تشدق الكثيرون من أبناء التيار الاسلامي خلال السنوات الماضية في الوطن العربي بالتجربة التركية، على اعتبار أنها تجربة ديمقراطية وليدة في القرن الحالي، وأتت بحزب إسلامي المرجعية إلى الحكم، ولا يستطيع أحد أن يختلف حول التقدم الاقتصادي الذي وصلت إليه الدولة التركية على يد حزب العدالة والتنمية، ولكن ما حقيقة التجربة الديمقراطية في تركيا؟

لمحة تاريخية

تأسست الدولة التركية في مطلع القرن العشرين بعد الإطاحة بالخلافة العثمانية، أسسها مصطفى كمال أتاتورك العسكري التركي، الذي وضع أساس الدولة العلمانية التركية التي دفع ثمنها أبناء التيار الإسلامي خلال القرن الماضي من اعتقالات، ونفي، وانقلابات عسكرية في العديد من المناسبات.

مصطفى كمال أتاتورك

شهدت تركيا في أعوام 1960، 1971، ثم 1980 ثلاثة انقلابات عسكرية أطاحت بالحكومات التركية التي حاولت إعادة التراث الإسلامي في تركيا، وشهدت أيضا خلال هذا القرن حل الأحزاب التركية التي تتخذ من الإسلام مرجعًا لها، مثل حزب الرفاة الإسلامي بزعامة نجم الدين أربكان، الذي تم سجنه، وحل حزبه في أكثر من مناسبة، حتى ظهر جيل جديد من الإسلاميين في مطلع القرن الحالي بقيادة رجب طيب أردوغان. وتزعمه حزب العدالة والتنمية الذي لم يتوان في أية مناسبة منذ بداية إنشائه عن ذكر تمسكه بعلمانية تركيا حتى يتجنب الاصطدام بالمؤسسة العسكرية التركية، ويتجنب الانقلابات التي هددت الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية طوال تاريخ تركيا الحديث.

وبالفعل استطاع هذا الحزب خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تحقيق نمو اقتصادي كبير للدولة التركية انعكست على دخل المواطنين، بجانب سياسته من التقرب للاتحاد الأوروبي التي ساعدت على رواج الاقتصاد التركي بشكل كبير، وأصبحت من الدول المرشحة للانضمام للاتحاد الأوروبي قبل التغيرات الأخيرة في آخر أربعة أعوام.

رجب طيب أردوغان

مشاهد من الأعوام الأخيرة من حكم أردوغان

بالرغم من التقدم الاقتصادي الذي حققته تركيا وأعطى الأمل للعديد من المنادين بالحياة الديمقراطية في الشرق الأوسط بإمكانية تطبيق نظام ديمقراطي يستوعب التيارات الإسلامية داخل إطار دولة علمانية، إلا أن بعض المشاهد أعطت تصورًا مغايرًا لهذه الصورة.

تظاهرات تقسيم

في عام 2013 تظاهر عدد من المحتجين في ميدان تقسيم ضد الحكومة التركية بسبب قطع الأشجار وبناء مبنى تجاري، تصدت الشرطة التركية بعنف ضد المتظاهرين وتصاعدت النبرة الاحتجاجية لتطول احتجاجات ضد أردوغان وحكومته بسبب بعض قضايا الفساد التي طالته من تدخل في العمل القضائي والسيطرة على مؤسسات الدولة. وتحول ميدان تقسيم لرمز كميدان التحرير في مصر إبان الثورة المصرية، وأصبح رمزًا للاحتجاج على سلطوية الحزب الاسلامي الحاكم واتسعت الفجوة بين الحزب ومعارضيه من الشباب الذين تعرضوا للاعتقال في مناسبات عديدة كذكرى التظاهرات في العام التالي.

تظاهرات تقسيم

الإطاحة بأقرب الحلفاء

أحمد داود أوغلو المستشار السياسي لرجب طيب أردوغان منذ عام 2003 إلى عام 2009، ثم وزير خارجيته من 2009 إلى 2014، ثم رئيسًا للوزراء؛ ليحل محل أردوغان الذي ترشح لرئاسة تركيا وحاز على المنصب في عام 2014.

ظهور داود أوغلو كنجم سياسي في حزب العدالة والتنمية كان يزاحم الزعيم الشعبي لتركيا رجب طيب أردوغان الذي كان يحاول الزج بمؤيديه داخل الحكومة التركية، وظهرت نوايا أردوغان واضحة منذ توليه الرئاسة نحو سعيه لتحويل تركيا لدولة تتبع النظام الرئاسي حتى يستحوذ على السلطات التركية بتشكيل الحكومة بجانب قيادة القوات المسلحة، فبات واضحًا أنه في حاجة لرئيس وزراء لا يحوز على شعبية كبيرة داخل حزب العدالة والتنمية؛ فدفع أحمد داوود أوغلو للاستقالة في مايو (أيار) 2016 ليتم الاستبدال به بينالي يدلريم وزير النقل في حكومة أوغلو، والمعروف بانحيازه لأردوغان؛ مما يسهل عليه من السيطرة على الحكومة والأغلبية داخل البرلمان التركي لتمرير التعديلات الدستورية التي ستضع أردوغان في مكانة الرجل الأقوى بتركيا.

أحمد داود اوغلو

التعديلات الدستورية بتركيا

محاولة انقلاب فاشلة عام 2016 لم تمض أكثر من ليلة للإطاحة بالنظام الحاكم في تركيا، لكن نزول المواطنين بالشوارع وإدانة الأحزاب التركية المعارضة لمحاولة الانقلاب؛ لتتجنب التدخل العسكري مرة أخرى أحبط هذه التحرك العسكري.

واتهم النظام التركي المعارض فتح الله كولن المنفي بأمريكا بتدبير هذه المحاولة للقضاء على نظام أردوغان، واتهم أيضًا العديد من القيادات بالجيش التركي، وأفراد من المؤسسات القضائية انتهت باعتقال أكثر من 6000 شخص من المؤسستين بتهمة محاولة الانقلاب على الرئيس رجب طيب أردوغان الذي استغل هذه المحاولة لفرض سلطات أوسع على المؤسسات التركية.

تقدم حزب العدالة والتنمية مدفوعًا من الرئيس بطلب تعديلات على الدستور التركي لتحويل الدولة التركية لنظام رئاسي، يضع الرئيس على سلطة الحكومة، وإلغاء منصب رئيس الوزراء، مع إعطاء الرئيس الحق في حل البرلمان التركي.

قوبلت هذه الاقتراحات باعتراضات شديدة من الأحزاب التركية المعارضة وتظاهرات أمام مبنى البرلمان التركي تم فضها بقنابل الغاز المسيل للدموع في المقابل بدعم حزب العدالة والتنمية الحاكم وحليفه حزب الحركة القومية التركي هذه التعديلات.

رجب طيب أردوغان يحكم تركيا منذ عام 2002 بتوليه رئاسة الوزراء ثم الرئاسة عام 2014، بالرغم من أن تركيا حاليًا تتبع النظام البرلماني، إلا أن أردوغان هو الحاكم الفعلي للبلاد بفضل تدخله في الحزب، وعزل كل من له طموح سياسي يزاحم هذا الرجل.

إذا مرت هذه التعديلات التي تسمح للرئيس بتولي الرئاسة دورتين كحد أقصى مع عدم احتساب الدورة الحالية لأردوغان، فقد يظل هذا الرجل رئيسًا لتركيا حتى عام 2029 إذا استطاع الفوز بالمنصب في انتخابات 2019 و2024.

هل تنجح تركيا في النجاة بالديمقراطية؟

عانت تركيا كثيرًا من التدخل العسكري في عرقلة الحياة الديمقراطية، لكن محاولة الانقلاب الأخيرة اوضحت أن زمن التدخل العسكري قد ولى واصبح الشعب التركي أكثر وعيًا للحفاظ على صوته الانتخابي من تدخل حامل السلاح بالجيش التركي، لكن هل ينجو هذا الشعب من توغل رجب طيب أردوغان داخل السلطة التركية بحملات الاعتقال التي طالت العديد من المفكرين بتركيا، قمع التظاهر واستخدام العنف ضد المحتجين، إزاحة كل من له شعبية بالنظام التركي حتى أقرب حلفائه كما حدث مع أوغلو، وأخيرًا محاولته للانقلاب على النظام البرلماني التركي ونقل السلطات من المجلس التشريعي المنتخب إلى يد الحاكم الأوحد رجب طيب أردوغان.

محاولة الانقلاب الفاشلة

مناوشات بالبرلمان التركي حول الدستور

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

ميدان تقسيم
تغيير الدستور التركي
صراع اردوغان واوغلو
محاولة الانقلاب الفاشلة
عرض التعليقات
تحميل المزيد