أثارت أحكام الإعدام المتتالية بحق رافضي الحكم العسكري بمصر ردود فعل متباينة سواء على المستوى المحلي أو الدولي وبخاصة عندما طالت هذه الأحكام قيادات جماعة الإخوان المسلمين وعلى رأسهم مرشد الإخوان، وأول رئيس مصري مدني منتخب ينتمي لهذه الجماعة ألا وهو الرئيس محمد مرسي.

فعلى مستوى الداخل انقسم المجتمع كما هو الحال منذ الثالث من يوليو 2013 بين رافض لهذه الأحكام ويعتبرها انتقامية ومسيسة بامتياز بحق الثورة والثوار، وأن الفاشية تطل برأسها في أبشع صورها من قبل العسكر على المشهد الثوري المصري، كما أن هذه الأحكام الجائرة ستأتي آثارها على المجتمع تباعًا، وأما الفصيل الآخر المؤيد للعسكر فقد علت نبرة التشفي للبعض منهم، معتبرين أن ذلك سينهي مسألة الصراع القائمة مع الثورة بالضربة القاضية، أما البعض الآخر فقد رأى أن الأمر قد فاق ما كانوا يتوقعونه، فصمت البعض منهم وتكلم البعض في الغرف المغلقة خوفًا أو خجلًا.

وكان للخارج أيضًا ردود فعل متباينة، فعلى الرغم من استنكار المنظمات الحقوقية الدولية، وعلى رأسها منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومان رايتس واتش وغيرها من المنظمات، أحكام الإعدام هذه، وعلى الرغم من إعلان بعض الدول الغربية اعتراضها على أحكام الإعدام لعدم توافقها مع ثقافتها الرافضة لأحكام الإعدام، إلا أن ذلك لم يجدِ نفعًا في إيقاف نزيف الإعدامات، مما ترجمه البعض بالقول “إن ضوءًا أخضر قد أعطى من حكومات هذه الدول لمباركة هذه الأحكام”، وإلا فما معنى استضافة هذه الدول لقائد العسكر والتعامل معه، وتقديم كافة أشكال الدعم لنظامه، وهي التي لو أرادت لفعلت معه كما فعلت مع صدام والبشير وغيرهما.

لقد حرص العسكر على تصدير نظرية الصدمة والرعب، المنقولة عن الأمريكان، والتي ينتهجونها بحق المخالفين لهم منذ أول يوم، وذلك بكيل الضربات القاصمة لرافضي الانقلاب العسكري، ومنها استصدار قضاتهم أحكامًا بالإعدام بالجملة، بلغت في بدايتها قرابة الألف حكم، والتي كان الهدف من وراء كثرتها إرهاب الثورة والمجتمع، مع تهيئة الناس بقبول الأمر الواقع دون اعتراض إذا ما نفذت هذه الأحكام بحق العشرات من الثوار، أو بعض قادتها، أو حتى رئيس الدولة المنتخب من قبل الشعب.

لقد بدأ اختبار ردة فعل المجتمع والثورة، بتنفيذ أول حكم بالإعدام على محمود رمضان، فلما لم يجد العسكر ردًّا من الثوار أو المجتمع يحملهم على إيقاف الأحكام، أتبع ذلك إعدام ستة من الثوار فيما عرف بقضية عرب شركس، فجاءت النتيجة أن رد الفعل لم يكن قويًّا بما يكفي لردع العسكر عن الاستمرار في مسلسل الإعدامات، ومن ثم بدأ الترتيب للمرحلة الأكبر، بتنفيذ حكم الإعدام ببعض قادة الحراك الثوري من الإخوان .

ولكون أحكام القضاء المدني قابلة للطعن، كما أن إجراءاتها ليست بالسرعة التي يريدها العسكر، فتم تحويل اثنين من أعضاء مكتب الإرشاد ومعهم بعض الثوار للمحكمة العسكرية، وذلك حتى يضمن العسكر محكمة تنفذ ما يريدون في أسرع وقت، ولا بأس أن يكون من بين ذلك أحكامًا بالإعدام قابلة للتنفيذ على وجه السرعة بحق قادة الإخوان، وكأنهم يقولون للثوار وفي القلب منهم الإخوان، نحن جادون فيما نحن مقدمون عليه، وليس لدينا مانع من أن يطال تنفيذ أحكام الإعدام مرشد الإخوان وحتى رئيس الجمهورية المنتخب.

وقد يبدو أن أحكام الإعدام بحق قيادات الإخوان ورئيس الدولة، الهدف من ورائها، إطفاء شمعة الشرعية المتمثلة في الرئيس مرسي، والتي لا زال الحراك الثوري يتمسك ويطالب بها، بالإضافة إلى إخماد الحراك الثوري، وذلك بفصل الرأس عن الجسم، وإرهاب بقية الثوار، إن هذا هو المصير الذي ينتظركم، فليس أمامكم إلا الرجوع والاستسلام، أو السجن والإعدام.

ولكن يبقي السؤال، هل إعدام قادة الإخوان هو الحل؟ فالبعض يرى غير ما يرى العسكر، من أن هذه الإعدامات بحق قادة الإخوان، ستجعلهم أيقونات لثورة مستمرة لن ينطفئ أوارها، حتى تحقق أهدافها، فتصبح المعادلة صفرية بصورة لا تقبل المناقشة، فها هم قادة الحراك الثوري بنظر الثوار، يبذلون أرواحهم لتحقيق أهداف الثورة المصرية، فليس أقل من أن يبذل الثوار أرواحهم في ذات الطريق، مع احتمالية تفجر الموقف بصورة لا يستطيع أحد إيقاف عجلته، ومن ثم يكون البكاء على أطلال وطن قد دمرته قرارات حمقاء غير مسئولة، فتضيع فرص، لا زالت قائمة حتى اللحظة بين من لم تتلوث أيديهم بالدماء، فهل نقتل الفرصة السانحة، أم نحي موات الفرص الضائعة؟ سؤال يجيب عليه عقلاء هذه الأمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد