الشك أن الانتخابات الرئاسية في 12 من ديسمبر هي نقطة تحول كبيرة في الوضع السياسي الجزائري والتاريخ بصفة عام. لكن بين مؤيد ومعارض هنا نقطة الاستفهام ،يعود رفض فئة كبيرة أو شريحة مهمة من الجزائريين لها لكونها إعادة بعث للنظام السابق بغض النظر عن نزاهتها وشفافيتها فيما يرى آخرون أن النظام أو الجيش سيدعم مترشحًا ليوصله إلى سدة الحكم، وبالتالي تفقد الانتخابات شفافيتها ونزاهتها.

فيما يخص نقطة المترشحين، فالخمسة مترشحين كأنهم مترشح واحد فبعضهم كان يعطي شعبية للانتخابات السابقة بالمشاركة فيها، والبعض الآخر كان جزءًا من السلطة في وقت مضى حتى عند تحليل المناظرة المقامة بين المترشحين نرى أن كل مترشح يريد الانفراد بالسلطة وتحديث النظام من رئاسي إلى شبه رئاسي، فالكل يريد قبض سيطرته على السلطة.

فالجزائر وعلى مر السنوات ومنذ الاستقلال كان النظام الرئاسي سائد ومهيمن على نظام الحكم تقريبًا في كل الفترات، وقد أثبت ذلك عدم نجاعته، وذلك لسيطرة الرئيس شكليًّا بقوة القانون على كل مفاصل الحكم من سلطة تنفيذية وقضائية وحتى التشريعية من خلال تعيينه لعدد من نواب البرلمان وحتى المؤسسات الحساسة كالمجلس الدستوري ومجلس المحاسبة الذي يدخل رئيس الجمهورية في تعيين أعضائهم خصوصًا في فترة الرئيس المتنحي عبد العزيز بوتفليقة.

بالإضافة إلى صلاحيات أخرى ككونه القاضي الأول للبلاد وقائد الأعلى للقوات المسلحة. فحتى النظام الشبه رئاسي سيعيد تكريس سلطة الرئيس وتفرده بالحكم. وحتى فكرة ترشيح خمس مترشحين يحملون نفس فكر النظام السابق ما هو إلا إعادة بعث للنظام السابق وإعاقة للانفتاح السياسي.

فحتى المحاكمات المقامة في هاته الأيام جاءت في وقت مدروس بدقة فظاهر أن هاته المحاكمات ما هي إلا استرجاع للثروات المحتكرة من قبل فئة معينة لإعادة توزيعها على فئة أخرى وقد يكون ذلك بعد الانتخابات. فالجزائر اليوم أمام قنبلة موقوتة فالانفلات الأوضاع ليس في صالحها أبدا ناهيك أنه ليس في صالح أوروبا أيضا التي تعتبر الجزائر بوابتها الجنوبية فانفلات الأوضاع في الجزائر يعني أزمة لاجئين ومهاجرين بالملايين أوروبا في غنى عنهم بالإضافة إلى استثمارات الدول الخارجية التي تقدر بالملايير وغيرها من الدول الأخرى فعلى صانع القرار احتواء الوضع جيدًا وعدم مخاطرة بسنوات جمر الأخرى هذا من جهة.

من جهة أخرى حتى الاتحاد الأوروبي وبالرغم من إثارته لناعورة حقوق الإنسان التي استغلت جيدًا من قبل النظام من أجل التخويف من التدخل الأجنبي والترويج لفكرة حتمية تنفيذ الانتخابات وللتذكير فإن توصيات ولوائح البرلمان الأوروبي غير ملزمة  حتى على دول الاتحاد الأوروبي هذا فيما يخص خارجيًا. أما داخليًا فالحديث عن الانتخابات فيه انقسام كما أشرنا بين مؤيد ومعارض لها، فالحديث عن التغيير في الجزائر لا يكون بتنظيم انتخابات رئاسية في ظرف وجيز مع الإبقاء على نفس وجوه السلطة السياسية السابقة  وتزكية العملية الانتخابية من قبل المؤسسة العسكرية، فكأن النظام السابق يعيد بعث نفسه وهذا هو المشكل فعند التكلم عن التغيير الحقيقي يكون بالانتقال من النظام الرئاسي أو حتى شبه الرئاسي إلى نظام برلماني مع وقف العمل بالدستور الحالي، ففي النظام البرلماني يكون الشعب سيد قراره من خلال التمثيل النيابي.

وإعادة النظر في الأحزاب الحالية التي سببت هذا العقم السياسي الرهيب في الساحة السياسية. بالإضافة إلى الفضل التام بين السلطات الثلاث ومنحها الاستقلالية التامة والأهم من ذلك وهو تعديل الدستور أو حتى إصدار دستور جديد مع تقليص لصلاحيات الرئيس بالإضافة إلى استحداث مؤسسات مستقلة التشكيل والتمويل من أجل مكافحة الفساد وإعادة النظر في القوانين الحالية. فالاعتماد على شخصية في سبيل إحداث تغيير هو أمر في غاية السذاجة فحتى هؤلاء الخمسة لن يقوموا بالتنازل عن صلاحياتهم بشكل كامل. تبقى هاته مجرد اقتراحات صعبة التحقيق دستوريا. فالوضع الحالي يحتاج تفكيرًا عميقًا من أجل الخروج بحل دستوري، وليس إقامة انتخابات ارتجالية هدفها فقط ملأ حالة شغور كرسي الرئاسة بدون التكهن لعواقب ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد