تمّ اكتشاف مناطق الأرض المختلفة واستغلال مواردها عبر العصور وعلى مرّ الأزمان من خلال الملاحة البحرية، والترحال في الصّحاري، وتحمّل مشاق وأعباء السفر المختلفة التي قد تؤدي أحيانًا إلى فقدان الرّحالة للشّيء الوحيد الذي يملك هناك: حياته. لم يكن التفكير بالسفر آنذاك مثلما هو الحال مع تفكيرنا نحن الآن، لقد كان تفكيرًا نفعيًا برارجماتيّا، أي لضرورة وحاجة مُلّحة ابتغاء للاستمرار والتطوّر، ولولاه لما وصل العالم إلى ماهو عليه الآن؛ لأنّ كل ركن في الأرض احتوى ما يفتقره الرّكن الآخر، لتتوفّر بذلك جميع الاحتياجات، ويتحقّق التّوازن.

لم يكن السّفر حينها بعد جمع المال، أو بُغية تحقيق شهرة وجاه، ولم يكن حتمًا للاستمتاع. لم يكن للإنسان قديمًا شغف آخر غير اكتشاف ما قد ينفع للبناء أو الأكل عبر سفرهم ذاك. أمّا إنسان اليوم فقد وجد كلّ ما تحمل الأرض على سطحها وفي باطنها، وقام باستغلاله نحو طرق سلبية، وأخرى إيجابية، لمصلحته لِيُصبح السّفر حُلما للمحرومين منه، أمثال: شريف جابر، الذي ظل يُناجي الناس من خلال فيديوهاته على «يوتيوب» وتغريداته على «تويتر»، يستغيث طالبًا أن يُصرّح له بدخول بقعة أخرى على هذه الأرض، هربًا من القمع داخل وطنه.

أيضًا السفر غاية لكلّ هاوٍ للسياحة، واكتشاف ما تزخر به البلدان الأخرى وتتفرّد به عن بقيتها، هو فرصة للطالب المتفوّق، معيشة كريمة للغني، هو التبرؤ والانسلاخ من الجلد الذي وُلد به المُسافر، السّفر حاليّا ليس سوى نجاح وطموح في حد ذاته بالنّسبة للنّخبة في أي مكان.

وكذلك هو الحال بالنسبة للمبدعين في وطننا العربي، حالما يُسافر أحدهم يجد ضالته بانتظاره في الضفّة الأخرى، السّفر عوض الكاتب المبدع المهمّش على أرض وطنه، وهو أيضًا الضوء الخافت في نهاية الممرّ المظلم، وقد يكون جسر عبور الإنسان إلى أفكاره العاجزة عن التطبيق، أو حتّى الظهور أينما كان مُستقرًا، كما هو الحال مع العلّامة «ابن خلدون» مؤسّس علم الاجتماع، الذي اعتزل الناس، ليُحلّل عقلية الإنسان.

على الإنسان أن يرتحل كي يحلّل عقليته أوّلًا، ليفهم الآخر ويكتشف الموجود في غير بيئته. لقد توصّل ابن خلدون إلى تأليف مقدّمته التي هي مرجع في علم الاجتماع عن طريق التّرحال، هذا الأندلسي الأصل، التونسي المولد قضى سنوات كثيرة باحثًا في التّاريخ ليُصبح أبًا له، فلسفته في التّاريخ هي أعظم تفكير يُتوصّل إليه، لقد أصبح التّاريخ علمًا قائمًا بذاته بفضل مجهوداته وتفكيره اللاسطحي في تطوّر حياة الإنسان، وضع نظريات سابقة لأوانها بمعاشرة مختلف شرائح المجتمعات بأصولها وأماكنها المختلفة، دراسته للإنسان لم تكن لتُثمر لو بقيَ تونسي المنشأ والعقلية.

داروين، العالم الجريء صاحب نظرية التّطوّر التي كانت تكملة لما قبلها وطريقًا مُعبّدًا لما بعدها من نظريات؛ ساهمت في إثراء الأفكار الجديدة بعدها، توصّل داروين إلى نظريته هاته بعدما جاب البحار، واستقرّ في مناطق مختلفة، تاركًا وراءه مقاعد الدّراسة؛ لأنّها لم تُعلّمه كما كان يطمح، وكما فعل السّفر الذي نمّى وسقى أفكاره الأوليّة لتُصبح نظريات مُعتمدة، بعدما عبر داروين مختلف أقطار الأرض ووجد أنّ فصائل الحيوانات تختلف من منطقة لأخرى، وأنّ هناك حيوانات تتواجد في مناطق، ولا توجد في أخرى، فلم يجد تفسيرًا عدا دراسة سلوكها في تلك البيئات المختلفة التي ساهمت وساعدت على تطوّرها، لو لم يَبتعد داروين عن الدّراسة الروتينية الممنهجة لما كان لنظريات موالية في مختلف العلوم أن تولد، ولما ساهم مثله مثل باقي المفكّرين في تفجير الثورة الأوروبية والنّهوض بها كما هو حالها الآن.

حتى سيّدنا موسى عندما أراد التّعلم من سيّدنا الخضر الذي أتاه الله علمًا، طلب منه مرافقته من مكان لآخر ليكتسب الحِكمة التي يسعى إليها، ولم يقل له اجلس جانبي لأقدّم لك محاضرة. لا يمكن للشاعر أن يُبدع في قصيدة عن اخضرار الطبيعة وجمال خرير مياهها وحفيف أشجارها، وهو من سكان القطب الشّمالي.

السفر واجب، وهذا لقول الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم: «سافروا تصحّوا»، يقول اللّه: قل سيروا في الأرض. وقال الشافعي: 

تغرّب عن الأوطان في طلب العُلا … وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفريج همٍّ.. واكتســاب معيشــــة … علم.. آداب.. وصـــحبة ماجـــــد

السفر يُكسبنا الحنكة والخبرة من التّجارب اللامتناهية والجديدة.

السفر بداية جديدة للحياة، وإعادة تأطير الأهداف واستيعاب المُبهم، إضافة إلى ترك كل سيئ قديم، واكتساب كل جيّد جديد، هو الحصول على فرصة أخرى في الحياة، والوقوف من جديد، البداية الجديدة من خلال السفر توسّع الأفاق وتُكسب الإنسان مرونة في التّعامل مع نفسه ومع الغير، ولقد تعلّمنا منذ الصّغر العبارة التي تقول: اطلبوا العلم ولو في الصّين. تِبيانًا لضرورة السفر للتّعلم، كما أنّ التّعلّم لا يقتصر على الدّراسة والمناهج الروتينية، التّعلم يشمل مُعتقدات وعادات الغير، كما يشمل أيضًا لهجة أو لغة المنطقة، وتعلّم أسلوب حياة قد يكون أنجع من سابقه في الحياة السّابقة، والإنسان الواعي عادة ما تكون غايته الأولى هي التطوير من ذاته، لِيُصبح أفضل من نفسه في كلّ مرة، ولا يمكنه فعل ذلك دون الاحتكاك بالغريب والجديد، وكذا مواجهة اللامتوقّع والصّعب، والسّفر أيضًا يكشف للإنسان عن معدنه، فشخصه الحقيقيّ يظهر في بيئة أخرى، غير المكان الذي ترعرع فيه، ولهتلر قول مُخلّد يؤكّد هته الرّؤية، وهو عندما قال: مصانع الرّجال ثلاثة: السّجن، العسكرية، والغربة.

البلدان الأخرى لبعض النّاس هي هاجس، تجده متعصّبا إيزاءها مثلما يفعل من شبّ على عقيدة واحدة طيلة حياته ولم ينفتح على الأخرى أو يتسامح معها، فيُكنّ لها من البغض والحقد مالا يمكن وصفه مؤازرة لدينه، رغم أنّ ذاك البلد قد يكون أو هو بالتأكيد أفضل من بلده في جميع المناحي، ظنًّا منه أنّ ما وُجد عليه من علوم، أخلاق، وقيم في بيئته هو الفطرة والأصل ولا ينبغي النّهل من الآخر المُشوّه.

يقول الإمام الشّافعي:

ما في المقام لذي عقل وذي أدب … من راحة فدع الأوطان واغترب

إنّي رأيت وقوف الماء يُفسده … إن ساح طاب وإن لم يجرِ لم يطبِ

والأسد لولا فراق الأرض ما افترست … والسّهم لولا فراق القوس لم يُصبِ

والشّمس لو وقفت في الفلك دائمة … لملّها النّاس من عجم ومن عربِ

والتّبر كالتّراب ملتقى في أماكنه … والعود في أرضه نوعا من الحطبِ

فإن تغرّب هذا عزّ مطلبه … وإن تغرّب ذاك عزّ كالذّهبِ

يمكن أن يكون السّفر جسديًا دون إعمال العقل في الاغتراب، كما يُمكن أيضًا أن تُسافر بعقلك وقلبك دون أن يتحرّك جسدك مترًا نحو مكان ما، يمكن أن تتأمّل داخلك للتّخلص ممّا يعتمها، ويمكن أن تتأمّل الناس والمواقف من حولك لتحرص على تجنّب ما تمقت، قد يكون السّفر تحليلًا نفسيّا للذات وجلدها وتهذيبها، كما قد يكون إثراءً للعقل وشحذه بمختلف الأفكار والفلسفات عبر القراءة أحيانًا، القراءة للكتب الجيّدة غير التجارية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد