لا يمكن المرور مرور الكرام على التسريبات التي أخذت حيزًا كبيرًا في الإعلام الأسبوع المنصرم، إذ ظهر الوجه الأقبح للنظام العسكري المصري، كونه نظامًا شموليًا ديكتاتوريًا قمعيًا، جاء عبر انقلاب دموي في تكملة مقيتة لمسيرة الانقلابات العسكرية في التاريخ العربي الحديث، فمنذ الانقلاب الأول عام 1952، ولج العسكر إلى واجهة الأحداث. ولو أخذنا الأمور على التقسيم الاستعماري الحديث للمنطقة، فإننا نجد أن غير المصري لا يجوز له الحديث ولا التعليق، غير أن تاريخ أنظمة العسكر الانقلابية الشمولية ينبئ بأن المنقلب يبحث عن شرعية لسفاهاته عبر قضايا مهمة في الإقليم، كونه غير مقبول في بلده الأصل؛ فإنه يدندن على وتر القضايا التي تجمع الأمة ككل، كقضية فلسطين مثلًا.

فعبد الناصر وتياره العابد له، كانوا يبررون أفعالهم ومغامراتهم الطفولية بالانحياز إلى فلسطين وقضيتها، وكان ذلك يعني- وما زال- أن تعمل جميع أجنحة النظام الانقلابي الشمولي بصورة متكاملة لتكريس حكم الطاغية الفرد، إذ يعتبر الإعلام الجناح الأقوى في هذه المنظومة القميئة، وكما حدثنا أسلافنا فقد كان الوهم يباع لهم عبر إعلام الطاغية، حيث كانت تباع البطولات لهم وتسوق على أسماعهم مغامرات ضد الإمبريالية والاستعمار والرجعية والتخلف، وحولت الهزائم إلى بطولات ونصر، وسوّق الارتماء في أحضان الأقطاب المتنازعة على أنه حنكة سياسية وحكمة تفوق دهاء ابن العاص، ومضت الأيام وثبت من مذكرات زبانية الطاغية أنهم كانوا يبيعون للناس الوهم، ويكرسون ضياع فلسطين خلال لقاءاتهم بالأمريكان والروس على حد سواء، ويمكنك بالتمحيص في الوثائق والمذكرات أن تقف على تفاصيل يشيب لهولها الولدان.

بعد ما سبق، نجد أن الأنظمة الانقلابية الشمولية تستخدم الإعلام لتمرير ما تريد، وهدف الكتابة، هو النظر في حالة الاستعباد التي يمارسها الإعلام بأذرعه المتعددة، في تكريس تلك الأنظمة وتمرير مخططات الغرب التكريسية للاحتلال الصهيوني، والتي تعمل على إطالة عمره وتقوية شكيمته وزيادة تغوله. يشكل الممثلون والمذيعون أدوات مهمة في تغيير الوعي العام، وتشكيل الرأي العام؛ إذ يفرد لهم الوقت الطويل لمخاطبة الجماهير، من خلال تفسير الواقع أحيانًا، وأحيانًا أخرى بمحاكاته عبر التمثيل بأنواعه المتعددة، ولأننا في مرحلة ضعف ولا هوية، فإن الفراغ الحادث من الناحية الفكرية والتقوقع في قضايا المعيشة اليومية يجعل القضايا المهمة والمصيرية عبارة عن ترف، ففي مقابل لقمة العيش والضرائب والمحاولة المضنية للقفز فوق خط الفقر تجد قضية فلسطين والقدس قضايا هامشية، وذلك ناتج عن الحكم الشمولي وأدواته المعروفة في إخضاع الشعوب وقمعها، وربما يحتج البعض بالمظاهرات التي جابت عواصم الدول العربية لينفي صحة ما قيل، ولكن أليس لتلك المظاهرات والاعتصامات نقطة حرجة تذوي عندها؟ يعني في كلمة التفاعل مع القضايا المهمة مد عاطفي لحظي لا يستمر إلا في حالات نادرة.

وهنا يعمد العسكر الشموليون إلى النخب التي صنعت على أيديهم لتمرير ما يريدون، فكما تعودنا في عالمنا العربي فإن التصريحات المنددة والشاجبة ليست إلا حقن تخدير لركوب موجة المد العاطفي الجماهيري وهي بصورة مطلقة مختلفة عن الذي يدور وراء الكواليس، تمامًا كما يحدث في المسلسلات والمسرحيات، فبطولة الممثل في الدور الذي يأخذ عليه أجرًا لا تعني أنه بطل على أرض الواقع، فربما يكون جبانًا رعديدًا لا يقوى على قول نصف كلمة حقّ. وهنا يجب التنويه إلى خلطنا كمتلقين بين الواقع والخيال، فالمسلسلات والمسرحيات والبرامج الحوارية تعتبر خيالًا مهندسًا لغاية ما، فكم رأينا تعاركـًا لفظيًّا وجسديًّا بين متحاورين، ثمّ تفاجئنا بصورة تجمع المتخاصمين المتضاربين في جلسة هادئة وودية، وهذا الخلط عندنا مصدره اختلاط الأمور علينا؛ فنحن نعيش واقع الصومال بأحلام باريسية، نظن أن البطل الممثل قادر على صرع 10 رجال، ونعتقد جازمين أن دفاع بطل فيلم ما عن قضية وحق يجعله في الواقع في مقام سيد الشهداء حمزة، وكذلك عندما نجد جرأة من مذيع ما نقول إنه لا يخاف لومة لائم، ومن ثم يصبحان عندنا من الثقات الذين لا يرد لهم قول ولا يعاب لهم فعل.

إن التسريبات الأخيرة على خطورتها لا تظهر فقط دناءة النخب التابعة للأنظمة وقمائتها، إنما تفتح مجالًا واسعًا للنظر في طبيعة القدوات التي يقلدها بعضهم، فلك أن تتخيل عمق الجريمة التي ترتكبها وأنت تهدر وقتك في معرفة ثمن فستان فلانة من القينات، ولك أن تتخيل عظم العسف الذي تمارسه في حقّ نفسك وأنت تتابع تصريحات وهرطقات فلان من «الأراجوزات» التي تدعي فكرًا وسياسة وثقافة، فما شعورك وأنت تدرك الآن أن كل كلمة وحرف ومشهد مرّ عليك ليس إلا خطة مخابراتية لغزو وعيك وتحطيم قيمك العليا؟ وما قولك في ثقافتك المكتسبة من إماء العسكر في بلادنا؟ هل تقوم بها حجة أو يصح بها دليل؟

إنّ تاريخ العسكر الانقلابين في بلادنا مع الإعلام بشقيه الواقعي والخيالي، ينبئك أن معارضتك ونقدك في أعلى مراتبهما ليست إلا الرأي الآخر الذي يريده الحاكم، ومواقفك تقوم على مصدر واحد هو أجهزة الحكم الشمولي الموجهة للإعلام، لذلك نعيش الآن في مرحلة متقدمة من الغزو الفكري والتغريب المتعمد، فبلدك نتاج تقسيمات الغرب وحدودك من رسمه، تحيا في كنتون تظنّه الجنّة، يتم سلخك عن قضاياك المصيرية والعقدية وأنت على ما أنت عليه من تيه وضياع، تعادي من يعاديه الإعلام الموجه وتصادق من يصادقه، وفي عهد الفجور والتردي يظهر أن عدوك بلادك الكبرى وصديقك هو المحتل الغاصب، فمتى تستيقظ؟

ختامًا، كنت وما زلت على معتقدي بأن الأنظمة الحالية هي عدو للشعوب ومعول هدم في جدار الأمة، من يواليها يوالي خونة وعملاء للغرب والاحتلال، ولا أومن بخرافة دور أي بلد عربي أو إسلامي في القضايا العامة المصيرية للأمة، وعليه سواء وافق الإعلام المصري أو العربي أو عارض قرار ترامب، فالقدس عندنا عقيدة دونها الأرواح والمهج، والساسة في معظمهم يمثلون أنفسهم ولا يعبّرون عن الشعوب ورغبتها في الانعتاق من الحكم الشمولي والاحتلال والعودة إلى الكيان الواحد، والله غالب على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد