شيماء تلك الزهرة الجميلة التي تشع نورًا، الشاعرة الحالمة، الثورية، التي شَقَتْ ببلدها شأن كثيرين منا، غادرت اليوم في رحلة نورانية تحفها الملائكة من تلك البقعة العفنة إلى الفردوس الأعلى، حيث العدالة والحرية والحق والخير والجمال والمساواة، غادرت عند مليك مقتدر سيتغمدها بعفوه ورحمته وفضله إن شاء جل وعلا، تركت بلال وليدها وتركت وراءها أبوابًا مشرعة على مصراعيها لأسئلة لا إجابة لها.

إلى متى يستمر قتل الشرطة غير المبرر؟

لأي مدى سوف يمتد جبروت الجهاز الشرطي في مصر؟

الموضوع ليس شيماء فقط أو سندس أو سائق تاكسي الإسكندرية الذي ربطه ضابط الشرطة في التاكسي الذي يملكه، إنما هي منظومة كاملة يعاث فيها الفساد، يغلب عليها سوء التصرف، والعنجهية غير المبررة في التعامل مع المواطنين كافة دون تمييز.
ولكن ما حدث اليوم هو تجلٍّ لأكثر التصرفات غباءً وفي توقيت قاتل، مع أن المسيرة التي كانت “شيماء” حاصلة على تصريح أمني بها وفقا لقانون التظاهر، وقلة عدد المشاركين بها، والتزامهم بالسلمية، هاجمتها الشرطة.

بدلا من احتواء غضب المواطنين من تردي الأحوال المعيشية وسوء الخدمات المقدمة، وانتشار أزمات مرتبطة بحياتهم المباشرة كأزمة الغاز والصرف الصحي وغيرها، قتلت شيماء اليوم من قبل الداخلية حسب تقرير الطبيب الشرعي وشهود العيان، الذي يعد تتويج الغباء للمؤسسة الشرطية وعلى رأسها السيد اللواء وزير الداخلية، بفعل أهوج فتح الباب لبركان غاضب يتأجج غضبًا.
ولكن، مع سوء تصرف المؤسسة الشرطية شعرت بأمرين مثيرين للجدل والاشمئزاز على حد سواء.
أولا، المبرراتية من جانب ونهاشو الجيف من جانب آخر.

فالفئة الأولى بحجة الالتزام بالاستقرار ورفع شعار ليس في الإمكان أبدع مما كان، يبحثون عن مبررات وأسباب ودوافع وقرائن وكلها تصب في مصلحة السلطة، وأنها لا تخطئ كأن القائمين عليها ملائكة مجنحة.
والفئة الثانية: تشبه الذئب الذي يتحين وجود فريسة سهلة لينقض عليها، ويملأ الأرض عويلا وصياحا ويقيم الموائد على الجيفة التي وقع عليها.
الفئتان تذكرانني بمثل شعبي يقول: “حبيبك يمضغ لك الزلط وعدوك يتمنى لك الغلط”.

 

ثانيا: انتابتني حالة من الهلع ولا أعرف أن أسميه غير ذلك، لما أظهرته الصور والفيديوهات المصورة من تجاهل المواطنين لما يحدث.

فالشهيدة يحملها زوجها، ثم شخص آخر ويجري بها طلبا للمساعدة، ومر بها على قهوة
ومحاولة جلب تاكسي أو وسيلة مواصلات لنجدتها، والجميع ينظر في لا مبالاة وكأن هذا هو العادي!

أحسست بالغربة والبرد والوحدة الشديدة. أحقا هذه مصر؟
بلد إغاثة الملهوف، وحضن الكبير والصغير القاصي والداني، هل تشوهنا إلى هذا الحد، وصرنا مسوخا بشرية؟ أم أن كما يقال: “كتر النواح يعلم البكا”؟
اعتاد الناس على الدم والقتل والدمار.

متى كان القتل مبررًا؟ ومتى كان له عنوان؟

رحم الله من مات، ومن سيموت، ومن يتنفس موتًا.

شيماء ماتت كغيرها، وكما سيموت غيرهم، ماتت كالأشجار والأزهار واقفة.

ولا نملك لها الآن إلا الدعاء، اللهم ارحمها وتقبلها عندك شهيدة وصبر ذويها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد