من الجدير بالذكر أن بوصلة الأخلاق لا تُشير إلّا للحق، أينما كان الباطل تعطّلت البوصلة وأينما كان الصواب كان الحق وكانت الأخلاق.

منذ عشرات السنين استمر هذا السؤال بنخر عقول البعض، وكُلّما طلّ علينا أحدٌ يرفض ويدحض القضية الفلسطينية أو حتى يُسيء الأدب ولو ضمنيًا وبشكل سريّ؛ كان الرد عليه جاهزًا ليس من فرد بعينه أو جماعة؛ بل جماعات وأفراد. إذًا لماذا فلسطين أصبحت المعيار الأخلاقي لأي إنسان مهما كانت جنسيته أو هويته أو توجهه أو حتى عقيدته؟! وماذا حصل الآن.! ولماذا أصبح الحياد عن القضية عند البعض مُشاعًا بل مباحًا، وبات البعض ينظر إلى تلك القضية نظرة المُشكك، وأصبحنا نرى التطبيع العلنيّ على قنوات الأخبار العربية. وفي الحقيقة هم أرذل وأسخف من أن يكتب فيهم حرف؛ إنما لغاية في نفسي أكتب.

إنّ الحاصل في الوقت الحالي من حياد وتطبيع سببه ضعف النفس البشرية تجاه المال والسلطة، وهذه آفة ابن آدم العظيمة. قد يظن أن المال يصنع الرجال ويبني مواقفه في التاريخ، إنّما لا يصنع التاريخ إلا الثائر المتمرد الصادق في الدفاع عن قضيته، وجميعنا يعلم أن الحق لا ينصره إلا الثوار الصادقون فكيف يكون الحق لجماعة ولا يُميّز به الخبيث المنافق من الثائر الشريف؟

إن الأرض التي شهدت مجازر ومعارك ودافعت عن أرضها حتى بالحجارة واستمرت بالنضال والكفاح ولم تتوانَ عن فعل ذلك للحظة، بلد تستحق أن تكون معيارًا أخلاقيًا لنا.

إن المرء المدرك لمواقف الرجال حقًا، والواعي لعجز الشعب في مقاومة الحصار ورغم العجز يقاوم، المرء الجادّ في البحث عن الطريقة التي تمكن فيها هذا الشعب تولي أرفع المناصب واختراع أهم الإنجازات للعالم ومن العدم بلا تجهيزات؛ حين إدراكه يعي الإنسان عظمة تلك الأرض بأبنائها، فقد أصبح مدركًا واعيًا مُقدّرًا مثقفًا عن هذا الشعب ومنه؛ وعليه يتبنى كافة مواقفه دون البحث فيها فمن خلال مواقفه وصموده؛ صنع هذا الشعب لنفسه هالة المجد وبوصلة الأخلاق.

خلال الأعوام الماضية إلى هذه اللحظة، لم تتوقف محاولات هذا الشعب في تحرير نفسه، هبّات ووقفات وعمليات استشهادية وأخرى حملات مقاطعة وبيان موقفهم من التطبيع العلنيّ، قدّم ويقدم وسيقدم الشعب الفلسطيني أرواحه فداءً لوطنه، تضحية لم نر لها مثيلًا في كُلّ كتب التاريخ، دفاع الشعب الأعزل ضد مُحتل يملك قوى عسكرية وأُخرى حماية دولية عروبية.

والآن لنبدأ بسرد حكايتنا التي من أجلها خُلق السؤال.

ما حدث في الوقت الحالي رمضان عام 2021، انتفاضة حقيقية لكلّ فلسطين والشعوب العربية، وسبب تلك الانتفاضة ما قامت به القوات الإسرائيلية من إعادة سرد التاريخ وأحداث التهجير؛ فقد قامت قوات الاحتلال مؤخرًا بالاعتداء على المصلين في المسجد الأقصى أثناء قيامهم بالشعائر الدينية، إضافة إلى الاعتداء على أحد أحياء مدينة القدس، وهو حي الشيخ جراح، وإعطائهم مهلة للخروج من منازلهم وذلك لإقامة عائلات المستوطنين فيها، وإن لم يفعلوا يشهدوا ما شهده آباؤهم وأجدادهم؛ تخيل للحظة هنا جماعة أجنبية قذرة تطالب بإخلاء منزلك جبرًا وقسرًا؛ دون تحرُّك أي جهة دولية أو عربية أو إسلامية وحتى إعلامية لنقل ما يحدث.

في هذا الوقت انتفض الداخل الفلسطينيّ كاملًا منعًا لكلّ الإجراءات التي تتخذ بحق إخوانهم في المدن الأُخرى، مؤكدين التآخي والترابط ووحدة الدم، مدركين حقيقية المشروع الإسرائيلي الفاشل الذي يعمل على تهجير الفلسطينيين من أراضيهم كاملة مرة أخرى.

وعلى إثر هذه الأحداث قام رواد مواقع التواصل الاجتماعي باستغلال منصاتهم للحديث عن معاناة الشعب وتغطية هذه الأحداث وما يتم فيها من انتهاكات لمعايير الإنسانية، كُلٌّ بما يجيد أبدى تضامنه، وكان تسليط الضوء على المؤثرين الاجتماعيين غض الطرف عن محتواهم إنما لإيصال قُبح الجرائم التي يرتكبها الاحتلال المجرم لأكبر عدد ممكن ولمختلف بقاع الأرض.

ألم نقل سابقًا إن العالم قرية صغيرة؟

إلى أن توقف رواد تلك المواقع قليلًا وبدأوا بالتساءل والبحث والعتب، لماذا لم يُعلّق هذا وما رأي الآخر وأين مساندة كذا.. إلخ.

في الحقيقة؛ القضية الفلسطينية مُذ خُلقت كقضية، كان الشعب خط الدفاع الأول عن موطنهم باستخدام كافة الأساليب للتعبير عن رفضهم للأوضاع القائمة، وحين طالبوا الدول بالتحرك، تحرك البعض ضدهم والبعض الآخر

 _لا حياة لمن تنادي_.

هل يجب أن يُعبر الجميع على مواقع التواصل الاجتماعي؟

نعم، عمل مواقع التواصل الاجتماعي بات واضحًا وجليًّا في تحركات الشعوب وردة فعلهم، رفضهم وتأييدهم.

هل القضية تنتظر التعبير؟

لا، هذه القضية قضية حق لن يرث الله الأرض إلا وقد رُدّ الحق لأهله وأصحابه، إنما السؤال الآخر هنا حين تُرّد؛ أين كنت؟

ما تفسير هذه المشاهدة التاريخية المكررة؟

هذا بيان وإنذار للعالمين.

هل اقترب موعد التحرير؟

نعم وجدًا بشائر الله لم تتوقف والمدد لم ينته.

هل نخسر القضية إذ لم يقف معها أحدهم؟ هل يخسر الله بإلحاد عباده! بكفر عباده! بضلال عباده!

هذه قضية الله والإنسان خُسرانها مُحال. هل يجب من الجميع التضامن مع القضية؟ هل كل البشر بشر!

لن تستطيع أن تقنع الجميع أنه بني آدم؛ فالبعض ولد على أنه عبد للسلطة والمال والشهرة لن يفهم القصد من العزّة والكرامة والميتة الشريفة الطاهرة.

لا يكفي أن يُصدق المرء الرواية حتى تتحرر بل عليه أن يتضامن وإياها ويدافع عنها ويذكرها في كلّ مجلس ويُعلّمها لكلّ طفل، الأجيال القادمة تُواصل مسيرة الحق، الحق الذي لا يموت بفناء أصحابه، والزمن هو أيضًا بات الآن بوصلة للأخلاق.

فكلّ إنسان شريف ينصر الحق سيأتي يوم وينصره الحق، هذه عملية مستمرة، وهزيمة المرء أمام ذاته وكيانه خسارة لا انتصار فيها ولو بعد آلاف الأعوام.

وكما قال علي الصادق:

«أنت ليه ممكن تكون ضد القضية الفلسطينية؟ لو أنت مسلم فهي قضية دينية، و لو شيوعيّ فهي قضية تحرر وطني، و لو محافظ فهي قضية سيادة شعب، و لو بتاع حقوق إنسان فهي قضية تطهير عرقي، و لو شخص عادي بدون أي انتماءات غير حسّك الإنساني فدا تعدي وحقارة و قوة عين فوق المحتمل ومستحيل تقبلها عليك».

القضية الفلسطينية بصر وبصيرة الإنسان وتقيّم توجه الفرد من وإلى وأين، فإن كانت بوصلتك تُشير إليها، فصواب وحق.

غير ذلك فأنت خائن للعروبة والإنسانية والقومية، خائن خائن خائن لمعايير البشرية.

هل عرفت الآن لماذا فلسطين معيار أخلاقي؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد