تتزايد الضغوط الخارجية على حكومة السودان الانتقالية هذه الأيام، إذ تشعبت الأمور كثيرًا، على خلفية تفجر قضية «البشير والمحكمة الجنائية الدولية» من جديد، وظهورها على السطح، إذ وضعت العاصمة الأمريكية كل وعودها للسودان الثورة بكف، وتسليم البشير بكف أخرى. على الرغم من الانفراج الوشيك، الذي طرأ في علاقة البلدين خلال الشهور القليلة الماضية، والتقارب الكبير الذي حدث لأول مرة بينهما، فأمريكا أكدت من قبل للسودان أيام الثورة في أبريل الماضي، أن رفع اسمه من العقوبات الأمريكية، مرهون بتسليم السلطة إلى مدنيين، وبالفعل هذا ما حدث، وصعد المدنيون إلى سدنة الحكم؛ بعد شد وجذب. إلا أنها عادت من جديد واشترط؛ لكن هذه المرة تسليم البشير، إيفاءً بذاك الوعد القديم.

ويبدو أن زيارة وفد الاتحاد الأوروبي قبل أيام قلائل للخرطوم، ولقاءه النائب العام السوداني، قد ألقى حجرًا في هذه البركة. الوفد كان يبحث عن إجابات لموقف الحكومة من تسليم البشير إلى الجنائية، ومستفسرًا عن الأحداث والقضايا الإنسانية التي حدثت طوال حقبة الإنقاذ، ولم يتأخر رد حكومة حمدوك كثيرًا، إذ أكدت موافقتها التامة على تسليم البشير حال تبرئته من المحكمة الجارية الآن التي يخضع لها بتهمتي «الثراء الحرام والتعامل غير المشروع مع النقد الأجنبي»، لكن هذه الموافقة خلقت جدلًا كبيرًا بين مكونات المجلس السيادي، بشقيه المدني والعسكري، فالمدنيون قد أبدوا موافقتهم التامة، وهو ما لم يرتضه العسكر.

الشاهد والمتأمل لتاريخ المحكمة الجنائية، يجده لا يحفل بالكثير من مثل هكذا قضايا، رغم مرور فترة قصيرة على إنشائها، فالجنائية ما تزال حتى الآن تبحث عن إثبات قدرتها على الإيفاء بميثاق روما 1996م؛ فقد أخفقت في تقديم الرئيس الكيني أوهورو كينياتا المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية 2007م، والبشير بعدما أصدرت ضده مذكرة إعتقال بتهم تشمل جرائم الإبادة الجماعية في دارفور 2009، رغم أنها ناشدت مجلس الأمن خلال تلك الفترة، لحث الدول لمساعدتها، والوفاء لميثاق روما، وتسليمه للجنائية، فكتب بنفسها فشلها الذريع، والذي ما تزال تسعى بكل ما أوتيت من قوة لتدراكه، ووقتها لم تلق مذكرة التوقيف ضد البشير، بل حفظت القضية، وتركته حرًّا إلى حين إشعار آخر، بينما ما يزال أمر اعتقاله ساريًا.

وتحتفظ المحكمة الجنائية بسمعة سيئة في القارة الأفريقية، إذ لم تقدم حتى المحكمة أي قضايا لمتهمين بقارات أخرى سوى القارة الأفريقية، وبلغت عدد القضايا والأحكام الصادرة حوالي ست وثلاثين تهمةً، الأمر الذي جعل الاتحاد الأفريقي يؤكد في عدد من قممه السابقة، بأنها مجرد أداة للاستعمار الجديد، متعبرًا أن كل أحكامها مسيسة، موجهة للقارة السمراء.

قرار حكومة حمدوك بتسليم البشير حال تبرئته من المحكمة التي يخضع لها حاليًا، والذي سبقها تأكيد السودان بمحاكمته داخليًّا، لم يكن عبثًا، بل يسنده نظام المحكمة الأساسي، والذي ينص على أن تتحمل الدول المسؤولية الرئيسية في مقاضاة الجرائم الدولية كحقوق الإنسان وغيرها، بموجب اتفاقيات جنيف، ومقاضاة الأشخاص المتهمين بجرائم الحرب أمام محاكمها الوطنية، أو تسليمهم لكي يحاكموا في مكان آخر، والسودان لم يكن موقِّعًا على ميثاق روما، وبالتالي لايخضع لاختصاصات المحكمة الجنائية الدولية، لكنه ملزم بقرار مجلس الأمن رقم 1593، الذي أصدره في الحادي والثلاثين من شهر مارس (آذار) 2005م، بموجب القانون الدولي الذي أحال به البشير إلى الجنائية.

وأول ردة فعل لقرار تسليم البشير، جاء من قبل قوات الدفاع الشعبي، وهي قوة شبه عسكرية أنشأها نظام البشير، خلال بيان أصدرته هددت فيه، بحريق شامل في البلاد، لن يسلم منه أحد حال تسليمه للمحكمة الجنائية بلاهاي، ووجه البيان رسالة لما أسماهم بشرفاء القوات المسلحة، بأن التاريخ سيكتب أنهم تخاذلوا في حماية قائدهم البشير، إذا ما جرى تسليمه للاهاي.

وحاول البيان استثارة عواطف المواطنين وعامة الشعب، واصفًا قيادات الحكومة المدنية بعملاء المنظمات الصهونية، وقد قدموا ملفات كاذبة وشهادة زور لها، كما حاول إقحام معادلة «هذا إسلامي وهذا علماني»، هي معادلة مدمرة جدًّا. فتاريخ السودان القريب والبعيد يحفل بنتائج هذه الموازنة، والتي ساقت البلاد إلى حلقات ضيقة، بمحاولة كل فكرة تحقيق الغلبة على الأخرى، فأضحت مقياسًا رئيسيًّا لكل شيء، فأورثت البلاد الكثير من الفشل الذريع في كافة المناحي، بعد نيلها جل اهتمامهم، بدلًا عن الاهتمام ببناء الدولة والمجتمع، فابتلعت الصحراء كل الأراضي الزراعية الصالحة، وهاجرت ملايين العقول الذكية المبدعة والملهمة، وتفكك المجتمع وصنف على هذا الأساس، وغيره من المآلات والمآسي التي وصلت إليها البلاد إلى يومنا هذا.

لذا وجد البيان رفضًا كبيرًا وقاطعًا من قبل مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي، ومعتبرين أن البيان لا يعبر سوى عن فئة ما تزال تعيش على أنغام الماضي، غير آبهة لمستجدات الأمور، وما هو إلا «الإفرفرة مزبوح».

الشعب السوداني أضحى أكثر وعيًا، وبات يعرف جيدًا الآن، من دون أي وقت مضى، أن البشير يجب أن يأخذ جزاءه، شاءت مثل هذه الفئات أم أبت، ومن على شاكلتها من الجهات والمؤسسات والمنظمات والأفراد وكل واجهات النظام البائد، فالقتل مدان قانونيًّا ودستوريًّا وإنسانيًّا، والقانون والقضاء لهما كل الحق بأي جريمة منظورة أمامهما، وليس من حق أحد أن يتدخل في سير عمل القضاء، وإن كان من بين أعضاء الحكومة الانتقالية أو سواهم، وإلا سيكون بحاجة لسنوات كثر، إن لم تكن شمسية حتى يؤمن إيمانًا حقيقيًّا بمفهوم المدنية ودولتها المنشودة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد