وأنت على مقعدك الوثير يأتيك ذاك الشريط الأحمر العاجل بإعلان الهجوم من تحالف مفاجئ على طرف حظي بدعم أطراف من ذات التحالف، يرتسم الاستغراب على ملامحك، تحاول فهم الخبر، تتابع المحللين أو أشباههم على مواقع التواصل الاجتماعي، يأخذك التيه بين الآراء وتكتشف أثواب جديدة لأشخاص كنت تتوهم معرفتهم من قبل، يظهر أمامك comic يسخر من انقلاب هنا أو تنظيم هناك وتُقطع أفكارك الجادة بـ screenshot لمغردة لا تفرق بين وزير الدفاع ورأس حربة الملاعب، تميل برأسك للوراء مبتسما وتضغط أوتلمس زر الاعجاب ثم تنصرف ليومك.

في ذات اللحظة التي لمس إصبعك فيها شاشتك كانت هناك ضغطة أخرى تمحق كل شيء .. كل شيء.

وفي حين انصرفت أنت ليومك، كانت هناك أم أتاها خبر موت ولدها الذي بقي لها من كل حطام الدنيا، ورجل كان يمشي مشغولا بقوت أولاده فاخترقت رأسه شظية أراحته من التفكير، وفتاة تخفي أحلامها بين كتاب احتضنته عائدة من مدرستها لا تدري أن أشلاءها ستتناثر على مفرق الطريق القريب من منزلها.

هي الحرب التي تُدك فيها الجبال فيرجع الصدى في أسماع الأطفال طوال الليل، هي أزمة أسعار الخبز والماء، هي فقر المستلزمات الطبية عن جموع النازفين، هي سرادقات العزاء التي لا تُغلق، هي أنّات اليتامى لآخر العمر، هي ارتجاج مأرب، تدمير موانئ عدن، تعز الخضراء تتحول للبني والأصفر ولربما الأسود، تهالك شموخ صنعاء .. صنعاء التي تخبرك شرفاتها عن أصل عروبتك، صنعاء التي إن دخلت “باب اليمن” فيها تشعر وكأنك دخلت التاريخ من أجمل أبوابه، تأتيك رائحة اصفرار الورق القديم، يتحول لون المكان لذاك اللون الذي تعرفه في الصور الأثرية، تسرح في تجاعيد نصف وجه الرجال وتأسى على النصف الآخر المملوء بالقات.
تحزن.. فيسألوك: أأنت مع إيران؟ وتنهال عليك قائمة جرائم إيران في المنطقة وانتشار التشيع في بلاد السُنة، ويزيدوك من الشعر بيتًا بأسماء “ماركات” شيعية في بلدك تبتاع منها دون أن تدري.

عن أي شيعة وأي سنة نتحدث، هل بقي لنا شيء منهما؟

نحن لاشيء يا عزيزي، “هم” لا يعرفون سوى النفط والممرات البحرية ومن قبلهما محو كل ما هو أصل للإسلام والعروبة، فليأخذنا البحر أو تبتلعنا الوديان، لا يهم، سنصبح يوما نفطا هذه هي فائدتنا في الكون.

نحن دخلنا في مجال مغناطيسي هائل، انقلاب يدعم شرعية بلد أخرى، ودولة كبرى تغدق بالمليارات على الانقلاب آنف الذكر وتغدق على انقلاب جيرانها بالقذائف، شيعة يقفون وراء فتيل كل مصيبة بأسماء مستعارة كالمقاومة والممانعة وحفظ حقوق الأقليات، سُنة لا يعرفون شيئا عنها ويتعبدون حول البيت الأبيض وبيوت أخرى وإن لم تكن بيضاء.

نقف – أو نجلس- أمام ذلك كله، تأكل عيوننا الشاشات وتحرق بصماتنا الأزرار ودمع عاجز يتحجر في مآقينا ننتظر دورنا في طابور الهلاك الآتي، فقط نتشاغل عنه بالتحليل والتفسير، ونسلي عقولنا بالتوقع والرجوع للتاريخ القريب ونظن أننا نحيا في حين أن أقدامنا لا تغادر مكانها وإن انتقلت خطوة للأمام فلا تترك أي أثر!

هنيئا لكِ رحيلك يا بلقيس كي لا تشهدي دولتك تتهاوى على يد أشقائها، وليكن الله معنا في انتظارنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, ثورة, حرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد