قد تمتلك خبرة لا يمتلكها سواك، أو موهبة وقدرة من الله تعالى، أو مَلكَة نادرة، أو طريقة مختلفة. ولكن أبت المؤسسات العربية إلا أن تجعل لك مكانًا بين موظفيها دون أن تدخل إليها وأنت تحمل شهاداتك الجامعية، ولربما الماستر والدكتوراة، و10 سنوات من الخبرة كي تحصل على الراتب الذي يكفي للعيش.

إذًا مصيرك مرتبط بتعليمك الجامعي الذي أرى أنه يحتاج إلى تطوير كبير بالأسلوب وإعطاء المعلومة رغم أني رأيت الكثير من التلاميذ قد سبقوا معلميهم، ولكن في مجتمعاتنا المعرفة والعلم محكمة على المهندسين، والأطباء، والأكاديميين فقط على سبيل المثال.

تنقلت دراستي في ثلاث مراحل مختلفة بدأت المسير بالالتحاق بكلية الصحافة، ولمدة ثلاث سنوات، ورغم أني كنت من طلبتها الأوائل وعندي الشغف الكبير تجاهها ولديَّ من القدرة ما يكفيني ولكن شاءت ظروف الحياة أن تقف مرحلتي عند السنة الأخيرة من الجامعة، وما دخل قلبي اليأس لأعود من جديد ملتحقًا بكلية إدارة الأعمال، ولكن للأسف لم أجد نفسي في دفاتر المحاسبة، ولا في الجدولة والبيانات، وشاءت من ثم الأقدار ثانيةً أن أبدأ بدراسة كلية الهندسة المدنية رغم أني لم أطمح يومًا أن أكون مهندسًا، ولستُ ممن يرغب أن يناديه الناس بالمهندس، أو ما شابه، ولكن ظروف الحياة وعدم الاستقرار المادي والمعيشي والفكري جعلني أتقلب بين هذه الصفوف ولستُ نادمًا على ذلك فكل منها علَّمني وأعطاني من المعلومات ما يكفي.

والنقطة الآن وصلب الموضوع هو أني أدركت وأنا على أبواب التخرج من الجامعة أنني لم أعد بحاجة إلى تعليمي الجامعي، ولو صح قولي لم نعد جميعًا، ربما للنقص الذي يحصل بعد التخرج بعدم امتلاك الخبرة التي تؤهلني لوظيفة مناسبة أو لعدم الاستقرار الذي سيحيط بي للبحث عن عمل لفترة من الزمن ولربما كي أكون دقيقًا أعتقد أن أسلوب وطريقة التعلم الجامعي أصبحت فاشلة، والطالب يدخل إلى الجامعة، ويخرج منها دون أن يتعلمَ شيئًا واحدًا عن الحياة، أو معلومة للتجربة العملية المنتظرة عندما تسأل المحاضر يجيب باختصار غدًا تتعلم في حياتك العملية، وسبب الإجابة هو الافتقاد للممارسة العملية ونحن في حياتنا الجامعية. ففي ألمانيا مثلًا ونقلًا عن أشخاص تواصلت معهم بشأن هذا الموضوع على الذين يدرسون الهندسة مثلًا تدريب عملي في أرض الواقع، وفي مؤسسات هندسية، أو اختصاصية لمدة شهرين كل سنة على الأقل، وهذا يعطي للطالب تحفيزًا أولًا، ويشجعه على الإكمال بشغف، وليست الحاجة إلى التعليم لدينا اليوم، وفي غالبية الدول، لم يعد لهدف التعلَّم، إنما صار حاجة لتوفير المال، ولإيجاد فرصة عمل أنسب من أخرى، أو كي نعمل براحة وليس بتعب وهذا صعب.

وهنا أنا لا أنكر أهمية العلم، أو التعليم، وإنما المزعج في الأمرِ الطريقة والأسلوب التي تأخر وفيها مضيعة للوقت ما عدا المضايقات التي تتعرض لها من قبل زملاء أو مدرسين إذا أخطأت بالإجابة مثلًا.

العلمُ نور وكذلك يرفع بيوتًا لا عماد لها، ولكن ليس هذا العلم الذي نتلقاه لفترة وجيزة أو لدقائق معدودة، أو كي نجتاز الامتحان، وأتخرج، ومن ثم النسيان، فالمعلومة التي لا ترتبط بتجربة عملية فورية سوف تنساها بشكلٍ سريع وتخفتي من دماغك والعكس صحيح.

بالإضافة لما سبق الكثير منا يدرس تخصص لا يرغب به أو الخيارات أمامنا تكون ضئيلة وليس فيها ما نريد وفي ظل الثورة التكنولوجية والتطور الذي يطرأ على العالم والاكتشافات التي تحصل يوميًا جعلت من تخصصاتنا الجامعية فقيرة فلم نعد بحاجة فقط للمهندسين المدنيين، والمحامين، والقضاة، وإنما نحتاج أيضًا لمهندسي طائرات وصناعات عسكرية ودفاعية، بحاجة إلى مهن العصر كالتسويق الإبداعي والتصميم الفني كتعلم الفيديو وغيره الكثير كي نطور من أنفسنا أولًا، ومن دولنا ثانيًا، ونحيط بكل المعارف والعلوم كي لا نحتاج إلى الدول الغربية المتحكمة. وفي العالم العربي وكثير من الدول ينقصنا الكثير من الأفرع؛ مما يؤدي إلى زيادة الرغبة عند الشباب بالخروج والسفر للدراسة وعدم العودة إلى الدول الأم وذلك لعدم توفر الشاغر أو لأن الراتب الذي سيحصل عليه أقل من الدول الأخرى.

بالأمس صادفني شاب كان يعيش في أمريكا وصل حديثًا إلى تركيا وعندما سرنا في الحديث ووصلنا لمحطات العلم، سألته عن دراسته فيجيب مبتسمًا «تصميم أغلفة كُتب» فقط لا غير، وهنا أصابتني الدهشة والرغبة في آن واحد مع العلم أن الشاب تخرج من معهد في إحدى الجامعات الأمريكية وحدثني عن سهولة إيجاد عمل في مطبعة، أو مكتبة، أو التعاقد مع كُتاب ومصممين، فأيقنت حينها أننا بحاحة إلى الدقة في التخصصِ والاختيار الصائب، وإلى الأهمية في بناء الأجيال على معارف وعلوم أخرى لا تقل أهمية عن الطب، بل تفتح الآفاق أيضًا وفيها سعة للإبداع.

وبإضافة بسيطة أرغب بالتنويه إلى أن هناك الكثير من الهوايات أصبحت في حاجة ماسة إلى تعليم، خصوصًا أنها صارت جزءًا من حياتنا، وسهلة ومتاحة الممارسة، كالتصوير الفوتوغرافي على سبيل المثال.

وعلى الصعيد الشخصي إن الجامعات والمدراس وكل مراحل التعليم لا تعلمني كيف أكون إنسانًا، ولا تعلمني الأخلاق، ولا تعلمني الحب، والمعاني المهمة، وبعض المواقف التي تصادفنا بالحياة، ولم أتلق يومًا شيئًا واحدًا عن روح الإنسان، إنما أتعلم في كل مرحلة كم هي مجموع زوايا المثلث مثلًا.

فالعلم ليس شهادات فقط، بل يجب أن أتعلم حقوقي، وواجباتي الحقيقية، أتعلم من أين وكيف أحصل على حريتي وحقي، وأن أعرف أساليب الحياة؛ كي أتمكن من العيش.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد