وضع زواج إيزابيلا الأولى ملكة قشتالة وفرناندو الثاني ملك أراغون 1469 النواة الأولى لمملكة إسبانيا الموحدة. وقد عمل الزوجان بدأب شديد لتحويل هذه المملكة إلى إمبراطورية إمبريالية عظمى فى أسرع وقت ممكن. ولتحقيق ذلك سارا فى خطين متوازيين ومتفاعلين. الأول: ذبح ما تبقى من الأندلس والتمدد فيها بعد القضاء على حضارتها الإسلامية وطرد أهلها، والثاني: نهب وإبادة البلدان التي تم الوصول إليها في نصف الكرة الغربى والتي كانت مجهولة بالنسبة لهما وتحويلها إلى مستعمرات. وكان الزوجان قد قررا مشاركة البرتغال في استكشاف العالم والتوسع الاستعماري، ولتفادي النزاع بينهما في الأراضي المكتشفة قسمت تلك الأراضي بىنهما بحيث تنتمي الأراضى المتجهة للشرق إلى البرتغال، والمتجهة للغرب إلى إسبانيا وذلك وفقًا لمعاهدة توردسيلاس 1494.

ونظرًا لجهودهما العظيمة من أجل نشر المسيحية وتصديقًا لما سبق فقد منح البابا ألكسندر السادس 1496 الزوجان فرناندو وإيزابيلا لقب الملكين الكاثوليكيين؛ فهما قد تمكنا من إسقاط غرناطة آخر الممالك الإسلامية في الأندلس 1492، وفي نفس العام اتفقا مع البحار الإيطالي كريستوفر كولمبس للإبحار غربًا، والسيطرة على مناطق جديدة في العالم. وقد ذهب كولمبس في رحلته بعد أن وقع مع التاج امتيازات (سانتا في) والتى عين بموجبها حاكمًا على الأراضى التي تم اكتشافها باعتباره نائبًا عن الملك، بالإضافة إلى حصوله على كثير من كنوز وثروات تلك الأراضي. قام كولمبس بأربع رحلات إلى الأراضى الجديدة، وذلك قبل أن ينقلب عليه التاج الإسباني ويحرمه من امتيازاته وألقابه وسلطاته لسوء إدارة المستعمرات واستعمال نهج عنيف في التعامل مع أهلها. وكأنهما كانا أقل منه دموية وتعصبًا!

وكانت جزر البهاماس أول مكان يصل إليه كولمبس، لكنه لم يبن فيها أية مستعمرة، وإنما اتخذ سكانها عبيدًا ونقلهم إلى جزيرة هيسبانيولا (هاييتي والدومينكان) ليؤسس بهم أول مستعمرة أو مستوطنة إسبانية حاول أن ينقل إليها نظم الحياة في قشتالة، تلتها كوبا (كوابانا)، ثم بورتوريكو (بوريكين). وقد استخدم الإسبان فيما بعد هذه المستعمرات كقواعد ينطلقون منها لتوسيع إمبراطوريتهم في الأراضى الجديدة في فترة ما بعد كولمبس. فمنذ 1519 تمكن الإسبان تحت حكم أسرة هايسبورغ من القضاء على إمبراطورية الآزتك (حل مكانها المكسيك) وإمبراطورية الإنكا (حل محلها بيرو) وكان ذلك بمثابة حجر الزاوية في توسيع إمبراطوريتهم البغيضة التي لا تغيب عنها الشمس.

عندما وصل كولمبس ومن معه من جنود ورهبان إلى العالم الجديد كان ينوي الوصول إلى شبه القارة الهندية من ناحية الغرب مستغلًا في ذلك نظرية كروية الأرض، وذلك لأنه كان يريد لأوربا أن تحصل على ما تريد من التوابل الهندية التي يعشقونها دون أن يمروا بطرق التجارة التى يسيطر عليها المسلمون. فإذا ما وصلوا إلى هناك سيطروا على التوابل وعلى البلاد التي تنتجها ونشروا فيها المسيحية وجعلوها مستعمرة من مستعمراتهم، ولكن الرياح أوصلت كولمبس إلى طريق آخر وكنوز آخرى وهنود مختلفين. فأطلق كولمبس على الأراضي التي وصلها الهند الغربية وعلى هنودها اسم الهنود الحمر، أما الكنوز التي وجدوها فكانت لا تقدر بثمن؛ جبال من ذهب وفضة ونحاس تكفي لتمويل كل حملات الكراهية التي ينوونها. وكانت القرارات البابوية هى التى منحت ملوك إسبانيا حق امتلاك الأراضي ما وراء البحار والسيادة عليها. وكان هذا الحق يعنى نهب البلاد وإفناء العباد وكانت القرارات البابوية تقضى بأن يكون التبشير أولًا والاستعمار ثانيًا، أي أن يكون للرهبان الأولوية على العسكر الغزاة، وأن تكون الغنائم للكنيسة كما للدولة.

وتعد شهادة برتولومي دي لاس كازاس، وهو أول راهب إسباني يعين رسميًا في الهند الغربية من أهم وأصدق الشهادات التي وثقت إجرام ووحشية بني جلدته مع السكان الأصليين، وجعلته يتبرأ من أفعالهم الخسيسة تجاه هؤلاء البشر. فقد نقلوا إليهم الأمراض المعدية التي لم يعهدوها فحصدتهم بالملايين وأعملوا فيهم القتل والذبح بوحشية لا يماثلها إلا وحشيتهم مع المسلمين في الأندلس داخل محاكم التفتيش وخارجها والتي كان لاس كازاس شاهدًا عليها أيضًا في قشتالة حيث كان يعيش. فكان أول ما يفعلونه عندما يدخلون قرية أو مدينة هو ارتكاب مجزرة مخيفة بحق أهلها، وبذلك تم إبادة عشرات الملايين من البشر.

يقول لاس كازاس في وصف السكان الأصليين: كانوا أكثر شعوب ذلك الزمان براءة وطيبة، وقد كان هذا مقتلهم. فكلما سمعوا بوصول الإسبان خرجوا إليهم مرحبين يحملون الهدايا. وكان الإسبان دائمًا يأخذونها ويقتلونهم على الفور، أو يدعونهم إلى سفنهم ليبحروا بهم ويبيعوهم عبيدًا.

وكان هذا الأمر يتكرر في معظم القرى والمدن الهندية. ويقول أيضًا: إن هذه الشعوب أسعد أهل الأرض، وإن بلادهم أسلم بلاد الله وأكثرها طمأنينة… إنها شعوب رضية لا تعرف الشر، طيبة بالغة الوفاء، بل إنها أكثر الشعوب تواضعًا وصبرًا ومسالمة وسكينة… إنها لا تعرف الضغينة ولا الصخب ولا العنف والخصام… شعوب تجهل الحقد وسوء الطوية، وتعف عن الثأر والانتقام. شعوب مرهفة ناحلة هزيلة لا تطيق أجسادها الرهق وسرعان ما يهلكها المرض… ولقد غشي الأسبان هذه الخراف الوديعة غشيان الذئاب والنمور والأسود الوحشية التى لم تجد طعامًا أيامًا وأيامًا.

لقد أصبح من المعروف الآن كما أكدت العديد من الدراسات والأبحاث والاكتشافات أن كولمبس لم يكن أول من وصل إلى الأمريكتين؛ فقد سبقه إلى هناك الفايكنج والصينيون والمسلمون. ولكن يبدو أن وصول المسلمين إلى هناك لم يكن في شكل غزوات وفتوحات، وإنما كان في شكل جهود فردية تهدف إلى التعرف على شعوب هذه الأراضي واستطلاع أحوالهم وإقامة علاقات تجارية معهم ودعوتهم للإسلام، حيث استجاب العديد منهم لفطرتهم الطيبة، وذلك وفقًا لما يؤكده العديد من الدارسين.

ويرى بعض الباحثين أن أبا بكر الثاني إمبراطور مالي المسلم هو أول من اكتشف أمريكا في القرن الرابع عشر الميلادي؛ حيث تنازل عن الحكم وذهب لاكتشاف المحيط ونشر الإسلام في البلاد التي يجدها. وأنه ربما يكون قد نجح بالفعل في الوصول إلى العالم الجديد. وعلى أية حال وأيًا كان من وصل إلى هناك، فإنه ذهب وعاد أو بقي وقد ترك البلاد على حالها، وحافظ على أهلها وثرواتها، ولم تعرف هذه الأرض الوحشية والغدر والإبادة الإ بوصول الإسبان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد