أعلنت صفقة القرن أخيرًا بعد انتظار طويل، وبعد الجدل الواسع الذي خلفته ملابساتها، ومحاولة المحللين التكهن بأهدافها وبنودها، وتحذيرات الكثيرين من مخاطرها ومآلاتها.

اليوم بات كل شيء في هذه الصفقة واضحًا للجميع، بعد إعلانها من طرف ترامب بحضور مخزٍ لبعض الدول العربية، الانحياز الأمريكي لإسرائيل كان واضحًا كالعادة، بل كان هذه المرة مبالغًا فيه إلى حد كبير، فالصفقة أو لنقل الصفعة جعلت القدس عاصمة موحدة، لكن ومع كامل الأسف ليست لفلسطين، بل للكيان الإسرائيلي، ثم وضعت خريطة لفلسطين عبارة عن أراض متصلة، بمساحات صغيرة جدًا، وما تبقى للصهاينة، ثم بنود أخرى كلها تصب في مصلحة الكيان الصهيوني.

أنا في الحقيقة لم أستغرب من إعلان ترامب لهذه الصفقة البتة، بالنسبة لي كان ذلك أمرًا عاديًا، وأعتبره جزءًا من سلسلة صفقات الدعم الأمريكي لإسرائيل الممتدة على عقود من الزمن، لعل من بينها تلك التي وقعها أوباما قبل رحيله، والتي حصلت إسرائيل بموجبها على دعم عسكري قدره 38 مليار دولار على مدار 10 سنوات، فالدعم الأمريكي لليهود لم يعد أمرًا غريبًا، لكن الغريب هو استقباله بالكثير من التعجب والاستغراب، وما دام الطرف الفلسطيني غائبًا تمامًا عن صفقة القرن ورافضًا لها رفضًا قطعيًّا، فلا يمكن اعتبارها سوى صفقة دعم تشبه سابقاتها، ليست إلا.

لكن في الحقيقة هناك شيئين يدعوان للاستغراب بشدة، أولهما: أن تُعلن هذه الصفقة كونها خطة سلام في الشرق الأوسط، مع أن الذي يظهر لكل ذي عقل سليم أنها خطة حرب بامتياز، فهي منحت كل شيء لإسرائيل، وهي في حد ذاتها حرب معلنة على الفلسطينيين بدل أن تكون خطة سلام، أما الشيء الثاني وهو الأكثر غرابة، فهو موقف البلدان العربية الذي أقل ما يمكن أن نقول عنه أنه كان مخزيًا ومؤسفًا للغاية، فجل البلدان العربية أشادت بعمل ترامب وإعلانه لهذه الصفقة، وثمّنت مجهوداته لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، ويبقى الشيء الوحيد الذي تأكد بعد هذا الموقف المخزي هو أن البلدان العربية لم تعد تحدث أي تأثير في القضية الفلسطينية، هذا إن لم يكن تأثيرها سلبيًّا يخدم المصالح الإسرائيلية، كما وأنها لم تعد تملك الشجاعة للتعبير عن مواقفها بشكل واضح ومعلن للجميع، فحتى تعبيرها عن قبولها للصفقة كان محتشمًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

إن تهاون الحكومات العربية مع هذه الصفقة وتصفيقهم لإعلانها، جعل الكل يقف حائرًا عاقدًا يديه وراء ظهره، مستسلمين لسؤال يُعبِّر عن ضعفٍ ليس له مثيل قد حَلّ بالشعوب العربية وحكوماتها، وهو: ماذا يمكن أن تقدمه هذه الصفقة المشؤومة على أرض الواقع؟ صحيح أن هذا السؤال يعبر عن ضعف، لكنه في الوقت نفسه هو غاية في الأهمية، وهو واقعي كل الواقعية، والإجابة عنه واجبة وحتمية.

مما لاشك فيه أن بنود الصفقة خطيرٌ تحققها على أرض الواقع، وإذا تحققت فسيصبح من المفروض على العالم الإسلامي حينها أن يلقي تحيته الأخيرة على القدس وفلسطين، لكن كلنا يعلم أن طريق صفقة القرن ليس طريقًا معبدًا وخاليًا من العقبات، فدبلوماسيًا هذه الصفقة لا تملك أي نقاط قوة تخول لها فرصًا للنجاح، خاصةً مع ظهور بلدان رافضة لها بالتمام، منها دول عربية كالأردن وتونس والجزائر وقطر، ثم بلدان أخرى كتركيا، وما يعزز من ضعف هذه الصفقة على المستوى الدبلوماسي هو الغياب الكلي للفلسطينيين، ثم الانحياز الواضح للكيان الإسرائيلي الذي من شأنه أن يجعل المجتمع الدولي رافضًا لهذه الصفقة، وبالتالي فتحقق بنود صفقة القرن على الميدان رهين باستخدام القوة، التي لا تأبه سلطات الاحتلال لأحد في استخدامها، أمام تغاضي المجتمع الدولي على جرائمها المتكررة ضد الفلسطينيين، خاصةً في قطاع غزة، وما دام الأمر هكذا، فما هو منتظر أن يتحقق بعد الإعلان كان من شأنه أن يتحقق قبله بسنوات.

إن ما حققته هذه الصفقة بعد الساعات القليلة من إعلانها كان كله يصب في مصلحة الفلسطينيين فقط، خاصة التقارب الذي حدث بين فتح وحماس والذي -كما وصفه بن هنية، رئيس حماس- يؤسس لمرحلة جديدة من المحاورات بين الحركتين المتنازعتين، فأكيد أن الرئيس عباس بعدما تخلت عنه أمريكا وأعلنت انحيازها للرواية الإسرائيلية، ثم عدم استقباله من قبل أوروبا، وضف إلى ذلك عدم وقوف البلدان العربية في جانبه، أكيد أن كل هذا سيفقده الأمل في النجاح بالسياسة التي يعتمدها، وسيجعل الحل الوحيد أمامه هو الاتجاه نحو غزة لتسوية العلاقات معها، أما إعلان صفقة القرن فسيزيد من الضغط عليه أكثر وسيدفعه إلى مصافحة غزة ووضع النزاعات جانبًا، وهذا بالضبط ما صرنا نراه يتحقق على أرض الواقع، إن احتمال المصالحة بين فتح وحماس صار واردًا بنسبة كبيرة بعد إعلان صفقة القرن، ولو تحقق ذلك، حينها سنقول إن السحر قد انقلب على الساحر، لأن أكبر تحد يواجه فلسطين الآن لا يتمثل في الاحتلال، وإنما بتمثل في التشتت الحاصل بين الفصائل، وبالتالي فإن الوحدة الفلسطينية هي في حد ذاتها ضربة موجعة على وجه الاحتلال الصهيوني الذي استفاد كثيرا ولا يزال يستفيد من الفرقة الحاصلة بين الفصائل الفلسطينية، وهي أيضًا ضربة موجعة لصفقة القرن.

إذن دعونا نقول أن صفقة القرن ليست جديدًا يذكر، فما هي إلا قديم يعاد بصور مضاعفة لشريط الدعم الأمريكي لإسرائيل، ولا يمكنها أن تضيف شيئًا جديدًا، سوى أنها ستحرك أمواج غزة لتهيج في وجه الاحتلال من جديد، وبالتالي فالنقل أنه لا شيء من هذا يخيف ولا مفاجأة هنالك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد