لطالما كانت حرية الإنسان أم جبريته قضية معقدة، اختلف عليها جميع الفلاسفة وتنوعت نظرياتهم تجاهها، منهم من قال إن الإنسان حر في كل فعل ليس هناك ما يقيد أفعاله وإراداته، وهناك من نادى بجبرية الإنسان وخضوعه لسلطة الإله والقدر الذي ينظم جميع شؤوننا وحياتنا، وأن حرية الإنسان مجرد وهم من صنع الإنسان وهناك من نادى بالحرية والجبرية فالإنسان حر فيما خير له ومجبر فيما غير ذلك، وهذا يعني بأن الإنسان مخير وهذا يضفي عليه بعض الحرية.

من وجهة نظري أن الإنسان حر حرية تامة إذا تكلمنا عن علاقته بالسماء أو تأثير القوى الميتافيزيقية بالإنسان فهو حر ولا أرى أي تأثير لأي قوة ميتافيزيقية على حرية الإنسان بغض النظر عن اختلاف وجهات نظر البشر من وجود هذة القوى أم عدمها من الأساس. إذا لم يكن هناك إله فالإنسان حر، وإذا لم يكن فهذا لن يغير شيئًا فالإنسان أيضًا سيظل حرًّا.

إذا كان الإنسان حرًّا، لماذا نراه خاضعًا معظم الوقت، عاجزًا عن تحقيق شيء، مكبل بكل هذه القيود؟

للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نفرق بين حرية الإنسان كفرد وحده يعيش بجانب إخوانه في المجتمع يتأثر بهم ويأثر فيهم إذا أمكنه، يخضع لقانون مجتمعه ولعاداته وتقاليده وتعاليم دينه ولوائح عمله.

يا ترى هل هذا الفرد حر، هل هو نفسه يشعر بالحرية؟

هو حر ولكن لا في معظم الأحيان هو لا يشعر بالحرية، لأنه خاضع لسلطات كثيرة كسلطة القانون والدين والعمل … إلخ، كما ذكرنا من قبل، ولكن كل هذه السلطات لا تمثل قوة مطلقة تسيطر على الإنسان وتكبله، فالفرد من الممكن أن يكسر القوانين وأن يعصي أوامر الدين ويتنكر للعادات والتقاليد الخاصة بمجتمعه، وبالطبع أتحدث هنا في المطلق، نعني بكلامنا هنا أنه بإمكانه فعل هذا لكنه في الغالب لن يفعل ولكن ليس لأن الإله لم يرده أن يفعل ذلك، أو أن القدر قد حدد حياته مسبقًا أو لأن سلطة القانون مطلقة، ولكن ما يكبل الإنسان هو الإنسان نفسه، سواء كان تقييد الفرد لنفسه أو تقييده لإخوانه البشر.

أولًا، تقييد الفرد لنفسه أن الإنسان لن يتمرد على كل ما ذكرناه سابقًا ليس بسبب الإله لذاته أو القدر لذاته أو سلطة القانون لذاتها ولكن خوفًا من العواقب الناجمة عن تمرده، أو لجهله بحريته، أو لضعفه. كثيرًا ما يخاف الفرد من الحرية لأنها تضع على عاتقه مسؤولية التفكير بنفسه وإدارة حياته بنفسه وتسييرها، فهو بفضل العبودية التي تعطيه الأكل والشراب والملبس وتجد من يفكر له بدلًا عنه وتريحه من عناء الحرية الشاق، بالطبع هو يستطيع أن يتمرد على دينه الذي تلقنه بالوراثة ولكن ماذا بعد أن يتمرد سيصبح تائهًا سيفكر بنفسه من الممكن أن يصل ومن الممكن ألا يصل لشيء ولكن الدين الوراثي يوفر عليه عناء التفكير. الخضوع أسهل وأقل جهدًا من الحرية، من الممكن أن يتمرد على عمله ولكن من أين سيأتي بطعامه وشرابه، من الممكن أن ينكر العادات والتقاليد ولكنه سيواجه الشعور بالاغتراب. من الممكن فعل كل هذه الاشياء والتمرد كما قلنا سابقًا ولكننا نتكلم في المطلق أي أن الفرد بإمكانه فعل هذا في المطلق لكنه في الحقيقة لن يفعل لأسباب كثيرة ولكنها لا تشمل القدر والقوى الميتافيزيقية، من الممكن لأن العامة من الناس يؤثرون راحة البال والخمول على النضال والحرية.

أم عندما نتحدث عن الإنسانية جمعاء أو عن مجموعة كبيرة من البشر فأنا لا أستطيع أن أجد لهم مبرارات كثيرة لعدم شعورهم بالحرية ولا أريد أن أعترف بهذه المبررات، لماذا يرتضي البشر الهوان والخضوع، من الممكن كما قلنا سابقًا خوفًا من الحرية أو خوفًا من عواقب تمردهم، ولكن إذا تكلمنا عما إذا كانوا أحرار أم مجبرين فهم أحرار أحرار أحرار في المطلق، حتى إذا أخذنا بعين الاعتبار وجود الظروف والمكان والزمان الذي يعيشون فيه فمقدورهم الثورة في أي وقت على جميع الأوضاع التي تحيط بهم، يمكنهم تغيير ما يشاؤون ويمكن القيام بهذا في جميع الظروف، بل إنها تحدث خصيصًا في هذه الظروف سواء كانت حروبًا أو مجاعات أو أزمات اقتصادية ينتفض الشعب وقتها لينال من معذبيه ولا يحتاجون لفعل هذا أي مباركة إلهية أو أي مساعدات ميتافيزيقية، أو تأييد سلطة قانونية، لأنهم في ذلك الوقت يكونون أسياد أنفسهم وبإرادتهم سيضعون قانونهم، كل ما يعوزهم هو الإرادة والدافع لفعل هذا واتحادهم يكون أهم عامل لتحقيق هذه الثورة. في هذه الحالة يمكن أن نقر ببساطة أن الإنسان حر.

 

إذًا من أين جاءت جبرية الإنسان؟

نستطيع الرد على هذا السؤال كما أوردنا سابقًا بأن الإنسان هو من قيد نفسه وهو أيضًا من قيد إخوانه من البشر.

قيد نفسه عن طريق أم جهله أو خوفه. أو لأنه لم يرد عناء الحرية ففي هذه الحالة هو مجبر وخاضع وسيظل مجبرًا وخاضعًا ما لم يزل عن عيناه غمامة الجهل والخوف وتحلى بالعلم والشجاعة لتقبل حريته وتحديد مصيره.

تأتي جبرية الإنسان أيضًا عن طريق تقييد إنسان آخر له سواء فرد لفرد أو مجتمع لمجتمع.

فالفرد إذا أخضع إنسانًا له وتحكم فيه وهذا ممكن جدًّا أيًّا كانت الطريقة المستخدمة سواء بالسجن والتكبيل فهو يقيده ويخضعه أو إذا كان عن طريق المال، أو عن طريق التضليل والتلاعب بأفكاره كلها طرق تساعد على إخضاع فرد لفرد وسلب حريته، هنا يشعر الفرد الآخر بضعفه ويسلم بخضوعه وبجبرية الإنسان.

أم إخضاع مجتمع لمجتمع فهذا يحدث كثيرًا عندما يحتل بلد بلدًا آخر، وعندما يخضع هذا البلد الآخر للغازي فإنه إما يتجرع الذل والهوان وإما أن يكافح ليحصل على حريته ويسترد حقه. ومن الواضح جدًّا أي المجتمعين سيشعر بالحرية وأيهما سيشعر بالجبرية.

وليس هناك مثال أكثر وضوحًا من فرنسا إبان الحرب العالمية الثانية عندما احتل الجيش النازي فرنسا وانقسمت إلى حكومتين حكومة مؤيدة للألمان وحكومة تكافح لاسترداد حرية بلادها. بالطبع النصف الثاني هو من يشعر بحريته لأنه تحمل عناء هذه الحرية وقاتل من أجلها ليشعروا بوجودهم وسيادتهم، أم النصف الآخر سيشعر بالخضوع وسيقنع بجبرية الإنسان وتسليم مصيره للقدر أو ردها لأي سلطة أعلى منه وذلك لأنه تخلى عن حريته واختار الطريق الأسهل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحرية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد