على الرغم من إعلان العديد من الأحزاب تأييدها المطلق لترشح السيسي لفترة رئاسية ثانية إلا أن صانعى القرار يولون عناية خاصة بموقف حزب آخر ألا وهو حزب النور فهم يدركون جيدًا كيف تم تجييش الإعلام ونفوذ الدولة العميقة لتحجيمه وتقليص حصته في مجلس النواب وبالفعل نجحوا في ذلك بدرجة كبيرة، ولكن لنتساءل أولًا لماذا تسرعت أحزاب لها وزن برلماني مثل المصريين الأحرار والوفد ومستقبل وطن بإعلانها تأييد السيسي لفترة رئاسية ثانية؟ ألم يكن من الجدير انتظار فتح باب الترشح ثم المقارنة بين المرشحين لاختيار الأفضل؟

لعل ذلك الأمر متعلق بالبنية الفكرية والتنظيمية لتلك الأحزاب، فعلى الرغم من تصدر تلك الأحزاب للبرلمان إلا أن الجميع يعلم أن فوز أغلب مرشحيهم في البرلمان مر تحت عباءة الرضا والتنسيق الأمني مع التضييق على الخصوم، لذا فهي واقعيًا أحزاب كرتونية محدودة التأثير تراها في الإعلام حاضرة بقوة ولها مساحتها ولا تلحظ لها وجودًا بين صفوف الناس، ولضمان تلك المساحة الممنوحة وإثباتًا للولاء التام لابد من طاعة توجهات النظام وتلبية إشاراته قبل حتى أن يتلفظ بها مع عدم الالفتات لرأي الشارع إن خالف تلك التوجهات، لكن الأمر مختلف عن ذلك تمامًا في حالة حزب النور، فما حصل عليه من مقاعد تم انتزاعها من بين أنياب الأسد في ظل هجوم إعلامي شرس ومحاصرة للأنصار وتشويه للرموز وتفصيل قوانين انتخاب خاصة لإهدار أصوات الحزب وهذا ما تم تحت علم ونظر الجميع.

إذًا فعلى أرض الواقع يمثل حزب النور للنظام الحاكم أهمية بالغة نظرًا لتواجده الشعبي من جانب ولأنه الفصيل الإسلامي الأقوى حاليًا من جانب آخر، كما أن الحصول على تأييده من الأهمية بمكان لتخفيف الضغط الحقوقي الخارجي على النظام المتهم بالإقصاء المتعمد والتضييق الأمني لكل معارضيه وأبرزهم الإسلاميون، وعلى الجانب الآخر يمثل النظام الحاكم أهمية قصوى لحزب النور نظرًا لعدم وجود بديل حالي يضمن استقرار الدولة وتجنب انهيارها كما حدث في سوريا والعراق وليبيا، كما أن حزب النور يرغب بشدة في فتح مسارات سياسية سلمية ودعوية معتدلة تستوعب شباب الإسلاميين وتمثل لهم بديلًا عن داعش وأخواتها.

وهنا نجد ذلك التساؤل يطل برأسه من جديد، فإذا كان ثمة مصالح متبادلة بين حزب النور والنظام القائم فلماذا لم يعلن حزب النور حتى الآن عن تأييده للسيسي رئيسًا لفترة ثانية؟

يعزى ذلك لعدة أسباب لعل أبرزها:

1- سوء الأداء الاقتصادي لحكومة السيسي وضع الرئيس في خصومة مباشرة مع قطاع عريض من المواطنين محدودي الدخل ومن ثم فإن تأييد حزب النور للسيسي يعني تحديًا مباشرًا لتلك الطبقات الكادحة التي لا تطالب إلا بحياة آدمية ليس أكثر.

2- إتاحة المنابر الإعلامية لبعض رموز العلمانية والليبرالية أصحاب التصريحات المصادمة للشريعة أوحت لقطاع من الإسلاميين بتوجهات مقلقة للدولة العميقة ودعم ذلك التصور إبراز رجال دين أزهريين معروفين بشذوذهم الفكري وفتواهم العجيبة كمنظرين للإسلام الوسطي الذي تتبناه بعض مؤسسات الدولة مما خلق نوعًا من الصدام مع قطاع كبير من مؤيدي حزب النور وجعلهم دائمًا ما يتساءلون بريبة لماذا يصمت الرئيس عن تلك التجاوزات؟

3- التضييق على الحريات وتوسيع قاعدة الاشتباه وإطلاق يد الأمن دون ضابط سبب أزمة وإشكالية عنيفة مع قطاع كبير من الشباب الذين استشعروا أن أحلامهم في حياة أفضل قد تبخرت وأن ثورتهم قد سرقت وبالطبع تأييد النظام الحاكم سيؤثر على شعبية الحزب وسط ذلك القطاع الشبابي كما سيزيد من صعوبة التواصل الفعال معه خلال المرحلة القادمة مما يمثل عبئًا إضافيًا على حزب النور وحاضنته الانتخابية ذات التوجهات الدعوية.

3- عدم فتح باب الترشح حتى الآن، فالمتابع لحزب النور يلحظ بجلاء الحزب لا يعلن تأييده لأي مرشح إلا بعد الإعلان عن القائمة النهائية الرسمية للمرشحين حتى يتسنى له المقارنة والمفاضلة بين المرشحين لاختيار أنسبهم، ففكرة تأييد السيسي دون معرفة من سيترشح أمامه أشبه بتوقع فوز نادٍ رياضي دون معرفة من هو الفريق الخصم وما هي قوته وإمكانياته ومهارات لاعبيه وهذا عبث لا يأتيه إلا سفيه متملق أو أحمق لا يدري عن فنون السياسة ومسالكها شيئًا.

لذا فإذا أردنا فعلًا أن نعرف هل سيؤيد حزب النور السيسي لفترة رئاسية ثانية أم لا فعلينا انتظار إعلان القائمة النهائية للمرشحين مع الإدراك الكامل أن نهج حزب النور قائم على الموازنة بين المصالح والمفاسد مع اختيار أدنى المفاسد لدفع أعلاها، فالحزب في الانتخابات السابقة اختار السيسي رئيسًا ليس لأنه الزعيم الملهم الأسطوري صاحب الفكر الاقتصادي المتميز والنزعة الإسلامية القوية والعلم الشرعي الغزير، وإنما اختاره لأنه الأنسب مقارنة بمن ترشح أمامه، وستظل الواقعية البعيدة عن الأحلام الأفلاطونية هي نهج حزب النور وسيظل التشويه المتعمد دون تبين أو ترو هو نهج أغلب خصومه وإلى الله المشتكى.  

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد