نعاني مشكلة كبرى في العالم الإسلامي؛ فنحن في ذيل الأمم، وقد دخلنا العصر الحديث بلا إسهام، مستهلكين لا مشاركين، بل ربما الآن صرنا عبئًا على بقية العالم – أو هكذا يعتبروننا – لا تميزنا شخصية محددة أو هوية واضحة، وإنما نحن مسخ ومحاولة مشوهة لاستنساخ عدة هويات معًا حيث نضم بقايا هوية إسلامية عربية شرقية إلى قشور هوية أوروبية غربية إلى شخصية حداثية عالمية مشتركة هي في أصلها مسخ انضم إلى مسخنا وأثر عليه، حتى تحول إلى مسخ حداثي استهلاكي فرداني نفعي مقزز، وعلى هذا لابد أن نحدد الأسباب التي أدت إلى خلق هذا المسخ.

يحلو للبعض – وقد زاد عددهم مؤخرًا – اتهام الإسلام بأنه السر وراء مشكلات العالم الإسلامي، وهذا بالطبع أمر طبيعي ناتج عن كون الإسلام يعيش أضعف حالاته الآن، وبالتالي أصبح فريسة سهلة لكل من يريد أن ينهش فيه، كحال البشر دائما عندما يجدون ضعيفًا فيتكالبون عليه، وفي السطور القادمة سأحاول تتبع هذا الزعم.

بداية لابد من التفريق بين (الإسلام)، و(الفكر الإسلامي)، و(الحضارة الإسلامية). فالإسلام هو ذلك الدين الإلهي تام الألوهية الذي لا يتدخل بشري فيه، والذي دليله هو القرآن فقط. أما الفكر الإسلامي فهو كل إسهام عقلي ارتكز على أسس الدين الإسلامي فأنتج آراءً وأفكارًا مثل علوم التفسير والفقه والكلام والحديث وغيرها.

أما الحضارة الإسلامية فهي التطبيقات التي أنتجها العالم الإسلامي من خلال تشبعه بالإسلام دينًا إلهيًا وفكرًا بشريًا، وذلك مثل العمارة الإسلامية والفنون والآداب وأسلوب الحياة المميز للمجتمع في العالم الإسلامي، والمستقى من الإسلام الإلهي والفكر البشري.

والسؤال الآن، ما دور كل من الإسلام والفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية فيما وصلنا إليه؟

بالنسبة للإسلام فما أسهل تبرئته من هذه التهمة الجائرة؛ إذ أن العالم الإسلامي قد مر عليه أكثر من ١٤٠٠ سنة مر فيها بمختلف مراحل حياة المجتمعات، فقد نشأ في ظله المجتمع المتراحم والمادي القاسي، والمجتمع المتحضر والمتقدم والمنتج للعلم والحامل شعلة الفكر والعقل للعالم كله، وكذلك نشأ في رحابه المجتمع المتخلف المتعصب العالة على شعوب الأرض، وأيضًا ظهر في العالم الإسلامي الكثير من التيارات الراقية المتسامية، وكذلك التيارات المتحجرة غير القابلة للتطور. ظهر فيه الأفذاذ والشذاذ.

وظهرت فيه الدول العادلة والظالمة، وقدمت فيه مجتمعات الخير والرحمة كالأسبلة والبيمارستانات (المستشفيات) المجانية والقوانين الصحية المحافظة على إنسانية البشر، وقدمت فيه مجتمعات الذبح والقتل والتعصب، وكذلك في رحاب الإسلام وجدنا مسلمين بالغوا في تسامحهم مع أهل الديانات الأخرى وضمنوا لهم حرية العقيدة والعبادة وقدموا لهم يد الحب والتعاون والتعارف، كما وجدنا مسلمين خاصموا غيرهم لمجرد اختلافهم في الدين فحرموا تهنئتهم بأعيادهم ونادوا باحتقارهم.

 

وما نستنتجه من ذلك أن الإسلام في ذاته لا يحمل بذرة الشر التي أدت لكل السلبيات المحيطة بنا، وذلك لو أن الإسلام فيه بذور المشكلة لما استطاع المسلمون تقديم حضارتهم ورقيهم، ولا استطاعوا تسامحًا مع غيرهم، ولا استطاعوا تكوين حضارة وتقدم ودولة قوية عادلة، ولا استطاعوا أن يظهروا إلا بمظهر الشر والتخلف والظلم فقط، أما وقد أقاموا حضارة يشهد لها الجميع بالرقي والتقدم والعدالة والرحمة في الوقت الذي تمسكوا فيه بالإسلام دينًا إلهيًا وفكرًا وتطبيقًا بشريًا فهذا يعني بالضرورة أن الإسلام لم يمنعهم من ذلك، وبالتالي المشكلة ليست في الإسلام ذاته، ولا في القرآن، ولا في الله تعالى الذي أنزله.

هذا وجدير بالذكر أن نشير هنا (لا عن تعصب ولكن عن تتبع للتاريخ وأحداثه) أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي اعتمد عليه أهله في تكوين مجتمع راق وحضارة عظيمة يشهد لها العدو قبل الصديق، ونهضة علمية شاملة كبرى أخرجت الناس من ظلمات الجهل إلى نور العلم الساطع، في حين أن الأديان الأخرى لم تفرز مثل هذه الحضارة ومثل هذه المجتمعات، بل إن بعض الحضارات وبعض المجتمعات لم يتسنَ لها النهوض والتقدم إلا بالثورة على دينها وحصره وتجميده، في حين أن الحضارة الإسلامية قد ازدهرت في ظل تمسك أهلها بالإسلام وبنائهم حضارتهم على أسسه.

أما الفكر الإسلامي فجدير بالذكر أنه شديد الاختلاف والتباين ويسع لمختلف الأطياف، فالكل أدلى بدلوه، والكل أخذ الإسلام منطلقًا ثم حلل وفكر وركّب ثم وصلوا إلى نتائج شديدة الاختلاف والتناقض، وهذا أمر طبيعي في ظل تدخل العقل البشري المحدود وغير القادر على الإحاطة بالحقيقة المطلقة التي يستحيل الإحاطة بها بأداة نسبية كالعقل، وبالتالي نشأت التيارات والفرق والمذاهب التي وإن اتحدت في المنبع فقد تفرقت عند المصب، وهي في ذلك لم ترتكب جريمة التشتت والتشرذم والتفكك، وإنما هي مارست بذلك دورًا بشريًا طبيعيًا، فهذه هي طبيعة البشر.

الاختلاف والاختلاف الدائم، ولقد أكدت الحقيقة القرآنية ذلك في قوله تعالى (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين)، وبالتالي ستجد كل الأفكار سواء الإيجابية أو السلبية، العادلة والظالمة، الصالحة والطالحة، وكلها يلتصق بالإسلام ويعلن انتماءه له، وكلها يدّعي أنه هو التعبير الصحيح عن الإسلام الإلهي، بل وبعضها ذهب إلى أنه هو الإسلام وأن مخالفه في رأيه هو بالضرورة خارج على مقتضى الإسلام.

والسؤال هنا، وهل إذا أخطأ الفكر الإسلامي يكون الإسلام الإلهي نفسه قد أخطأ بالضرورة؟ قطعا هذا ربط جائر غير مستساغ، حيث أن كل النظريات الفكرية البشرية الكبرى قد ظهر عند تطبيقاتها مجموعات بشرية فسّرت هذه النظريات وفق ما تراه صوابًا، وأخرجت أفكارًا تحولت إلى تطبيقات غاية في السوء، رغم أن النظريات في بدايتها وضعت لخير البشر.

ولم يكن العيب في النظرية – رغم بشريتها – إنما كان العيب في فهم النظرية وتفسيرها، فإن رفعنا هذا المثل لمستوى الدين الإلهي لوجدنا أن الأمر متطابق، فقد أعطانا الله النص وأرسل لنا رسوله ثم ترك لنا مهمة التعامل مع هذا النص، فمنا من أجاد ومنا من أساء، فمن أجاد صنع ما نفتخر به من حضارة وتقدم علمي وإنتاج فكري وإبداع فني وتراحم أخلاقي، ومن أساء صنع ما نشكو منه من تخلف وتعصب وتأخر عن الركب الحضاري.

أما الحضارة الإسلامية فهي الحصن الحصين الذي يجب أن نلجأ إليه للحفاظ على الأمل في البقاء والحفاظ على الملامح التي تميزنا وتجعل لنا تواجدًا على الساحة، فلا نكون مجرد تابعين لغيرنا تائهين في شخصيته، فقواعد المجتمعات تقضي بأن التابع يكون دوما ذليلًا خاضعًا فاقد القيمة، وليس له شخصية مستقلة أو استقلال.

وهذه الملامح المميزة لنا لا أدعي معها أنها تصنع فراقًا بيننا وبين العالم من حولنا، ولكنها الملامح التي تجعل لنا شخصية مميزة تمكننا من التواصل مع بقية العالم من حولنا، فلا تعزلنا ولكن تميزنا، وهذه الملامح مستقاة من ١٤٠٠ عام تشكل فيها الوجدان المسلم لتخلق إنسانًا له أسلوب حياة مميز به يظهر في أخلاقياته وتعاملاته وفنونه وعمارته وآدابه.

ولكن هذه الملامح تتعرض لخطر أكيد حيث تقاعس أهلها – وهذا من طبيعة عصور الاضمحلال – عن الحفاظ عليها، فتجمدت ولم تتطور مع تطور الزمن؛ مما شوه هذه الملامح في وجوهنا فتنحَّتْ ملامحنا الأصيلة تاركة الفرصة لملامح أخرى كي تحتل محلها.

وليس أبهر من ملامح الحداثة البغيضة بألوانها البراقة الكاذبة لكي تحتل محل ملامحنا الأصيلة لتجعلنا تابعين لأصحابها الأصليين، ولا سبيل أمامنا سوى استعادة ملامحنا الأصلية لتلك الحضارة الإسلامية الإنسانية مع إلباسها رداء التطور حتى تخرج عن جمودها فنزيح التراب عنها لتعود براقة زاهية مميزة لنا.

يجب أن يظهر ذلك في عمارتنا فنستقي منها أشكالا لأبنيتنا تتميز بالأقواس والمنمنمات، وفنونًا تعكس جماليات حضارتنا، وأسلوب حياة إنسانيًا تراحميًا يعيد للبشرية الرحمة المفقودة، وعلومًا تسهم تطبيقاتها في تخفيف معاناة البشرية على اختلاف أديانهم لا في استغلال احتياجاتهم.

إنها إعادة إنتاج الحضارة بأدواتنا وأسلوبنا حتى نكتب للإسلام النجاة من هذا الجمود الذي يحيط به ويشكل خطرًا على الأجيال القادمة التي ستنشأ في مجتمعات ترى الإسلام سببًا في تأخرنا، والفكر الإسلامي عارًا، والحضارة الإسلامية تاريخًا مندثرًا، والحداثة سبيلا وأسلوبًا لحياة المتعة والمنفعة، فهل نقدم لهم طوق النجاة أم نستسلم ليد الحداثة كي تشوهنا وتشوه الإنسانية جمعاء؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد