاخب. سأحاول إنكار كل الهجوم الذي سينتج بطبيعة الحال. وربما سيبدأ هو الآخر رحلة بخطوات مختلفة لتغييري! هنا سأكون هدفًا للتغيير، أو ببساطة رجلًا آخر في رحلة التغيير. عندها سيصل بي الحال للتشكيك بمبادئي الأساسية، لأن خصمي يريد أن يهز تلك الأرضية التي أبني عليها اختلافاتي. وبدون شعور منّي سأجد نفسي أمام خيارين؛ إما أن أتقدم خطوة إلى الإمام، أو أن أتقوقع في دائرة أفكاري. وذلك ينطبق على الشخص الآخر أيضًا.

كما يقول فرانسيس بيكون في فلسفته الملاحظة والتجريب «ابدأ بالضروري، ثم انتقل للممكن، تجد نفسك فجأة تفعل المستحيل».

فكلما تقدمت خطوة إلى الإمام، أصبح لدي القدرة على رؤية الجانب البعيد للشخص المختلف. فأصل بنفسي لمرحلة «التقدير». فأقدر لماذا يفكر بهذه الطريقة، ومدى أهمية مبادئه الأساسية بالنسبة له، وأيضًا الطريقة المثلى للوصول للهدف الذي سيتضح ولكن ببطء شديد. قد يكون الهدف أبسط ما يكون وهو «التعايش وقبول الآخر». ولكن قبل أن نقترب من هذا الهدف كان علينا أن نسير خطوات بل أميالًا في عدة مراحل للتغيير.

يصبح لدينا نتيجة لذلك تغييرٌ إيجابي لأهداف إيجابية. فلا يدفعك هذا التغيير إلى الخضوع، أو التخلي عن مبادئك التي ترسم بها حياتك، وبنفس الوقت يحميك من أن تكون الطرف المتقوقع حول نفسه والذي يريد فرض أفكاره ومبادئه على الطرف الآخر رغم كل الظروف.

رحلة التغيير قد تتطلب مراحل كثيرة، وتتطلب أيضًا وقتًا طويلًا حتى يتبلور لدى كل الأطراف المختلفة الهدف الحقيقي والمبتغى المطلوب. وذلك لن يتم أبدًا إلا بالمبادرة واختيار المضي إلى الأمام خطوة بخطوة بدل أن يختبئ كل طرف في قوقعته المتصلبة دون أي نتائج ودون تحقيق أي غاية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد