في البداية كنت أتحاشى الكلام عن هذا الموضوع، لا لشيء، وإنما لأنه كسابقيه من السيناريهات المفبركة لتضلل الرأي العام عن النهب والمعانات الحقيقية للشعب.

بعد مرور أكثر من سنة على حراك الريف بدأت الأوضاع تستقر، لكن تأججت الأوضاع مؤخرًا بعد الحكم على ناصر الزفزافي، وكثرت الانتقدات للحكم، لكن المشكلة ليست تكمن في هذه الانتقادات، بل طريقة الانتقادات التي هي مبنية على اللاشيء؛ مما يدل على أن أغلبية الناس ليسوا مدركين للقانون عمومًا، وللنصوص القانونية التي تم اعتمادها تجاه المتهم، فحسب التهم الموجهة للزفزافي حسب القانون الجنائي: اقتحام حرمة المسجد بنية وقصد إفساد العبادة والتحريض على الكرهية والعنصرية والعنف والعصيان ضد الدولة والوطن، والتخابر مع أعداء الوطن ضد مصالح البلاد والعباد، خلق الفتنة والبلبلة، ونعت النظام بالاستعمار لأقاليمه، والعبث بمقدسات البلاد، وتسفيه جهود الدولة من خلال رفع شعارات كلها تخلق التفرقة والتشتيت بين أمة واحدة، والتشكيك في أصولها وأعراقها، ونعت نصفها بالدخيل والمستعمر. هذه التهم يواجه صاحبها عقوبة الحبس حسب القانون الجنائي المغربي تترواح ما بين 20 سنة إلى الإعدام، فأقل تقدير هو 20 سنة، وهذا إذا ثم تخفيف الحكم.

فنظرًا للتهم والنصوص القانونية فإن القانون لم يظلم الزفزافي، لكن إذا كان الزفزافي مظلومًا؟ فمن الذي ظلمه؟ هل هو من ظلم نفسه؟ أم الدولة هي التي ظلمته؟

إذا كانت الدولة هي التي ظلمته فكيف ذلك، نحن نعلم بأن المؤسسة القضائية مستقلة عن الدولة، يعني إذا نظرنا من هذه الزاوية سنرى بأن الدولة أيضًا لم تظلمه!

لكن إذا نظرنا من زاوية أخرى سندرك بأنها هي التي ظلمته، ولكن لم تظلمه بطريقة مباشرة، لكنها جعلته هو من يظلم نفسه كيف ذلك، أولًا يجب علينا أن نعرف أن الزفزافي مرحلة كباقي المراحل التي ساهمت في بناء المغرب الحديث، سواء مراحل التصفيات الجسدية في سنوات الرصاص ،أو الاعتقالات السياسية منها، أو الدينية، لكن لن يتمكن أحد منا أن يدرك حقيقة مرحلة الزفزافي إذا لم يكتشف خبايا المراحل السابقة.

كانت البداية بسياسة تعميم الأمية التي تم اتخادها بعد أحداث 23 مارس (آذار) 1965، حينما كشفت الدولة خطورة تلك الأحداث، خصوصًا أنها كانت من جيل ممدرس متعلم منقب، فأدركت أن المدارس تنشئ جيلًا سيكون عائقًا أمام تحركات الدولة، فكان على الملك الراحل الحسن الثاني حينها أن يخوض المنافسة الشرسة، فكان عليه أن يجعل من هذا التعليم منشئ أجيال تقرأ وتكتب، لكن لا تفقه ما تكتب وتقرأ!

فكان على الدولة أن تدمر مؤسستان لهما أهمية في تكوين الناشئة:

الأولى: الأم فكان على الدولة أن تجعل الأم تفكر في أشياء تافهة؛ مثل الأكل والملابس، ولقد تم تلقين هاته الأفكار عبر البرامج والمسلسلات؛ مما يجعل هاته الأم تنشئ هي بدورها جيلًا همه أيضا الأكل والملابس وليس له دراية بالثقافة ولا بالقراءة.

الثانية: المدرسة، فكان على الدولة أن تجعلها مكانًا لتجميد العقول، وليس العكس، لكنها لم تفعل ذلك بنفسها، بل كلفت هاته المهمة إلى الأستاذ الذي جعلته يلهث وراء السلم؛ مما أضحى وجود المدرس ليس التعليم، بل إنشاء جيل لا يفقه شيئًا؛ مما أنشأ هذه الكائنة الغريبة التي لا تمت إلى الإنسان بصلة، التي لا تفرق فيها بين المذكر منها والمؤنث.

والناظر إلى الطريقة التي تمت محاربة التدين بها في المغرب سيدرك ذلك؛ فالمغرب لم يحارب الدين بالسلاح أو غير من هاته الوسائل، بل حارب بطريقة جديدة إذا نظرنا إلى المساجد وعمارتها، وكذا مظاهر التدين في صفـوف منظمـة الطلبـة بالجامعـات، واستعـراضـات الحركـة الإسلامية ومسيراتها بهذه المناسبة أو تلك، كل ذلك ونحوه، يجعلنا نعتقد أن اللون المسيطر على الساحة الاجتماعية المغربية هو اللون الإسلامي.

لكن إذا نظرنا إلى المجتمع المغربي البعيد عن هذه المجالات، من خلال نوافذ الإعلام، والثقافة، والسينما، والأغنية المصورة والمسموعة، ومن خلال الشارع، والموضة وكل أشكال التقيين، والعري الفاحش الراكض بحوافره في اتجاه محاصرة كل أشكال التـدين بالبـلاد. حتى أضحى المغرب رائدًا في هذا المجال، ونموذجًا يحتذى به!

لقد جعلت الدولة الزفزافي يظلم نفسه بالطريقة التي تمت مطالبته بحق، لم يطلبه بالوسائل المتاحة، وإذا رأينا طريقة اعتقاله سندرك ذلك، لقد قامت الدولة بتحديد خطبة الجمعة مع علمها السابق أنه سيحتج على ذلك، وبالفعل لم تخطئ؛ مما جعل اعتقاله أمرًا محتومًا.

لكن تبقى مرحلة الزفزافي ورقة رابحة، سواء لأعداء الدولة الذين استخدموا المرحلة في مصالحهم، أو للدولة نفسها التي جعلتها تقدم من خلالها حربًا نفسية على من يفكر في الوقوف ضدها، لكن يبقى الخاسر الأكبر هو المواطن المغربي الذي رسمت له طريقين: الأولى طريق الإبداع والتألق، أو بصيغة أخرى إذا أردت أن تكون ناجحًا، فيجب عليك أن تقتدي بالممثلين والمغنيين الذين يتم تتويجهم بالألقاب والأوسمة.

أما الطريق الثانية: فهي اتباع طريق ما نحا إليه الزفزافي، لكن يجب عليه أن تعرف بأنه سينتهي بك المطاف خلف القضبان.
لكن تبقى مرحلة الزفزافي كسابقتها، ستنسيها أحداث أخرى كما فعلت هي، وسواء كان خروج الزفزافي بعفو ملكي أو غيره، فسينقلب كأسلافه، لقد كانوا أشد عداءً منه للمغرب، لكن بعد خروجهم أصبحوا من بين أجندة الخفاء التي تضلل الرأي العام، وتستغبى الشعب: أبو حفص، أبو النعيم، النيني، وآخرهم بعشرين الذي هو في إطار التكوين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد