تشغل عقلي مؤخرًا أسئلة كثيرة: ما الذي يجعل من فِعل ما، أي فِعل، قانونًا اجتماعيًّا مُلزِمًا؟ في الفترة السابقة مرضت ولازمت الفراش مدة طويلة، ولم يُتح شيء لتسليتي سوى مشاهدة الأفلام والمسلسلات. أعدت الفُرجة على مسلسل «كرانفورد Cranford» إنتاج بي بي سي عام 2007، ويحكي عن الحياة في إنجلترا في منتصف القرن التاسع عشر. كان في المسلسل نحو تسع نساء يشكلّن صفوة المجتمع، لا يحدث شيء إلا بأمرهن، ولا يمكن الخروج عما يرينه صائبًا. تساءلت: ماذا لو غاب كلهن عن المشهد، ما الذي سيحدث؟

احتوى المسلسل على شخصيات نسائية أخرى، لو أرادت إحداهن مثلًا أن تشتري قماشًا جديدًا لتصنع منه فستانًا، عليها أن تختار من ضمن أنواع معيّنة من اختيارهن، وألوان مقيّدة بهن، غالبًا ما كانت قاتمة. كان القرمزي ممنوعًا بأمر الآنسة «ديبورا جينكينز»: بنظرة واحدة منها تراجع كل مَن في المحل عن شرائه. كان التهام البرتقال أيضًا ممنوعًا بأمرها، ومحادثة جيران معينين، حتى إن كارثة إنسانية معيّنة كادت تحدث بسبب الخوف من القيل والقال، لولا أنها تدخلت في الوقت المناسب. كانت مخيفة، ونظراتها أوامر.

ماذا لو لم تكن الآنسة ديبورا موجودة؟ هل كان القرمزي ليصبح لون الموضة ذلك العام؟ هل كان البرتقال ليتوافر على كل مائدة، كتحلية ما بعد العشاء؟ وماذا عن الآلاف من الآنسة ديبورا الموجودين في حياتنا؟

منذ مطلع رمضان الحالي وأنا متجنّبة وسائل التواصل الاجتماعي، وتحديدًا فيسبوك. قاطعته ولم أرد أن ألقي عليه ولو نظرة عابرة. من تجربتي في رمضانات السابقة، تتحوّل تلك المنصة ذات الطبيعة السريعة والأخبار المفرقعة مثل حبّات الفيشار، والضغط الاجتماعي الهائل، إلى هيستيريا من نوع شديد العُصابية، في رمضان تحديدًا. فما بين هوس الحديث عن المسلسلات الجديدة، وتحليل الإعلانات، والإعجاب بالممثلين الوسيمين، وملابس الممثلات، وممارسة الكثير جدًا من التنمّر على وجوه الممثلات وأجسامهن وشعورهن – مهارتهم جميعًا في التمثيل؟ يا راجل، كبّر مخّك!- والحديث المُعاد عن إعلانات التبّرع، وهل وجوه صرف الزكاة مع تلك المؤسسات حلال أم لا، ثم لا بدّ من أطنان من الصور والكلام والتعليقات عن الطعام، وآخر صيحة في عالم الكنافة أو الحلويات، هناك قسم ثابت أصيل لا يتزحزح، كأنه محشور بدبوس في حلق فيسبوك نفسه، عن «حق المجاهرة بالإفطار في رمضان».

منذ عدة سنوات، أصبت بمرض معيّن، علاجه معقّد جدًّا، وازداد الأمر سوءًا مع تداخل تعقيدات طبية كثيرة. تسوء حالتي مع التغيرات الجويّة، والاحتباس الحراري لا يجعل الأمور ألطف. حاولنا الخلاص منه في البداية، لكن شراسته كادت تقضي على حياتي أنا، فاقتنع الأطباء بنوع من العلاج التحفظّي. مع هذا العلاج الطويل والمؤلم والممل، وتبعاته، يصبح الصيام مستحيلًا.

حياتي ليست نزهة كما ترى، وفتراتي السيئة أكثر من أيامي الجيّدة، ومع هذا مضطرة لو خرجت في نهار رمضان أن أخفي زجاجة الماء، وأتجاوز جوعي الذي يتوّحش أحيانًا بسبب الدواء، كيلا «أجرح مشاعر الصائمين». عزيزي الصائم: وماذا عن مشاعري أنا؟ أنا أحمل على ظهري حقيبة عملاقة بها آلام وإحباطات وأحلام مؤجلة، ومحاولات مخفَقة، وآلام طويلة وعميقة، وكيس قماشي صغير مليء بالأدوية، لم أر أحدًا يحمل مثله في كل مكان إلا جدتي – رحمها الله- وبعدما تجاوزت السبعين. لماذا أضطر أن أراعي مشاعرك وأدوس أنا على مشاعري؟ لو أنك لا تقدر على الصيام، لا تصم، هكذا ببساطة، لكن لا تُلقِ بأذاك على الآخرين.

كلما رفعت زجاجة الماء لأشرب في الشارع، رأيت نظرات مستنكرة تتجه نحوي كأنني بدأت في خلع ملابسي أمام حشد من المتصوّفة الورعين العُبَّاد الزُهَّاد. أرى فيهم مئات من الآنسة ديبورا، بوجهها الرمادي وشفتيها المزمومتين بشدة، وأنفها المتقلص، كأنما تشم رائحة نتنة، وبالقبعة ذات الريشة دلالة على علوّ المكانة. أراهم كلهم نسخًا مكررة متطابقة منها، وأتذكر فيلم «التوازن Equilibrium» إنتاج 2002، المأخوذ عن رواية 1984 لجورج أورويل، وبطولة كريستيان بيل بوجهه الجامد القاسي.

في الفيلم، يتناول الناس حُقنًا في أعناقهم تحتوي على مادة تمنعهم من الإحساس. في ذلك العالم المستقبلي يعدّ الإحساس خطرًا داهمًا؛ لأنه يدفع بالمرء للغضب والكراهية، فتنتج عنهما الحروب والدمار الذي كاد يقضي على الكوكب عدة مرات من قبل، لذلك قرر المجلس/ سادة الكوكب منع الأمر من جذوره والقضاء على المشاعر. في تلك المدينة، تتلاشى الألوان لأن البشر لم يعودوا قادرين على رؤيتها، ويحدث الأمر نفسه مع المُدرَكات بالحواس الخمس، مثل الشمّ أو التذوق، ويرتدي كل الناس ملابس رمادية يشبه بعضها بعضًا. في ذلك العالم، لا يعود هناك أي وجود للموسيقى، أو الكتب، أو اللوحات، أو الدين، أو الإيمان بوجود إله، لا مكان للفن، أو الرحمة، أو الحب، أو البهجة، أو الضحك، في ذلك العالم تُقتل الكلاب لأن امتلاك حيوانات أليفة يشجّع على الإحساس، بالتالي هو جريمة، وتُحرق الكتب في محارق جماعية يشهدها الناس كشيء مقدّس؛ لأنهم بذلك ينقذون عالمهم من الحروب المستقبلية. عقوبة أي شخص يجدون لديه تلك الأشياء، ولو ديوان شِعر واحدًا أو زجاجة عطر تالفة، هي الموت حرقًا. في ذلك العالم، يتدرب «الكهنة» على القتل ببراعة وبشاعة، للقضاء على كل المجرمين الذين تسوّل لهم أنفسهم أن يتوقفوا عن تناول الحُقن المضادة للمشاعر. يصبح القتل لديهم ضروريًّا لحماية الكوكب من الدمار، لحماية التوازن.

عندما شاهدت الفيلم لأول مرة عقب تخرُّجي في الجامعة مباشرة، انقبض قلبي بشدة، وشعرت بأن مستقبلًا بالغ القتامة ينتظرنا جميعًا لو لم نتحرّك لفعل شيء. اتصلت بصديقتي المقرّبة لأشكو لها بصوت متهدّج «كيف يمكن للإنسان أن يفعل هذا بالآخرين؟» كنت صغيرة ومتحمسة، والقلب غض ورحب ويتسع للكثير من الأحلام. عندما أعدت مشاهدة الفيلم في مطلع العام الحالي، بعدما تجاوزت الثلاثين، رددت في سرّي ما قاله آندي ميلر في كتابه «سنة القراءة الخطرة»:

«وبترك هذه الرحلة ورائي، وجدت أنه من الصعب جدًّا قراءة (البيان الشيوعي) في سن السابعة والثلاثين، ولو قرأته في السابعة عشرة من عمري لكان ذلك أسهل بكثير، ليس بسبب صعوبة فلسفة الكتاب، ولكن لأنه كان معبرًا عن الحياة في تلك الفترة. النظرة الكئيبة للعالم التي يقدمها الكتاب، ربما بدت رومانسية بالنسبة لي آنذاك، أما الآن فبدت وكأنها الحياة ذاتها التي أعيشها». *آندي ميلر، سنة القراءة الخطرة

الأسبوع الماضي كنت سأقابل أحد أصدقائي، الذي اعتذر عن المقابلة لإصابته بوعكة صحية. في اليوم التالي تسللت إلى فيسبوك خفية فوجدت له منشورًا يتساءل فيه عن السبب الذي يدعو «المسلمين الغيورين على دينهم» كما يقول، لمنع «مريض من شرب الماء في نهار رمضان». هذا الصديق العزيز، هو الآخر، صاحب مرض مزمن وشرب الماء طوال اليوم في غاية الأهمية بالنسبة له، وإلا كلّفه الأمر حياته. أحيانًا أتساءل عن شكل الحياة في بلاد ليست حارّة، ولا تسبب ظروفها أمراضًا مزمنة، ولا يتحكّم أناسها في حياة بعضهم بهذا الشكل.

كان يتساءل بجدية ويريد إجابة، وقد تكرّم الغيورون من كل مكان بتحقيق طلبه. فما بين «وكيف نعرف أن مَن أمامنا ويشرب مريض حقًا؟ أو مفطر بعذر؟» و«هل كل الأمراض تلزم الإفطار؟» مرورًا بـ«الإفطار في نهار رمضان محرّم شرعًا» و«يجب أن يخجل المرء» -كأن من يشرب أمام الصائمين الطاهرين يتحرّش بسيدة، نسيت، هذه جريمة لا تستدعي التدخل- انتهاءً بـ«لو سمحنا بالمجاهرة بالإفطار لكل الناس، سنجد فيما بعد مَن يشرب السجائر أمامنا في نهار رمضان! وهذه قلة أدب». الآنسة ديبورا، التي تحرّم البرتقال، تضرب من جديد.

على موقع كورا Quora.com للأسئلة، وجدت سؤالًا نصّه: «هل هناك مسلمون لا يصومون رمضان؟» ومن بين الإجابات التقليدية، هناك ردّ من «زاكاري ماثيسون» الأمريكي والذي تطوّع في قوات حفظ السلام من قبل. قال إنه قضى عامًا في مالي بغرب أفريقيا، وهو بلد ذو أغلبية مسلمة. وجاء رمضان في القرية التي كان بها، وكل قاطنيها مسلمون، فتوقع أن يصوم الجميع ما دام يراهم يذهبون إلى المسجد معًا ويتعبّدون كثيرًا، لكنه فوجئ أن عددًا كبيرًا من الشباب الأصحَّاء لم يفعل.

يقول إن رمضان ذلك العام جاء في موسم الزراعة، وفي مجتمع يعتمد على الزراعة اعتمادًا شبه تام، لو كنت شابًا صحيح الجسد فلا يوجد أمامك خيار سوى أن تعمل في الحقول. هذه مسألة لا نقاش فيها. وهناك الحرث والزرع والتسميد يجري بأدوات شديدة البدائية صنعوها بأنفسهم، ولا يملكون جرّارات ولا حتى حيوانات تنوب عنهم قليلًا في العمل الشاق. جاء رمضان ذلك العام، كعادته مؤخرًا، والجو شديد الحرارة، ونزل كل الرجال حتى المسنّين للعمل في الحقول. كانت النساء تحمل إليهم وجبات منتصف النهار، وهي عبارة عن أرز مسلوق ومليء بالبهارات، كي يمدّهم بما يحتاجونه من طاقة لإكمال العمل إلى آخر اليوم.

يقول زاكاري إنه تعجّب مما يحدث، لكنّه عندما سأل قالوا له إن زراعة الحقول في هذه الحرارة الجهنمية بلا طعام أو ماء مستحيل. لو لم يزرعوا الأرض لما توافر الطعام بقية العام، ولجاع أطفالهم. معادلة بسيطة جدًّا: لا أريد لأبنائي أن يجوعوا، لذلك لن يمكنني الصيام هذه السنة.

هذا عالم خارج حساباتنا، هذه قصص لا تصلنا على الصفحة الرئيسية لفيسبوك؛ لأنها ليست «حرّاقة»، ولا تثير الضحك وليس بها «قفشات أفلام»، ورغم أنها تحمل من الطيبة أطنانًا، وتشير لمأساة إنسانية من البؤس وضيق الحال، وتحدث في بلد إسلامي جار لنا، فإنها بخوارزميات ذلك الموقع منشور «ميّت» لا يريد له أن يأخذ حيّزًا على الصفحة، فيخفيه. هذه قصص ليس بها «هل أمشي في الشارع حاملًا ورقة أثبت بها أنني مريض ولذلك لي الحق في الإفطار؟» ولا عصبية الجدال حول هل للحامل والمرضع حق الإفطار أساسًا أم لا. هذا عالم مختلف، أبجدياته بسيطة تتعلق بالحاجات الأساسية للشخص وعائلته، ولمن هم تحت رعايته. هؤلاء لا يملكون فيسبوك ناطقًا بالمصرية من الأصل، ولو امتلكوا واحدًا لهالتهم كمية العنصرية والتعالي الموجودين عليه، خاصة في رمضان.

يقول د. چيفري لانج، أستاذ الرياضيات الأمريكي المتحوّل للإسلام، في كتابه «حتى الملائكة تسأل»:

«دعنا نعود ثانية إلى أسماء الله الحسنى، ونتذكر هذه المرة نقاشنا عما يتطلبه الإسلام من الإنسان. في أثناء قراءة القرآن، يُذكرنا دائمًا بالسمات والصفات التي يجب أن ننميها في أنفسنا. لن يمر وقت طويل قبل أن تبدو لنا نقاط لقاء كثيرة بين هذه الصفات مع الإنسان الذي يحاول إرضاء نزعة التسامي فيه؛ لأن جميع الفضائل تقريبًا، التي يجب أن ننميها في أنفسنا يوجد أصلها وكمالها في صفات الله. مثلًا، يجب أن ننمي في أنفسنا فضيلة الإحسان، والرأفة، والسخاء، والاعتدال، والرحمة، والولاء، والتسامح، والكرم، واللطف، والعطاء، والسماحة، والكرامة، والعدل، والشفقة، وحب الآخرين، والمسالمة، وحماية الضعيف، والصدق، والمعرفة، والحكمة، والتي تبرز جميعها من صفات الله وكماله. وهكذا، بتنمية هذه الصفات في أنفسنا، نحن في الحقيقة نقترب من الله. ومن ثم، كلما تزايدت هذه الصفات فينا، ازداد قربنا من الله ومعرفتنا له. وحيث إن المخلوقات البشرية تستطيع التخلّق بهذه الفضائل وممارستها، بمستويات أعلى من بقية المخلوقات، أصبحت لديهم القدرة على التواصل مع الله بأسلوب ودود متفرِّد».

ولهذا، ولمّا كان رمضان شهر تدارس القرآن والتخلّق بأخلاقه، أدعو المسلمين للتمسّك ببعض صفات الرحمة، وغضّ البصر عمّن يشرب أو يأكل في نهار رمضان، فربما كان مريضًا أو صاحب عذر لا يعرفه سوى الله. وما دام الله – من رحمته بنا- هو وحده مَن سيحاسبنا في النهاية، إذن فلينظر كلٌّ منّا في صحيفته ليملأها كيفما يشاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد