سنوات سبع عجاف خداعات انقضوا أو كادوا منذ حلم يناير 2011 البعيد، سنوات سبع، خون فيهن الأمين فسحق سحقا، وائتمن الخائن، فاسترعيت الذئاب، ومن استرعى الذئب فقد ظلم، سنوات سبع لم يختلفوا كثيرًا عما سبقهم، وإن لاح فيهم لوهلة بشائر تغيير سرعان ما تم دهسها بحذاء عسكرى ثقيل لتعود الأمور لما يشابه قبل ما قبل الخامس والعشرين 2011 في استحضار ركيك مزر يفيض بالكوميديا السوداء لنموذج عبد الناصر عميد جمهورية الظباط ونظام الستينيات الشعبوي الشمولي شديد القمع والبطش.

مثلت ثورة يناير فى وقتها بحق التهديد الأكثر خطورة على النظام المصري خلال أكثر من ستة عقود منذ الخروج من الثكنات صبيحة يوم الثالث والعشرين من يوليو 1952، والاستحواذ على السلطة فى مصر بحراك جماهيرى عارم طال ثمانية عشر يوما حملهم كارهين ابان عنفوان الثورة على التخلى عن رأس النظام طيلة ثلاث عقود اللواء طيار حسنى مبارك ليتطلب الأمر منهم قرابة العامين لاستيعاب الصدمة، وإعادة ترتيب الأوراق سمحوا خلالهم شكليًا بالوصول لأعلى هرم السلطة لرجل ينتمى لجماعة تمثل حرفيًا عدا سنوات قلائل العدو التاريخى للنظام المصري منذ إسقاطة الملكية وأسرة محمد علي.

تحل ذكرى يناير تلك المرة مع حلول نهاية فترة المشير الرئاسية الأولى وسط استعدادات تجرى على قدم وساق لتنصيبه أخرى ، أربعة أعوام قضاها عبد الفتاح السيسى على رأس النظام المصري نجح فيهم تماما فىي القضاء على جل الشعبية الملموسة التي حازها عقب أحداث الثلاثين من يونيو 2013 وبعدها بقليل.

غضب جلي واستياء تعاينهم أينما وليت وجهك أمتد حتى داخل أروقة النظام المصرى يظهر على السطح منه كما أشرنا في مقال سابق اتجاه الفريق أحمد شفيق لإعلان ترشحة بما لهذا من دلالات قبل أن يتراجع مرغما بعد ضغوط ليخلفه الفريق سامى عنان رجل العهد القديم القوى الذي يبدو عصيًا على الضغط، ويستطيع الصمود إلى حد ما، بالاضافة إلى العقيد المقيم في السجن الحربي حاليًا أحمد قنصوة.

يرى قطاع ما داخل جمهورية الضباط، وإن كان القطاع الأضعف نسبيا من جبهة السيسي، أن السخط الحاصل بين العموم على تردي الأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار السلع والخدمات المواكب لخطوات رفع الدعم وتعويم العملة، وإن كان يبدو سخطا مكتوما حاليًا، خاصة بعدشطحات القبضة الأمنيه الشرسة وفزاعة ما جرى للإخوان، والذى فاق بأشواط بلا أدنى شك ما كابدته الجماعة إبان الستينات، إلا أنه يظل وضعا مشحونا خطيرا ينبىء بتبعات سيدفع بالعموم للتظاهر عند ظهور الظرف المواتي.

دفع ذلك التصور بعض النافذين داخل النظام المصري من الساخطين على أداء المشير للتقليب في الأوراق القديمة ومحاولة الدفع بجنرال آخر قد يساعد فى حلحلة الأمور إلى حد، ما وتلطيف الأجواء ولو بأقل القليل الذي يبدو تحت حكم السيسي عصيا على التنفيذ، كالإفراج عن الشباب المعتقل منذ سنوات، كخطوة نحو تصالح مجتمعى تبدو الحاجه له أمرًا ملحًا، أو حتى محاولة رفع العبء عن الطبقات الوسطى والأقل، والتي حملت النصيب الأكبر من دفع فاتورة الإصلاح الاقتصادي كما يراه الجنرال.

لا يملك السيسي كاريزما عبد الناصر وقدرته الفريدة على التأثير في العموم، ولا دهاء السادات وذكاءه اللافت، ولا حتى رتابة حسني مبارك المستقر وقدرته على الحفاظ على ثبات الأوضاع تحت أي ظرف، لكنه والحق يقال استطاع أن يوطد أقدامه داخل جمهورية الظباط بعد عقود قضاها مغمورا فيها ليحظى بقبول قطاع لا يستهان به من النافذين داخل النظام المصري العتيد أحد آخر الأنظمة العسكرية المتبقيه من موجة انقلابات منتصف القرن العشرين الكلاسيكية على الملكيات بتشعباته المعقدة في كل مناحي الدولة المصرية بمؤسساتها وأجهزتها، والذي يبلغ من القوة ما يمكنه من لفظ أي رئيس لا يجيء على هواه كما عاينا مع الدكتور محمد مرسي ليضحي من الصعب تبعًا لمعطيات الواقع الحالي منافسة السيسي حتى عند الأخذ في الاعتبار تذمر بعض ذوي النفوذ داخل النظام وما أشرنا إليه آنفا من محاولة الدفع بجنرال آخر له باع طويل داخل جمهورية الضباط كأحمد شفيق وسامي عنان.

حالة إنهاك مزمن أصابت عموم المصريين عقب سنوات ساخنة استنفدوا فيها ما دفعهم لابتلاع قرارات المشير الاقتصادية العنيفه بالرغم من تبعاتها القاسيه عليهم.

احتجاجات ومظاهرات صاخبة اندلعت مؤخرا في ايران وتونس ملهمة ثورات الربيع العربي المنكود، وإن لم ترق إلى مستوى الثورة، إلا أنها تعطي برهانًا واضحًا عن مدى سرعة تغير الأمور في ديكتاتوريات الشرق الأوسط، وأن القبضة الحديدية كما في نظام الملالي الإيراني ليس بمقدورها منع سخط العموم إلى الأبد، بل فقط قد تصنع سطحا مستقرا تحته نارا تغلي تحت الرماد تنتظر أن تسنح الفرصة.

يبدو أمل الثورة حاليًا كأضغاث الأحلام وسط مظلة الحرب على الأرهاب الفضفاضة والتي تسمح للنظام بالكثير وسط اتهامات معلبة يتم إلقائها بالجملة من عمالة وتحريض، إلا أن المناخ المحتقن من تردي الأوضاع الاقتصادية والفشل المتجلي في التعامل مع ملفات استراتيجيه هامه كسيناء وسد النهضة يجعل من الصعب التكهن بما يحمله المستقبل القريب، خاصة وأن سياسة الهروب إلى الأمام التي يتبعها المشير لن تنجح، إلا في ترحيل الأزمات السياسيه والاقتصادية إلى وقت لاحق.

يبدو جيل ثورة يناير محبطًا تمامًا، بعد أن كاد يلمس نجوم السماء ليهوي إلى أعماق مستنقع آسن فاق ما ثار عليه من قبل وسط مؤتمرات مضحكة تعقد للشباب يحضرها السيسي دوريًا في مشهد عبثي ليس مستغربًا بالنظر إلى كثرة ما نراه من ذلك العهد من مفارقات.

يظل حلم التغيير موجودا، نظل له أوفياء، وتظل ذكرى الثورة لا تنسى يوم كنا أحرارا. (لا يزال الأغبياء يتصورن أن الثورة قابلة للهزيمة) تشى جيفارا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد