استغلَّ بعض المشككين مغالطة فادحة في الحكم على كتاب الله، سالكين في ذلك لغوًا ساقطًا مفاده أن وجود ألفاظ غير عربية مثل (إبراهيم، تابوت، الفرقان، أباريق…) يتناقض مع قوله عز وجل «بلسان عربي مبين». فصرخوا -أشدَّ صراخ- في آذان ضعاف القلوب، وما خجلوا من ذكر هذه الشبهة التي تثير الضحك منهم!

ومن العجيب أن يظن ظانٌ منهم أنه أتى بشيء عجيبٍ جديدٍ يدحض به دين الله، إذ سيكون قد تناسى بأن علماء المسلمين قد فطنوا قبله لهذه المسألة، وعلى سبيل المثال: الإمام السيوطي رحمه الله (ت911هـ) ألَّفَ كتابًا سماه: «المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب».
وبيانًا لسقطتهم هذه، سنقوم بعرض نقاط محدودة لتفنيد هذه الدعوى الجافة.

– أولاً: هذه المفردات الواردة في كتاب الله، وإن لم تكن عربية الأصل، فهي متعلقة بالأصالة اللغوية التي يتحدث بها العرب ويستعملونها، أي: فهي قبل مجيء الإسلام كانت سائغة مستعملة في «اللسان العربي»؛ فأضحت عربية في النطق والاستعمال والخط. فلا مطعن البتة في كتاب الله؛ لأن هذه المفردات أصبحت تابعة للسان العربي ومُتادولة قبل بعثة النبي عليه السلام، أي لم يأتِ بها القرآن الكريم.

– ثانيًا: من جهة أخرى، فهذه المفردات تُحسب في عِداد «المُعرَّب»، وهذه الظاهرة «المُعرَّب أو التَّعريب» مقررة عند جهابذة اللغة العربية، إذ تكون هذه الألفاظ قد عُربت؛ فصارت كلمات عربية لأن اللفظ المُعرب يسمّى عربيًّا.
قال سيبويه: «كل ما أرادوا أن يعربوه، ألحقوه ببناء كلامهم، كما يُلْحقون الحروف بالحروف العربية».(1) وقال الجوهري اللغوي: «تعريب الاسم الأعجمي: أن تتفوه به العرب على منهاجها».(2)، وقد بوَّب العالم -الشاعر الأديب اللغوي- ابن دريد بابًا في كتابه «الجمهرة» تحت عنوان: «باب ما تكلمت به العرب من كلام العجم حتى صار كاللغة». إذًا فهذه الظاهرة مقررة عند أهل اللغة فلا يُعول على ما يدعيه طارحو الشبهة؛ لأن الكلمات التي يتم تعريبها ويتكلم بها العرب تجعل منها كلمة «بلسان عربي مبين»، فتكون القاعدة على هذا النحو: ما نطقت به العرب وجرى على ألسنتهم صار عربيًّا! ومثال ذلك مثل كلمة (التكلنولوجيا)، هذه كلمة مُعربة، هل إذا كتب أحدهم نصًّا وذكر في سياقٍ ما هذه الكلمة سنقول إنه ليس عربي؟ هذا ضرب من الجهل والجنون.

– ثالثًا: أصحاب هذه الشبهة ينسجون الوهم -كعادتهم-، لأنهم ظنوا أن قوله -سبحانه وتعالى- «بلسان عربي مبين» يعني أن: «كل الكلمات الواردة في القرآن الكريم ذات جذور عربية»، وهذا لم يقل به القرآن الكريم -إطلاقًا- والبنية على من ادَّعى، لأن القصد أنه كلام مفهوم عند العرب واضح، وهذا بالفعل ما هو حاصل، فالقرآن الكريم لم يأت بلغة جديدة بل بلسان العرب أنفسهم، لذلك فهو لسان عربي مفهوم للعرب.

– رابعًا: غالب هذه الكلمات المُعَربة (التي قالوا عنها: أعجمية) مندرجة في باب الأسماء والأعلام، ومعلوم أن أهل اللغة قديمًا وحديثًا متفقون على أن الاسم والعلم يُنقل من لغة إلى أخرى كما هو ولا يُتَرجَم، فعندما نجد فِيلمًا وثائقيًّا أجنبيًّا حول (الثقافة العربية) ينطق الأسماء والأعلام بالعربية، لا يُقال إنه ليس بفيلم أجنبي! وإن ترجم الأسماء فلن يكون لذلك معنى؛ بل سيكون تحريفًا للاسم، كأن يقول نُترجم اسم «داود» إلى «ديفد»، هل عندما تنادي العربي «ديفد» سيجيبك؟ لا.

– خامسًا: لو قارنَّا عدد هذه الألفاظ -المقصودة- مع الألفاظ العربية الأصيلة في القرآن الكريم، لانتهى بنا الأمر إلى أن الألفاظ المعربة لا تساوي شيئًا في عددها أمام الألفاظ العربية، أي: نادرًا ما تجد الألفاظ المعربة في القرآن الكريم، والنادر لا حكم له. وإلا فهناك كتابات كثيرة علمية وأدبية وهي عربية وتكتب ألفاظًا ومصطلحات أعجمية وبأحرف أعجمية، فلا يصلح أن يُقال: هذه الكتابات غير عربية!
مثلاً: إن قُلنا «أكل محمد بيتزا» ، فلفظ (بيتزا) لفظ واسم إيطالي، فهل نقول إن هذه الجملة أجنبية؟ سبحان الله!
مثال آخر: جملة (Give me a lemon) جملة إنجليزية، لكن (الليمون = lemon) كلمة عربية الأصل، هل لوجود كلمة «ليمون» نقول إنّ هذه الجملة عربية؟ هذا ضرب من الحمق، لأن الكلمة أصبحت معروفة في اللسان الإنجليزي أصلاً.

– سادسًا: جهابذة العرب وفحولهم، لم يعترضوا إطلاقًا على هذه الألفاظ، فلو كان القرآن الكريم مختلاً من الناحية العربية، ومن ناحية وجود هذه الألفاظ، لكان الاعتراض من طرف كفار قريش ومن هم على شاكلتهم من الفحولة العربية والعداء، ولكن هذا لم يثبت.

بقيَ اعتراض واحد في هذا الصدد؛ إن قيل: إن كنتم تدعون أن الكلمات كلها عربية داخلة في إطار (اللسان العربي) فلماذا يوجد «غريب القرآن» إذ كثير من العلماء (3) ألفوا كُتبًا حول غريب القرآن الكريم.
قُلنا: وهذا مقالٌ آخر لمقالٍ آخر، فعلم غريب القرآن أول من ألف فيه هو ابن قتيبة، وابن قتيبة عاش في القرن الثالث هجري، وفي هذا العصر، أضحت فيه الصليقة اللغوية متدنية، واختلط العجم بالعرب، وغاب عليهم الكثير من مدلولات ألفاظ القرآن الكريم والحديث النبوي من حيث الدلالات اللغوية، بمعنى آخر أصبح المستوى اللغوي في ذلك الوقت ضعيفًا بعض الشيء، فأُلف في هذا الفن (غريب القرآن) لـبيان مدلولات القرآن الكريم وألفاظه. وليس (غريب القرآن) بذلك المعنى الذي يقدح ويُعاب: فالقرآن الكريم في عصر النبوة والرسالة، وعصر الصحابة رضوان الله عليهم، كان القرآن مفهومًا جليًا، لكن بعد مرور وقت من الزمن أي بعد عصر التابعين بدأت الصليقة اللغوية للعرب تتناقص لأسباب كثيرة من أهمها: اختلاط العرب بالعجم؛ فتصدر بعض العلماء للتأليف في (غريب القرآن) و(غريب الحديث).

المراجع:
[1] : الكتاب:4/304
[2] : الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية – مادة عرب
[3] : كابن قتيبية، والسجستاني، والأصفهاني، والسيوطي، وغيرهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد