بالفعل لا توجد دراسة واحدة تقدم أية نتائج تجريبية على وجود الله، بل إنه حتى الموجودات الميتافيزيقية التي طالما عكف على دراستها العلماء، مثل الإرادة والعقل والشخصية، لم يستطع أحد أن يجمع لها أية أدلة مادية.

 

أليس العلم المبني على التجربة هو العلم الصحيح وما دونه افتراضات غير مثبتة؟ أليس العلم التجريبي هو الذي نعتمد عليه في دوائنا واتصالاتنا وحتى في مسكننا؟ أليس العلم التجريبي هو الوسيلة الوحيدة التي تمكننا من الوصول ليقين؟ أليس ما دون العلم التجريبي عبارة عن إيمان غير مبرر؟

 

الإجابة القصيرة لهذه الأسئلة هي لا؛  فالمفاهيم مثل:  «المثبت تجريبيا» و«الصحيح» و«المنطقي»  ليست فقط مختلفة تمامًا عن بعضها بعض، بل كثيرًا ما تتناقض.

جزء كبير من اللبس مصدره الخلط بين الثقة في العلم التطبيقي والعلم التجريبي البحت، فالعلوم التطبيقية هي أعمال إبداعية منضبطة علميًا، تستهلك المعرفة التي ينتجها العلماء التجريبيون لإنتاج شيء مفيد، ولا تستهدف إضافة معرفة جديدة.

فالمهندس يريد أن يخترع كمبيوتر يستغل بعض قوانين الفيزياء لينتج تصميم كمبيوتر أسرع  من غيره، ولا يسعى مثل الفيزيائي لفهم كيف تتمايز السبائك لتحسين خواصها. كذلك فالمعماري يريد بناء مبنى يأخذ في الحسبان بعض قوانين الهندسة والجيولوجيا ليقاوم الزلازل حتى قوة ٨ ريختر، بينما لا يهتم مثل العالم الجيولوجي أن يعرف كيف تحدث الزلازل وكيف نتنبأ بحدوثها بطريقة أدق. والصيدلي يريد أن يستخدم خواص الفيروسات لتطوير دواء أفضل، بينما البيولوجي يريد أن يفهم كيف تتطور الفيروسات وتحدث فيها الطفرات؛ فالعلوم التطبيقية لا تهتم بإنتاج معرفة صحيحة، بل مفيدة. بينما العلوم التجريبية تستهدف فهم الظواهر وإنتاج معرفة صحيحة بغض النظر عن فائدتها المباشرة.

 

لذا فتقييمنا  لصحة المعرفة التطبيقية هو إذا كانت أكثر فائدة من بدائلها؛ فلا يوجد تصميم يمكن أن يقال عليه «التصميم الصحيح» وما اختلف عنه خطأ، بل إن التصميم عمل إبداعي يمكن تخيله بمئات الطرق المختلفة، وعلى العكس فتقييمنا لصحة العلوم التجريبية هو تقييم إذا كانت «صحيحة»، ومعنى هذا أن ما اختلف عنها غير صحيح، وبما أننا بصدد إجابة سؤال عن حقيقة الأشياء «هل… موجود» بالتالي يجب أن نتساءل عن قدرة العلم التجريبي في إعطائنا اليقين بأن معرفة ما صحيحة.

 

فعلى الرغم من الشهرة المبالغ فيها للتجريب، إلا أن التجريب أيضًا لا يقدم لنا يقينًا، فالتجريب يأخذ شيئًا ماديًا نراه، ثم يعمم ما شاهدناه بشكل واسع، مثلًا: «كل من قابلتهم من اليهود سيئون، يبدو أن كل اليهود سيئون»، وهنا التعميم على اليهود كلهم يضع العالم في مأزق. فمهما كبرت عينة اليهود التي رأيتها، فلو تبقى يهودي واحد لم تره بعد قد يكون هو الاستثناء، وبالتالي لا تستطيع أن تجزم بصحة هذا الحكم.  فالتعميم يظل أمرًا ظنيًا حتى وإن بُني على التجريب. كما يشرح الرياضي والفيلسوف ليبنيز كيف أن اليقين من التجريب محدود:

 

«… الحواس لا تستطيع إلا أن تعطينا أمثلة من الواقع، هذه الأمثلة لا تعبر بشكل صادق إلا عن العينة نفسها، وكون العينة المدروسة لها حقيقة ما، فمهما كبر حجم العينة فهذا لا يكفي لكي ندعي ضرورة أن تكون هذه حقيقة لكل ما لم يُدرس… وأيضا كون لدينا دليل أن شيئًا ما حدث من قبل لا يعني بالضرورة أنه سيظل يحدث في المستقبل بالكيفية نفسها… وهذا يوضح أن الحقائق الأساسية مثل التي نراها في الرياضيات البحتة والحساب والهندسة، يجب أن تكون لها مبادئ لا تحتاج أية أمثلة مادية، وبالتالي لا تعتمد على الحس، برغم أننا بدون الحواس لم نكن لنفكر فيهم».

 

فمثلا سيجموند فرويد كان مخطئًا تقريبًا في كل استنتاجاته. وبالرغم من أنه كان يستخدم الأسلوب التجريبي بشكل علمي، ولكن لأن عينته كانت معظمها من المرضى النفسيين ذوي الخلفية الجنسية المعقدة، كانت معظم تعميماته فاسدة، فالعلم ليس هو التجريب في حد ذاته، العلم ليس مجرد مجموعة قصص موثقة لبعض المرضى،  بل إن العلم  يبدأ في النقطة التي ينتهي عندها التجريب ويبدأ التعميم، فهنا فقط  تصبح المعلومة لها دلالة ويمكن للآخرين أن يستفيدوا منها؛ فالتعميم هو أداة الحصاد للعلم التجريبي. ولكن للأسف فالتعميم نفسه ليس إلا أداة لترجيح ظن ما وليس للقطع بصحته.

 

هناك طريق آخر يعتمد عليه العلماء  للوصول للعلم وهو التعقل، ومعناه أنه إذا كان لدينا معرفة ما نؤمن بصحتها بالفعل فنستطيع أن نستنتج حكمًا بناءً عليها، مثلًا: «التدخين مضر بالصحة، لذا سأتوقف عن التدخين لأحافظ على صحتي». وهذه المعارف أيضًا ليست يقينية، بل تتوقف صحتها على صحة الافتراضات المبنية عليها، هل فعلا التدخين مضر بالصحة في كل الأحوال؟ ماذا عن جارنا الرياضي الذي ظل يدخن طوال حياته بلا مشكلة،  إلا أن هناك بعض الافتراضات (مثل الرياضيات والمنطق) التي يؤمن الإنسان بصحتها بشكل فطري، فلا يجادل في صحتها أحد ولا يطلب العلماء لها أدلة تجريبية، فقط اتفق الكل أنها صحيحة، هي وما يٌستنتج منها، وبما أن العلماء لا يمتلكون إلا التعقل أو التجريب وكلاهما ظني، لذا فهم يستخدمونهما بالتناوب ليزيدوا من صحة بعضهما، تبني افتراضًا بالتعقل، ثم تختبره بالتجريب فإن نجح في الاختبار تقوم بالتعميم باستخدام التعقل، فيأتي عالم آخر يختبر تعميمك بالتجريب، وتدور الدائرة العلمية قوامها الشك لا اليقين، ومنتجها النهائي الفائدة لا الحقيقة.

هل معني هذا أن التجريب قليل الأهمية؟ على العكس، التجربة لها دوران مهمان لا يقوم العلم بدونهما. أشهرهما أنها تساعدنا في اختبار إذا كان أحد افتراضاتنا خاطئ، ولكن الدور الأهم للتجربة هو إعطاؤنا مدخلات جديدة لإثارة خيالنا، وجعلنا نفترض افتراضات جديدة تفسر الواقع لم تكن لتخطر على أذهاننا بدون التجريب، ولكن هذه الافتراضات أكثر بكثير من مجرد قراءة الأدلة، بل هي عملية عقلية إبداعية مثل الأعمال الفنية.

ففي فلورنس كانت هناك امرأة هي الزوجة الثالثة لأحد تجار الحرير عاشت وماتت مثل كل النساء مرت على آلاف البشر في حياتها ولم ير فيها أحدهم شيئًا أكثر من أقرانها، ولكن ليوناردو دافنشي رسم منها الموناليزا والتي أصبحت عملًا إبداعيًا وعقليًا معجزًا فنيًّا، الإبداع الفني لليوناردو كان أهم بكثير من المرأة نفسها، بالرغم من أنه مبني على مشاهدتها.

بالمثل، فطوال التاريخ يتساقط التفاح ليل نهار في كل القرى والمدن، ولكن نيوتن رأى في سقوط التفاحة أكثر بكثير من مجرد سقوط، رأى الجاذبية نفسها، بل أبدع قانونًا رياضيًا يفسرها، هنا التفاحة نفسها لم تتعد كونها حافزًا إبداعيًا، كان من الممكن أن تقدمه برتقالة مثلًا بالجودة نفسها، ولكن العلم نفسه كان عملية إبداعية مستقلة، بل إنه تخيل النظرية بشكل ما، بينما كان من الممكن أن يتخيلها بالعديد من الطرق المختلفة وبعضها قد يكون أصح، بالضبط مثل زوجة تاجر الحرير والذي بالفعل جعل زوجها العديد من الفنانين في فلورنس يرسمونها وكل منهم رسمها بشكل مختلف، ولكن فقط لوحة دافنشي كانت مبدعة بما يكفي لتتفوق عليهم جميعًا.

 

فالعلماء ليسوا مجرد موثقي تجارب، ففني المعمل المدرب قد يستطيع عمل هذا بطريقة أحسن وأسرع، ما يجعلهم علماء هو أنهم يستطيعون أن يتعقلوا النتائج، ويتخيلوا تصورات جديدة يمكن أن تفسر الدلائل بشكل أعم، بل إن الأبحاث العلمية التي تحظى بالنشر في أهم الدوريات ليست تلك التي تخبرنا بنتائج التجربة ولكن التي تبدع تفسيرًا عقليًا مدعومًا بالتجربة وليس محكومًا بها.

والأهم أن العلماء، على عكس ظن كثير من «المستعلمين» يدركون بدقة قصور علمهم، بل إنه لو وثَقْ العلماء للحظة في أية حقيقة لن يكون من المبرر أن يبذلوا مجهودًا لتطويرها، ففهمهم لأن العلم ظني «ترجيحي» وغير يقيني هو المحرك الذي يدفع العلم للتقدم؛ لذا تجد كثيرًا من العلماء دائمي التندر بأن كثيرًا من المعارف التي تدرس على أنها حقائق علمية أثبت العلم أنها غير ثابتة، فالجاذبية لا تعمل  دائمًا، بل قد تكون غير موجودة أصلاً  والزمن لا يسير بالضرورة إلى الأمام فقط، واللهيب لا يحرق دائمًا، والماء لا يغلي عند مائة درجة دائمًا.

 

إذن فما أهمية عدم وجود أدلة تجريبية لوجود الله؟

بل إن السؤال هنا هو: هل هناك فرق بين الشخص المتدين الذي يتعقل وجود الخالق من مشاهدة الكون، وبين شخص غير متدين يتعقل وجود مادة سوداء في الكون من مشاهدته للكون؟ فكلاهما لم يقدم دليلًا تجريبيًا.

فما الفرق بينهما؟

لماذا يحاول بعضهم باستماتة ترويج أن على المتدينين دون غيرهم ألا يتعقلوا معارفهم ويستقرؤوا الأدلة؟

لماذا على المتدينين دون غيرهم ألا يرجحوا رأي دون آخر باستخدام حدسهم؟

وهل من العلمي أو من الأكثر منطقية أن نرى دليلًا ماديًا عملاقًا بحجم الكون ثم نخلص إلى «أعتقد أنه أتى من لا شيء»؟

طبقـًا لمعلوماتي لم يحدث أن أتى شخص إلى الآن بدليل يدعم إمكانية انبثاق شيء من لا شيء! ولا أن مادة جامدة قد تكتسب عقلًا ويصبح لها وعيًا من تلقاء نفسها؟ فلماذا يجب ألا نتساءل؟

لماذا يردد بعض فلاسفة الإلحاد، مثل «دانيت»، أن طرح مثل هذا السؤال عن وجود الخالق يجب ألا يُسمح به وأنه تساؤل «غير عقلاني». لماذا يحاربون البحث والتعقل لوجود خالق بالمنهجية العقلانية نفسها غير المعتمدة على تجريب التي يستخدمها العلماء.

ما الفرق بين السؤالين؟

 

الإنسان لا يمتلك أصلًا وسائل معرفية تستطيع أن تصل به لأية حقائق يقينية؛ فالتعقل ظني محكوم بصحة الافتراضات، والتجريب ظني محكوم بجودة التعميم، وبالرغم من هذا فكلنا «نؤمن» بأن هناك حقيقة ما. مؤمنًا كنت أم ملحدًا، عالمًا أم عاملًا، فجميعنا نراهن بسلامة أولادنا على وعد علمي بأن حبة دواء ستسبب الشفاء، ونثق في هذا الوعد برغم أننا  كثيرًا ما نراه يفشل، فما مصدر هذا اليقين؟

«نؤمن» بأن هناك حقيقة موضوعية للأشياء حتى وإن أفنينا عمرنا ولم نستطع إثباتها.

فالعلماء أنفسهم نجدهم مؤمنين بصحة نظرياتهم سنين طويلة قبل أن يثبتوها، فأينشتاين عاش ومات ولم ير دليلًا تجريبيًا على كثير من نظرياته، وهاوكينج عاش عمره يحاول إقناع العلماء بنظريات ليس عليها دليل واحد مثل الأكوان المتعددة، والعالم احتفى براين شميدت على نظريته للمادة السوداء وحصل على جائزة نوبل بالرغم من عدم تقديم دليل مادي واحد، والعديد من العلماء يقصر المجال عن ذكرهم يعيشون ويموتون بدون دليل مادي واحد.

 

ببساطة هذا اليقين المعرفي هو نتاج رحلة إيمانية وليست إجرائية، مما جعل موسوعة ستانفورد للفلسفة تعرف المعرفة نفسها على أنها «اعتقاد صحيح مبرر». فالمعرفة هي نتاج رحلة إيمانية يقود فيها الحدس الإنسان عبر عدة محطات «الظن، فالتبرير، فالترجيح، فالإيمان»، وفي الترقي  من محطة إلى أخرى يستخدم الإنسان ما أتيح له من وسائل سواء أكانت تجريبًا أم تعقلًا، تعميمًا أم استنتاجًا، بداهة أم منطقـًا، هذه الرحلة الإيمانية المعرفية يقطعها كل مننا في نطاق مختلف؛ فالعلماء التجريبيون يبحثون خلالها عن تفسير المشاهدات المادية، والفلاسفة يبحثون عن المعارف والحقيقة  نفسها، والمتدينون يبحثون عن الخير والحق.

فالباحث عن المعرفة يسعى لقطع مسافة أكبر تجاه العلم، ولا يأمل في تمام المسير. فالمعرفة ذاتها هي حالة من الإيمان. والإيمان هو وعي ما لا تستطيع الحواس بلوغه، فلا يأمل في الوصول إلا ضال، أما الراسخون في العلم فيشبعهم السعي.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أديان, إيمان, الله
عرض التعليقات
تحميل المزيد