الأمر برمته نسبي فلا أجد مطلقا سوى الخالق. فلقد تم تنظيم آلية عمل العقل فى استرجاع المعلومات بطرق تناسب أنماط حياتنا، من ضمن تلك الطرق النموذجية التى تواكب سرعة الاستجابة والحفظ الأمثل لوقاية العقل من الإنهاك، حيث إن النموذجية هي عمل العقل نماذج تترسخ شيئا فشيئا في الذاكرة طويلة المدى، فإذا طرأ شيء غريب أو مختلف عن النموذج الذى اعتاد العقل على حفظه، فيبدو ملحوظا بصورة سريعة.

ترجع تلك السرعة لغلاف دهنى يسمى الـ myelin sheath الذى يغطي محاور الخلايا العصبية فيزيد من سرعة الاستجابة بمرور الإشارات العصبية ووصولها لمركز الإدراك والتعلم والذاكرة.

أما ما يدعى “سرعة البديهة” فهو سرعة إعمال العقل فى التعرف على النماذج التى تم حفظها واستراجاعها ومقارنة تشابهها، كمعرفة الوليد لرائحة أمه، والتعرف على مذاق أطعمة مختلفة وأنت مغمض العينين، فهنا يغطى الـ myelin المحور العصبي كل مرة تتثبت فيها المعلومة عند استرجاعها أو تدوينها فيزيد من كفاءة الترسيخ.

فالنماذج تختلف من إنسان لآخر، وما ترسخ فى عقل هذا يختلف كلية عن عقل ذاك، فالنماذج مثل الأشكال الهندسية والروائح والعقائد والأديان والبيئة والخرافات تجعل سلوك كل فرد يختلف عن الآخر لذا عند إيجاد التشابه مع الغير يزيد من الألفة والقبول أكثر من كونه اختلافا مضادا في نماذجه.

فالجمال نسبي فحكمك على جمال الشيء يختلف حسب إدراك ومعرفة مسبقة فلا يوجد شيء جميل، ولا فائق الجمال، فكل شيء جميل فى نفسه، فالمقارنة هنا ظالمة.

الصواب والخطأ ودرجة الإيمان ودرجة سعادتك وبؤسك وشغفك كلها نسبية.

فالنسبية متوقفة على كل منا، ومايريده وماخزنه، فعبادة البعض للبقر تجعلك تتساءل لما عبدوا البقر ما الصواب في ذلك الأمر! وأيضا تتعجب لمن يعارض ولمن يؤيد عبادتهم، فكل منهم بنى ذلك عن قناعة بحق اختيارهم في الاعتقاد أو هو يعبده، وهناك من يرى أنه من غير، الملائم عبادة من هو أقل منا تكوينا فسيولوجيا وترتيبا في السمو الخَلقي والسلوكي مقارنة بحيوان وآخر يعتنق دينا يراه ساميا، ولا يجد سببا عقلانيا في ممارسة تلك العبادة، وآخر يسرد صفات للبقر تجعله يستحق التقدير مما أوصله للتأليه! هذه الآراء تعبر عن مدى اختلاف النماذج والمرجعيات المتفاوتة.

كل منهم يرى أنه على صواب فى رأيه ووجهة نظره، فلا أرى أي حقيقة مطلقة سوى وجود الله حقا، ودينه الإسلام بقرآنه وسنته، فهو حق وكلامه مطلق حق، فها هي المرجعية الوحيدة التى تنتشل تفكيرنا من الجنون وهوس التفكير ومن كل ضروب النسبية.

وطبقا للنماذج يكون من الصعب تقييم الأشخاص وثقافاتهم وقناعاتهم، فما تراه عينك ورؤية غيرك له توصيفه مختلف، رغم كون الشيء هو هو، فهناك الرسوم ثلاثية الأبعاد وهي تعبر عن أن ما تراه ليس ما تلمسه، وهذا نسبي في كونه، وفى اعتقاد كل شخص فهناك من اعتقد بداية أنه حقيقى بارز، وآخر يعلم أنه رسم!

والنجاح والفشل نسبي، يختلف من شخص لآخر فلا يعتبر نجاحك هو مقياس لما يحتاجه غيرك أو فشلك معبرا عن عدم وصولك لما نجح فيه غيرك.

من إيجابيات النموذجية استرجاع المعلومات بسهولة؛ منعا لإرهاق العقل فى التفكير والتثبيت كل مرة تمر عليه.

وسلبياتها كالاستعباد، وهو شيء اعتاد عليه العبد، مما يثقل على نفسه خطورة إنقاذ حياته بالحرية، فيستسهل أن يظل مستعبدا، وأصحاب الخرافات يظلون يعتقدون بشيء لا يعود عليهم بأى أثر إلا الخوف! فأرى أن الإلحاد ضربا من ضروب الجنون؛ لما يرهق التفكير؛ لتعدي حدود عقل محدود، التعرف على كل معلومة وكأنها جديدة وعدم وجود مرجعية موثوقة يثير الجنون.

هذا لا يتنافى مع أن علينا مراجعة أفكارنا وما تعودنا عليه وانتقائها بقدر الإمكان؛ لنصل لجزء من حقيقة النسبية، فكل شيء حقيقى ليس مطلقا، بل كل مطلق حقيقي، لكن مع إيجاد شيء نؤمن به ونثق فيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد