يخطئ من يظن أن الصراع في حوض البحر المتوسط هو جديد أو وليد الأحداث المستجدة في البلدان العربية الموجودة بشمال أفريقيا وبلاد الشام، وعلى رأسها الكبريات منهن سوريا ومصر وليبيا! ولكنه صراع تاريخي قديم تبدأ باكورة حلقاته مع بداية فجر التاريخ وسعي كافة الإمبراطوريات والدول الكبرى للسيطرة على هذه المنطقة الاقتصادية المهمة، والتي تمثل عصب العالم التجاري ورابطة عقده الجيوسياسية، ورمانة ميزانه الجغرافية والعقل المحرك فكريا ودينيا بين قارات العالم الثلاث الكبرى: آسيا وأفريقيا وأوروبا، وما ليبيا ومصر وسوريا وتركيا إلا حلقات في سلسلة هذا الصراع منذ القدم، وليست بمعزل عنه وبمنأى عنه، ولا سيما في ظل تغير كثير من عروش هذه المنطقة وظهور معسكرات مختلفة فكريا وسياسيا وعسكريا، أشعلته من جديد، فإلى أين يتجه؟!

جذور التاريخ في صراع المتوسط

قبل البدء في الحديث عن حركة بوصلة الصراع المشتعلة جذوتها حاليًا بين معسكر تركيا وريثة الخلافة العثمانية وليبيا والجزائر والمغرب وحليفتهم قطر من جهة وعلى الجانب الآخر معسكر اليونان وفرنسا ومصر وحلفاؤهم بالنظام السوري وبعض دول الخليج الداعمة لهم بشكل أو بآخر لأسباب أصبح الكل يدرك بعدها السياسي ومصالح النفوذ والتوسع في المنطقة، نرجع معا لصفحات التاريخ لندرك السبب في اشتعال منطقة المتوسط بين الفينة والأخرى، فما تكاد تهدأ حتى تشتعل.

نشأت الكثير من الحضارت الكبرى في منطقة حوض المتوسط ولا سيما على سواحله الشرقية في منطقة الهلال الخصيب: (التي تبدأ من العراق مرورا ببلاد الشام وانتهاء بمصر) والتي استقر فيها البشر منذ القدم حول الأنهار، فكانت حضارة بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة والكنعانية والفينقية والعبرانية والقرطاجية واليونانية والأخمينية والرومانية والبيزنطية والعربية الإسلامية وأخيرًا بالعثمانية وانتهاء بمرحلة الاحتلال الغربي الحديث لهذه المنطقة، والذي أفل نجمه مع بريطانيا بشكله العسكري القديم.

كانت البدايات في الألفية الثانية قبل الميلاد بالصراع الذي دار بين الإمبراطورية الحثية التي كانت تحكم الأناضول وسوريا والإمبراطورية المصرية القديمة، التي كانت تحكم مصر وفلسطين ولبنان وأجزاء من سوريا، كدولة وكيان مهيمن على حوض البحر المتوسط، وتنافسهما العسكري للسيطرة الكاملة على بلاد الشام والهيمنة عليها، وكان ذلك قبيل قيام دول كبرى غرب المتوسط وكيانات كبرى لها رغبة في السيطرة.

لكنْ مع انهيار العصر البرونزي ونشأة العصر الحديدي، وانهيار الإمبراطورية الحثية والمصرية، ظهرت الإمبراطورية الأشورية الحديثة كمهيمنة على حوض المتوسط، ثم الفينقية التي كانت الأولى في إمبراطوريات الشرق بالتوسع في غرب المتوسط، حيث وصلت لليونان وإيطاليا وشمال غرب أفريقيا وإيبيريا، وساعدهم في الانتشار أسطولهم البحري الكبير، ونشرهم للحروف الأبجدية التي أشاعت ثقافتهم في حوض المتوسط بأكمله.

وقد برزت الإمبراطورية الفارسية الأخمينية في تلك الحقبة التاريخية وتقريبا في القرن السادس قبل الميلاد، حيث هيمنت على دول المتوسط شرقا وغربا، بدءا من بلغاريا ومرورا بمقدونيا وتراقيا والأناضول والشام وصولا لمصر، حتى أنهتها الإمبراطورية الإغريقية التي نشأت بمقدونيا وانطلقت من اليونان كقاعدة بقيادة الإسكندر الأكبر المقدوني في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، والذي كان إيذانا بميلاد إمبراطورية جديدة هي الإغريقية.

لكن بموت الإسكندر الأكبر، تقسمت إمبراطوريته وبدأت توابعها في الاستقلال وتكونت دول أخرى وإمبراطوريات جديدة، كان أولها «قرطاج» (تونس الحالية) والتي كانت من قبل مستعمرة لفينيقا، وسيطرت على حوض المتوسط، وانتهت بسقوطها على يد الرومان، الذين بدأت شمس حضارتهم في الظهور من روما، بانتصارهم على قرطاج، وسيطروا سيطرة كاملة على حوض المتوسط ودوله لعدة قرون، حتى انهارت روما بدايات القرن الخامس الميلادي، وانقسمت إلى امبراطوريتين شرقية مقرها «بيزنطة» أو القسطنطينية، والغربية مقرها «روما».

وانتقل بعد ذلك الانقسام حوض المتوسط لسيطرة الإمبراطوريةالبيزنطية، وقد فقد البزنطيون في حروب طاحنة مع الساسانيين الفرس جزءا من أراضيهم في بلاد الشام، ثم استعادوها، وكانت هذه الحروب سببا مباشرا في إنهاك الإمبراطوريتين الفارسية الساسانية والبيزنطية، والذي ساعد على ظهور المارد الجديد الذي سيهمن على العالم بدعوته ودينه الرباني الجديد، وهو المارد الإسلامي الذي قاده العرب المسلمون، ومع فتوحاتهم وانتشار الإسلام قاموا بإنهاء الإمبراطوريتين القديمتين الفارسية الساسانية والبيزنطية بلا رجعة، بعد أن حكمت البيزنطية مع شقيقتها الرومانية الغربية لحوض المتوسط قرابة الألف عام.

وأصبح البحر المتوسط تحت السيطرة العربية الإسلامية ونفوذهم لعدة قرون إلى أن جاءت الحروب الصليبية والتي أضعفت السيطرة العربية الإسلامية على المتوسط وابتعلت بعض أراضيهم ومن بعدهم المغول، ولكنّ هذه الحروب أظهرت عدة قوى جديدة في المنطقة وهي مصر والأتراك السلاجقة ثم العثمانيين في الأناضول وأخيرا الجمهوريات المستقلة التجارية جنوب إيطاليا، وبسبب اشتعال الصراع غرب المتوسط بين ممالك غرناطة وقشتالة وأراغون وانشغالهم بالسيطرة على مضيق جبل طارق وتجارته، وانتشار الضعف العام في القسطنطينية وانتشار الموت الأسود فيها، والصراعات الداخلية في شمال ووسط أوروبا، برز المسلمون العثمانيون كأقوى قوة على حوض المتوسط بعد فتح القسطنطينية، والسيطرة عليه كاملا، وأصبح بحيرة إسلامية خالصةمرة ثانية لقرون.

إلى أن جاء سقوط الأندلس، وتحولت أوروبا بقيادة البرتغال الجديدة من الدفاع للهجوم، وبدأت بطرد المسلمين من شبه الجزيرة الإيبرية، واستولت مملكةالبرتغال تقريبا على أغلب دول غرب المتوسط، وبدأ العداء والصراع من جديد بخليط من النزعة الدينية والاقتصادية ضد المسلمين.

ومن البرتغاليين إلى المملكة الإسبانية التي أعادت توازن السيطرة بينها وبين الخلافة العثمانية على حوض المتوسط مناصفة، وبعد اكتشاف الرجاء الصالح، وتحول طرق التجارة من البحر المتوسط للمحيط الأطلسي، تأثرت دول المتوسط كثيرا بذلك وعلى رأسها الإمبراطورية العثمانية المهيمنة، وبدأ انتقال النفوذ والسلطة من جنوب أوروبا إلى الشمال الأوروبي بفض التجارة والثروات الهائلة التي حصلوا عليها في الأمريكيتين، والذي انطلقت منه الحركة الاحتلالية الجديدة بقيادة فرنسا وبريطانيا وغيرها بدرجات متفاوتة، وأصبحت قوى عظمى في العالم مع بدايات القرن التاسع عشر الميلادي، وبدأت فعليا في احتلال دول شمال أفريقيا، وابتلاع الأراضي العربية المسلمة التي تقع تحت سيطرة الخلافةالعثمانية رويدا رويدا حتى سقوطها عام 1924بعد الحرب العالمية الأولى.

وانتقل حوض المتوسط بُعيد سقوط العثمانيين لساحة صراع خلال النصف الأول من القرن العشرين بين المستعمرين الجدد للعالم، واللذين تمثلا في دول الحلفاء والمحور، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ازداد الصراع، وفي تلك الفترة حاولت تركيا استعادة قبرص وخاصة بعد الحملات الممنهجة من اليونان للقضاء على الوجود الإسلامي فيها، فدخلها الجيش التركي وأقام فيها دولة شمال قبرص المسلمةوأصبح الجنوب للمسيحين والذين تحميهم اليونان وأوروبا.

الأمور لم تتوقف عند هذا القدر، فبوجود الاحتلال الصهيوني لفلسطين، الابن الحرام الذي زرعته بريطانيا في المنطقةالعربيةلمنع الاتصال الطبيعي بين شطريها الأسيوي والأفريقي ومنع قيام دولة عربية إسلامية موحدة مستقبلا، وانتقال الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية إلى حوض المتوسط، بعد انتهاء عصر الاستعمار التقليدي وبروز القوة الجديدة الحاكمة للعالم المتمثلة في أمريكا، حيث بدأ صراع النفوذ على المتوسط عبر وكلائهم وحلفائهم في دوله.

ولا سيما بعد أن قام النظام الأسدي الاشتراكي بتوقيع اتفاقية 1971 مع الروس والتي جعلت لهم موضع قدم على شواطئ المتوسط من خلال قاعدة طرطوس العسكرية، في حين عززت الولايات المتحدة تواجدها من خلال مصر وإسرائيل وأسطولها السادس البحري المرابض في البحر المتوسط، مع أساطيل الاتحاد الأوروبي بقيادة فرنسا وبريطانيا.

مع ظهور العثمانيين الجدد وتوجههم الإسلامي الاستقلالي الواضح بقيادة أردوغان، وتحويله لتركيا من دولة تابعة إلى دولة صناعية وحديثة ومع تغير الكثير من الأنظمة العربية بسبب ثورات الربيع العربي وظهور بوادر معسكر إسلامي وعسكري جديد في هذه الدول ولا سيما في تونس وليبيا وسوريا، والقوة الكبيرة الذي يتمتع بها في مصر والجزائر والمغرب وبلاد الخليج، بدأت أوروبا تتخوف من جديد من قيام دولة مهيمنة تزعجهم اقتصاديا ودينيا في المتوسط ولا سيما أن الثورات العربية أظهرت مدى قوة التيار الإسلامي التحرري في المنطقة وأنه القادم لا محالة للحكم طال أم قصر الزمان، فلذلك يريدون توجيه ضربة قوية له تؤخره عن النهضة من خلال الثورات المضادة وعدم السماح لنجاح أي نظام عربي جديد ينشأ من خلال هذه الثورات.. وهذا هو سبب التدخل المباشر من أوروبا وروسيا وأمريكا في دول الربيع العربي في هذه المرحلة الحالية بشراسة.

وما ليبيا وسوريا إلا حلقتين في صراع النفوذ بين القوى القديمة على حوض المتوسط وليستا سببا فيه، لكنهما أظهرتاه، وما زاده ضراوةً اكتشافات الغاز الضخمة فيه والتمدد التركي العسكري بقيادته الجديدة ذات التوجه الإسلامي في شمال العراق والشمال السوري والغرب الليبي وقواعدها العسكرية في قطر والصومال، وبروز روسيا كقوة عالمية ومؤثرة في حوض المتوسط بشكل مباشر، ولا سيما بعد سيطرتها العسكرية على سوريا وتواجدها في الشرق الليبي من خلال دعمها العسكري للانقلابي حفتر.

ولا يجب أن ننسى الدور غير المباشر لبعض دول الخليج العربي في إذكاء صراع المتوسط عبر المال والتسليح؛ للمحافظة على نفوذها الاقتصادي وهيمنتها التجارية ولا سيما من دولة الإمارات التي كانت ولا تزال رأس الحربة في دعم الثورات المضادة في دول المتوسط العربية؛ لمنع قيام نهضة اقتصادية فيها تؤثر على موانئها وتسحب البساط البحري منها، وتخوفا من قيام حكومات إسلامية تنتقل عدواها للخليج والذي يقوم نظام الحكم فيه على الحكم الوراثي.

لذلك رأينا التدخل المباشر من النظام السعودي والإماراتي بشكل فج في اليمن وعدم إنجاح ثورته بحجة مقاتلة الحوثيين وإعادة الشرعية، والحصار الرباعي «الإمارات، السعودية، مصر، البحرين» على قطر الدعمة للشعوب العربية وثوراتها الباحثة عن الحرية والنهضة كعقاب لها على ذلك الدعم، حتى أصبحت دول الربيع العربي مسرحا لصراع النفوذ في المنطقة بين دول الخليج وأنظمتها الداخلية من جهة للأسباب التي ذكرتها آنفا، وبين ورثة الامبراطوريات الكبرى كالعثمانيين واليونانيين والمصريين والفرنسيين من جهة ثانية، ومن جهة ثالثة بين القوى العظمى الحديثة والتي تمثلها روسيا والصين من جهة والولايات المتحدة من جهة ثانية.

الجدير بالذكر أنّ اتفاقيات ترسيم الحدود التي قامت بها تركيا وليبيا، وعلى الجانب الآخر مصر واليونان وإسرائيل وقبرص المسيحية بشكل منفرد أيضا، ما هو إلا محاولة لسباق الزمن والقفز للأمام؛لبسط بعض النفوذ والسيطرة على بعض ثروات المتوسط الهائلة من الغاز الطبيعي والتجارة الدولية، وسوف يؤدي هذا السباق حتميا لسباق من نوع آخر، وهو سباق التسلح وانتشار الجيوش فيه، وسوف يحول البحر المتوسط شاءوا أم أبوا إلى ثكنة عسكرية وقنبلة موقوتة قد تنفجر في أية لحظة، ولا تحتاج إلا لمن يشعل فتيلها فقط، لذلك أقولها بلا ريب، إنّ مستقبل العالم سيحدده من يسيطر على المتوسط، والتاريخ يؤكد فرضيتي هذه.

فمن يظن أنّ الصراع سينتهي باتفاقية سلام بين جانبين متصارعين في ليبيا أو سوريا، أو قبرص، فهو مخطئ، ومن يعتقد أنه صراع تبادل منافع وتقاسم سلطة فلم يجانبه الصواب أيضا، إنما هو صراع بقاء ونفوذ ووجود لأمم تبحث عن عظمتها وهيمنتها الغائبة وتخشى الاندثار إن جلست موقف المتفرج، مستحضرة في ذلك تاريخها الطويل، ويقوم هذا الصراع على ركيزتيه التاريخيتين واللتان لم تتغيرا وهما الاقتصاد والدين، وما هذه المرحلة إلا إرهاصات لما أشد وأشرس من المعارك القادمة، وصدق رئيس الوزراء المالطي عندما قال عن البحر المتوسط بأنه «مقبرة» في إشارة لمن قتلوا وماتوا للسيطرة عليه وعلى اقتصاد العالم وثقافته ودينه وحضارته من خلاله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد