في أحد الأيام وأثناء حملة كنت مشاركًا فيها داخل الجامعة حول الحجاب كان دوري مع مجموعة من أصحابي أو إخواني سؤال زميلاتنا فى الكلية بشكل عام هل الحجاب فريضة أم سنة؟ وأذا كان فرضا فما هو حده؟!

 

وكانت إجابة 90% ممن سئلت أن الحجاب سنة ومن أجابت على أنه فريضة كان حده عندها أنه غطاء الرأس وفقط؟!

 

وهذا يعيدنا إلى الذهول الذي يصيب المرء حين يشاهد فديوهات أخرى لا يعلم الناس فيها أسماء مشاهير الصحابة أو التفريق بين بنات النبي وزوجاته أو حتى بين بعض الأنبياء والصحابة والطامة الكبرى أن عددا آخر لم يكن يعلم ما هو اسم رسول الله الذي جاء برسالة الإسلام الخاتمة وبعضهم شاب شعره ولا يستطيع قراءة الفاتحة؟!

 

تعجبت؟

سيزيد عجبك لو علمت أن هذا يحدث فى حواضر الإسلام وفي المدن الكبرى التي عرفت رايات الصحابة وكبار العلماء لكن العجب سيزول لو أدركت أن هذا حدث بعد سنين طوال من تحكم العلمانيين في زمام الأمور وانشغالهم الرهيب بحرب الدين وما يمت له وتخرج في عهودهم دفعات من أئمة وخطباء ووعاظ كان باطن الأرض خير لهم من ظاهرها على ما يحدثون الناس به وينشرونه بينهم بل لربما يحدثون الناس بما لا يفهمونه هم أنفسهم ولا يطبقونه فهذا يضع الحديث على المنبر وآخر يستشهد بالآيات في غير موضعها وثالث يأتي بأساطير هي أقرب إلى روايات ألف ليلة وليلة ويزينها بقال الله قال رسوله صلى الله عليه وسلم ناهيك عن تلاميذ علماء السلطان أولئك الذين مجدوا قول الحاكم وقول شيوخهم فى الباطل الواضح حتى جعلوا الظلم والقتل والسرقة وأكل أموال الناس بالباطل مشروعا ومن يجاهدهم في دفعه داعية للفتنة ممسوسا من الشيطان الرجيم.

 

ثم كان اضطهاد المظاهر الدينية وجعلها سببا في قطع الأرزاق أو الملاحقة أو تأخير فرص العمل ناهيك عن الاشتباه والتصنيف والترقب والحذر في التعامل والكلام.

 

نعم هذا يعم كل المعارضين في «بلاد ما وراء الديكتاتورية» ولكنه يخص المعارض وغير المعارض إذا تعلق الأمر بمظاهر الإسلام والخوف منه و وإلا فـ«سيد بلال» لم يكن يوما معارضا للنظام.

 

جعل هذا البيوت وخاصة الآباء والأمهات يدفعون أبناءهم عن أبواب التدين والتمسك بمظاهر الدين وشعائره دفعا عنيفا في كثير من الأحيان فقد صار خطرا وخرجت أجيال متعاقبة تمارس الإسلام (بلا قواعد) بل ومن كثرة ما يقدم لها الإسلام في صورة ماسح الجوخ ومأوى الظالمين ومضطهد المرأة وعدو السلام الأول والوكر الأكبر لممارسة الدعارة بشعارات شتى كرهوا الإسلام باطنا لكنهم لم يستطيعوا البوح بهذا بين خلانهم فجاءتهم فرصة الواقع الافتراضي فأظهروا ما كانوا يخفونه وانساقوا خلف ما لم يناقشوه بشكل سليم لأنه لم تترك لهم يوما مساحة كافية للنقاش.

 

لكنه للأسف من كثرة ما ناقش (المتردية والنطيحة وما أكل السبع) ظن أن الكل كذلك وأن الدين هو ذلك وصار يرفض حتى الإجابات الصحيحة.

وأصبح الذي يمارس بيننا اليوم هو شيء غريب عن الذي جاء به محمد رسول الله وأصبح الغالب منا يمارس الإسلام على ما يرى وليس على أصول الدين التي يجهلها هو ومن يحدثه عن العودة إليه في الغالب وقدمت العادات على الدين حتى كسر جيل بعد جيل العادات وهجروا الدين الذي شوه.

 

فترى الرجل فى المسجد باكيا وفى الأفراح يراقص النساء، حريصا على الصف الأول كحرصه على متابعة برامج نجوم الرقص والفن الذي لا يلتفت إلى قول الدين فيما يقدموه ويفعلون، يحدثنا عن الرحمة وهو لتوه قد ضرب صبيا بال فى المسجد وسب أباه الذي أحضره معه، يتأسى على فساد الناس، ومجالسه لا تخلو من الغيبة والنميمة والوقيعة بين عباد الله، يمجد الزكاة وهو لم يكن يوما حريصا على إخراجها بل ربما يزيغ ويهيم لما تذكر أمامه، يسأل الله أن يصرف عنه المال الحرام ويعلو صوته إذا حضرت سيرته «ربنا يكفينا شره» وهو لتوه قد أخذ فوائد البنوك الربوية ليشتري بها بعض احتياجاته الخاصة.

 

ولكن هذا لم يتم لأن الناس رضيت بهذا وأحبته من تلقاء نفسها بل لأن الدول «الإسلامية» فرضت النظام الربوي في التعامل ولم ترض يوما بغيره بديلا إلا لما أجبرها السوق على ذلك فسمحت بنماذج (تسمى إسلامية) عليها شوائب تعكر صفو راياتها فمن ذا الذي يقرض الناس قرضا حسنا وقت أن تحتاج؟!

 

ومجدت الدولة كل المظاهر التي جاء الإسلام على خلافها وضيقت أيما تضييق على كل من قال هذا حرام أعيدونا إلى أصول ديننا، وحاربتهم بمسوخ سموا شيوخ جعلوا الحرام حلالا والحلال حراما وانتعلهم السلطان واحدا تلوا الآخر وكل واحد يركب ينادي عليه الشيخ لا تنس دعاء الركوب فهو بركة؟!

 

فخرج المواطن العلماني وهو لا يدري عن علمانيته شيئا بل يعيشها فقط وخرج معه الحجاب العلماني كذلك.

فبعد سنوات من المناداة فى الإعلام بشتى وسائله أن الحجاب تخلف وقهر ورجعية وسبب في انتشار الجريمة، رغم أننا لم نر نجاحا واحدا أو حرية رأي تمجد وتحترم أو تقدما واحدا يحرز في صناعة «إبر البواجير» أو حفظا للأمن واحترام القانون في ظل القيادة «البلبوصية» ودعاتها الذين لم يعترفوا بالحجاب فيما بينهم بل و حتى نواديهم تمنع دخول المحجبات وتجعلهم مادة السخرية الأولى نجحت الدعاوى الشعبية فى إيجاد نظرة أخرى ووجهة نظر غير متأثرة (بخطاب الحكومة الديني) وأقبلت الفتيات على الحجاب وصار التنافس بينهن على دعوة أخواتهن في الدين إلى طاعة الحجاب أو اللباس الشرعي المذكورة صفاته في كتب الفقه والتخصص وليس في برامج «الشيخ ميزو» أوقناة فتافيت.

 

ولكن بدلا من التعاون بين المؤمنات بوجوب النقاب والمؤمنات بوجوب الخمار في الدعوة لتعليم من لم يكن يعلم هذا الفضل العظيم تنافس الفريقان وبالأخص دعاة النقاب على تسفيه كل منهم رأي الأخر رغم أن عامة دعاة الفريقين «عوام» ينقلون ما يقال لهم ممن يثقون في علمهم فظهر من كل فريق مواصفات جديدة للحجاب أو للباس المرأة المسلمة يقول من خلاله كل فريق للأخر أنا الأكثر حرصا على ستر المرأة المسلمة أما لباسك فمحض اتباع للهوى.

 

فظهر «طرف ثالث» استغل موسم الهجرة نحو الحجاب ليظهر لنا نوعا جديدا من لباس المرأة المسلمة الذي يوازن بين صيحات الموضة المخالفة لمطلوب الدين في لباس المرأة تماما وبين الحجاب المعروف في «العرف الجديد» بغطاء الرأس فقط  تدعي فيه من ترتديه أنها محجبة لكنها على مقياس الشرع غير ذلك وبعضهن يردن إجبار الحجاب ليجعلها جميلة بدلا عن مساحيق التجميل والشعر المنشور فكان حجاب بعيون مرسومة ومكياج كامل من تحت نقاب، أو خمار شفاف ترتدي تحته مجسمات البدن أو بعطور فواحة وبهارج فكان مسخا لا إلى الدين صار ولا إلى غيره انتسب حتى قال بعضهم ساخرا لقد صار لدينا حجاب من أعلاه عمرو خالد ومن أسفله عمرو دياب.

 

وكان هذا أحد نتائج التضييق والاستحسان غير المبرر من دعاة الحجاب حول الألوان والأسماء وبعض تفصيلات الملابس حتى لو كانت موافقة لمعايير الشرع في لباس المرأة ومطلوبه فقط لكونه مخالفا لعرف المتدينيين في اللباس وأي شقاء لما يحتار المرء بين عرف أهل العرف وعرف أصحاب التدين فهذا يستحل حراما وذاك يحرم ما أحل الله. وأيضا لا نغفل أن بعض النساء يردن القول بأن الحجاب غير مانع من الانسجام مع المجتمع «كما لو أن الحجاب في الأصل غريبا عنه « فتنسجم حتى تنسى أصول اللباس وأحكامه، وأخريات لهن عين فى جنة الحجاب وأخرى في نار الموضة وزينة النساء المحرم إظهارها.

 

ولأننا أيضا لم نكلف أنفسنا بإخراج «بيوت للموضة» توازن بين جمال اللباس والتزامه بضوابط الشرع فيه وما زالت تجاربنا في هذا المضمار ضعيفة وبعض من دخلها أفسد مطلوب الشرع على حساب مطلوب السوق إلا النادر لمسلمي الغرب والأندر منه لمسلمي الشرق.

 

وكان من هذا التنافس والتوازن غير السليم بأن تجد فتاة أو امرأة محجبة حجابا كاملا تنشر صورا لغير المحجبات على صفحاتها من غير ضرورة للنشر مثل منشورات الحب والصداقة وغيرها وهذه نسألها أليس الحجاب فريضة؟!

وأليست المرأة ترتدي حجابها أمام غير المحارم لأنه لا يجوز لها إبداءه أمامهم ولا يجوز لهم النظر إلى ما أمرها الله بستره؟!

 

فكيف تستحلين نشر هذا فيراه الرجال على صفحتك أو الرجال الزائرين؟

فلو قالت: فليغضوا هم أبصارهم. لقلنا لها فماذا عمن لا يغضون أبصارهم من غير المؤمنين وغير المهتمين بتطبيق أوامر الله؟!

وهل هذا يعني أيضا أن تسير المرأة بغير حجاب في الشارع وتنادي على الرجال أن غضوا أبصاركم ؟ أو هل من الممكن أن نضع صورا لغير المحجبات على أبواب منازلنا ومداخل محلاتنا ونقول للناس غضوا أبصاركم ولو كان هذا هو الطريق فلماذا لم يوجهنا الله له ولو قال الله بخلاف قولكم فهل أنتم أعلم أم الله؟!

وهل لو أعجب الناس بالفكرة وتباروا في نشر صور غير المحجبات – بكافة درجاتهن بداية من إظهار الشعر حتى إظهار السيقان – على أبواب منازلهم هل عليهم وزر وقتها أم هم مأجورون إن شاء الله؟!

 

وما هو الضابط في نشر صور غير المحجبات؟ فهل يجوز نشر صورهن بلباس البحر أم نصف عاريات كما تفعل بعض المسلمات أم الصور التي يظهر الشعر فيها وفقط أم الشعر مع ملابس ضيقة أم ماذا؟!

 

ولو كان واحدا من هذه الضوابط في نشر صور غير المحجبات (لغير الضرورة) هو الصحيح عندك فما هو ضابطه العرف أم الدين وما الذي يجعل أحدهم مشروعا عندك والآخر ممنوعا؟!

ولو قال بعضهم العرف فهل العرف حاكم على الدين؟ وما قيمة الدين لو كان العرف هو سيد الموقف؟!

 

فإذا كنا نؤمن بأن الحجاب فريضة فيجب على من ترتديه أن ترتديه على مراد الله ووصفه المذكور في الكتاب والسنة والموضح جليا في كتب التخصص بعيدا عن التشدد والتنطع الذي لا يشفعه الدليل ولا يقوم له وبعيدا عن التسيب الذي جعل الحجاب مسخا لا يستساغ احترامه على تلك الطريقة، طريقة أصحاب الهوى.

 

وإذا كنا نؤمن بأن الحجاب فريضة فيجب علينا ألا ننشر ما يضاده ويعاكس دعوته بغير ضرورة أو نمجد أي عمل لا يحترم أو لا يوقر هذه العبادة فمن يحرم الزنا لا ينشر المواقع الإباحية والعكس بالعكس يكون.

 

وإذا كنا نؤمن بأن الحجاب فريضة فيجب أن نعرف بأنه علامة فارقة بين من تؤمن بقيمة الطاعة المطلقة لله فأينما وجهها توجهت حتى لو كان التوجه بخلاف رغبتها في إظهار زينتها ومنافسة الجميلات رغم كونها جميلة – والجمال نسبي – وأن القوية هي تلك التي امتلكت أدوات الجمال لكنها تخفيه عمدا عن عين كل غير مستحق والضعيفة هي من لم تصبر فأظهرته للجميع واستجابت لجراحات التجميل وأدواته المشروعة والممنوعة حتى يقال جميلة أو حتى تنافس غيرها من الجميلات، فقبح السفور أو التبرج المحرم يأتي لكونه مخالفا لمطلوب الله وليس لكونه تستقبحه العين أو تنفر منه كنفورها من رؤية المجذوم مثلا.

 

واذا كنا نؤمن بأن الحجاب فريضة فيجب أن ندرك بأن الحجاب فى نفسه لا يجعل من المرأة عفيفة أو بعيدة عن الكفر أو الزنا أو موبقات الأعمال أو متدينة صديقة.

 

لكنه مؤثر في نفس من ترتديه إيمانا به ولا شك، فمن يرتدي ثوب الفساق يتأثر ومن يرتدي ثوب الضباط يتأثر ومن يرتدي ثوب العلماء يتأثر إن ارتداه إيمانا وتأسيا أما من يرتديه تخفيا أو لغرض فلن يؤثر فيه شيء ولو ارتدى (بردة رسول الله) لكن العامل الحقيقي فى الطاعة أوالفسوق هو «القلب» الذي إذا صلح صلح سائر الجسد وإذا فسد فسد سائر الجسد وما الحجاب إلا أحد المعينات على إصلاح القلب والمجتمع لا غنى عنه.

 

واذا كنا نؤمن بأن الحجاب فريضة فيجب ألا نخجل من إظهاره ولا نتبارى من أجل تعديله حتى يقبله من لايؤمن به فهذا ديننا وما نؤمن فمن رحب بنا على وضعنا هذا فمرحبا ومن كره هذا منا لم نجبره على حبه ومن أراد إجبارنا على كره ما فرض الله علينا وتعظيم قوله هو دون قول الله و اتباعه كسرنا رأسه فالحجاب فريضة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد