بولندا، البلد الذي يقع في أوروبا والذي عانى من سيطرة الإمبراطورية الألمانية على أراضيه قبل الحرب العالمية الأولى، والذي كان أول ضحايا العدوان العسكري النازي ومن ثم السيطرة السوفيتية عليه، بعدها رأينا معاداتها الشديدة للصهيونية العالمية واليهود، ومن ثم نرى أخيرًا علاقتها الوطيدة بالكيان الصهيوني المحتل، فمتى بدأت العلاقات البولندية الإسرائيلية؟ وكيف تحولت العلاقة من مرحلة قطع العلاقات نهائيًا إلى مرحلة الاعتذار والاعتراف بأن بولندا هو الصديق الوفي لإسرائيل؟

سأقسم المقال لعدة مراحل، وسأحاول أن أختصر قدر الإمكان في الأحداث التاريخية لأصل إلى لب الموضوع.

نبدا بأول مرحلة وهي

بولندا قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية

بعد الحرب العالمية الأولى أُعلن عن استقلال بولندا (1918)، بعد أن هُزمت الإمبراطورية الألمانية من قبل قوات التحالف التي ضمت دول أهمها فرنسا، وبريطانيا، والولايات المتحدة الأمريكية، ومن خلال هذه الفترة إلى بداية الحرب العالمية الثانية عانت بولندا العديد من الاضطرابات السياسية، والتي كانت من أهم أسبابها أنها دولة ضمت العديد من الأقليات في حينها. فكانت تضم الأقلية الأوكرانية، والبيلاروسية، والألمانية وأخيرًا اليهودية التي كانت تشكل ما يقارب 10% من سكان بولندا في ذلك الوقت.

بدأت الحرب العالمية الثانية في عام 1939 وهجمت ألمانيا النازية على بولندا وكانت معركة غير متكافئة، حيث استطاع الألمان دخول بولندا ثم تقسيمها بينهم وبين الاتحاد السوفيتي حسب الاتفاق الذي كان بينهم، حيث دخلت القوات السوفيتية الجهة الشرقية من بولندا.

أثرت الحرب بشكل كبير على بولندا حيث تم تدمير جزء كبير من العاصمة وارسو وقتل العديد من البولنديين وكانت غاية هتلر من هذا الهجوم والقتل هو تدمير البولنديين وثقافتهم، حيث آمن أن بولندا تابعة للإمبراطورية الألمانية (التي انتهت بعد الحرب العالمية الأولى)، كما أنه تم قتل العديد من اليهود البولنديين وقدر عددهم بـ (3 ملايين يهودي).

بعد هجوم ألمانيا على الاتحاد السوفيتي، تغير مسار الحرب بشكل كبير حيث تم الاتفاق بين بولندا والاتحاد السوفيتي على بقاء بولندا الشرقية التي دخلتها القوات السوفيتية تحت حكم الأخير، وبالمقابل تحرير العديد من الأسرى البولنديين داخل السجون السوفيتية مما ساعد على تشكيل جيش بولندا الجديد (جيش الوطن)، ولكن الصداقة لم تدم طويلا (لأن ستالين كان يريد أن يسيطر على أوروبا الشرقية طمعًا في نشر الأيديولوجيا الشيوعية) فعندما ثار الجيش الوطني البولندي على الألمان وكان هذا الجيش يأمل بمساعدة ستالين، لكن الأخير لم يساعده وتم قتل العديد من البولنديين خلال هذه المعارك.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية كانت بولندا فقدت حوالي 20% من الأراضي التي كانت لديها قبل الحرب، وبدأ عهد جديد لبولندا الجديدة.

بولندا بعد الحرب العالمية الثانية

حَكم حزب العمال البولندي الموحد بولندا عام 1948 وهو حزب شيوعي أغلب أعضائه تابعون لستالين ويميلون إلى تعزيز الصداقة مع الاتحاد السوفيتي، وأصبح بوليسواف بييروت رئيسًا لبولندا حتى عام 1952 حيث تحولت إلى جمهورية بولندا الشعبية وأصبح بعد رئيسًا للوزراء، حكم بوليسواف بييروت بولندا حكمًا مشابهًا للاتحاد السوفيتي وواجه معارضيه بالقوة والمحاكمات ومن ثم الإعدام، وكان من أبرز المنافسين (فلاديسلاف جومولكا) الذي كان أيضا شيوعيًا إلا أنه كان معارضًا لتدخل ستالين والاتحاد السوفيتي في الشؤون البولندية.

خلال هذه الفترة مرت العلاقات الإسرائيلية – البولندية على عدة مراحل.

خلال بداية فترة الحكومة الشيوعية برئاسة بيروت كان هناك تسامحًا نوعًا ما مع اليهود داخل بولندا وتساهلت مع الهجرات اليهودية إلى دولة «إسرائيل» المزعومة، فخلال فترة 1949-1950 دخل حوالي 30،000 يهودي بولندي أراضي فلسطين المحتلة، حتى إن هذه الحكومة في بداياتها قدمت تساهلات مع اليهود داخل الأراضي البولندية، كما أنها قامت بحمايتهم ضد أي عدوان داخلي من البولنديين أنفسهم، وكان أحد أسباب هذا العدوان ظهور مصطلح الـ Żydokomuna وهو يعني أن دخول الشيوعية إلى بولندا كان بفضل مساعدة اليهود، وإن أغلب الشيوعيين الذين وصلوا الحكومة الجديدة كانوا يهودًا، وهذا المصطلح بالطبع كان مؤيدوه هم المعارضين للشيوعية.

بوليسواف بييروت

في خمسينيات القرن الماضي اعتبر الاتحاد السوفيتي دولة «إسرائيل» من أتباع الحلف الديموقراطي الأمريكي وأنها لم تعد صديقة للاتحاد السوفيتي بعد الآن، بل ظهر مصطلح آخر بين الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية من ضمنهم تشيكوسلوفاكيا وهو معاداة الصهيونية العالمية، والتي كانت تعتبر الصهيونية معاداة للشيوعية وعدوًا للاتحاد السوفيتي وأصدقائه، ومن الأمثلة على ذلك ما كان خلال محاكمة رودولف سلانسكي الذي كان من ضمن حزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي والذي اتهم أنه من مؤيدي جوزيف تيتو ومن مؤيدي الصهيونية العالمية، وكان معه أيضًا من المتهمين 13 عضوًا في الحزب نفسه أغلبهم يهودي الأصل، ومثال آخر وهي قضية «مؤامرة الأطباء» التي اتهمت فيها حكومة ستالين عددًا من الأطباء السوفيت بالتبعية للصهيونية، وبمحاولتهم قتل عدد من القيادات السوفيتية، حتى أعلنت بولندا في عام 1952 أن المبعوث الإسرائيلي في بولندا غير مرغوب فيه، لكنها مع ذلك لم تقطع كامل العلاقات بينها وبين إسرائيل.

بعد وفاة ستالين عام 1953، بدأت الأمور تتغير تدريجيًا في الاتحاد السوفيتي وفي بولندا حيث بدأت محاولة التخلص من بقايا حكم ستالين وتبعاتها، وبعدها بثلاث سنوات توفي بيروت (1965) الأمر الذي أدى إلى رجوع جومولكا من جديد وتسلم زعامة الحزب الموحد ومن بعدها استلام السلطة في بولندا.

فلاديسلاف جومولكا

حصلت العديد من الاضطرابات الداخلية في بولندا، خاصة إنها فترة التخلص من بقايا حكم ستالين ونماذجه، لكن العلاقات الإسرائيلية البولندية لم تتأثر نوعًا ما، ففي بداية ستينيات القرن الماضي تطورت العلاقات جيدًا بينهما، وتطورت العلاقات الدبلوماسية لتصل مرحلة وجود سفارة إسرائيلية في بولندا (1962) كما تطورت التجارة، حيث هدفت بولندا من هذا محاولة التقرب من المعسكر الغربي من جهة إسرائيل التي كانت تهدف أيضًا للتقرب من المعسكر الشرقي وخاصة الاتحاد السوفيتي .

ننتقل الآن لمرحلة جديدة وهي مرحلة ما بعد حرب الـ (67)، حرب الستة أيام أو النكسة.

بولندا بعد حرب 1967

مع بقاء الحساسية تجاه الصهيونية في بولندا إلا أن العلاقات كانت جيدة نوعًا ما في بداية ستينيات القرن الماضي ووصولها لمرحلة وجود السفارة الإسرائيلية في بولندا حتى حرب الستة أيام التي نشبت بين إسرائيل وكل من مصر وسوريا والأردن، حيث أعلنت الحكومة البولندية دعهما الكامل للدول العربية واستنكارها للهجوم الإسرائيلي، فالتقى جومولكا عددًا من القادة الشيوعيين في موسكو لعقد قمة للنقاش حول هذه الحرب، وكانت نتيجتها اتفاق القادة على دعم الدول العربية عسكريًا وماليًا، لكن ما حدث هو هزيمة سريعة للدول العربية الثلاث حيث أحبطت معنويات الدول العربية كما أحبطت جومولكا، قطعت بعدها بولندا كامل العلاقات مع إسرائيل – والدولة الوحيدة التي حافظت على علاقتها مع إسرائيل من دول الكتلة الشرقية (الحليفة للاتحاد السوفيتي) هي رومانيا.

بعد الحرب ازدادت الحساسية بين الحكومة البولندية ويهود بولندا، فبعد أن عارض الكثير من يهود بولندا تصرف بلدهم تجاه إسرائيل وأعلنوا فرحتهم بانتصار إسرائيل، كما أن بعضهم أعلن عن نيته لخوض الحرب ومساعدة إسرائيل، خطب جومولكا بالشعب مستنكرًا ما فعلته الأقلية اليهودية داخل بولندا وأعلن أنهم طابور خامس تابع للصهيونية العالمية يجب محاربتهم ومقاومتهم.

في 30-1-1968 تظاهر عدد من الطلاب وعلى رأسهم آدم ميشنك (الذي كان يهوديًا الأصل) و هندريك سيتزلفر احتجاجا على منع الحكومة البولندية مسرحية عشية الأجداد ((Forefathers’ Eve)) للشاعر البولندي المشهور آدم ميكيفتش فقوبل هذا الاحتجاج بمعاملة قاسية من الحكومة البولندية مما أدى إلى ازدياد عدد المحتجين من الطلاب ليصل إلى مدن عديدة في بولندا، أما رد الحكومة البولندية كان عبارة عن تصويب أصابع الاتهام إلى يهود بولندا والصهيونية العالمية وأنهم وراء هذه المؤامرة، وقاد هذه الحملة وزير الدفاع ميتشسلاف موتسار (عرف عنه معاداته لليهود) وعمل على ترحيل ما يقارب 15،000 يهوديًا إلى خارج بولندا .

* سبب منع المسرحية أنها كانت معادية لروسيا، الشاعر آدم توفي عام 1855

لم تهدا الأمور إطلاقًا وازدادت سوءًا في عام 1970 عندما قابل جوملاك المظاهرات المستمرة بقوة عسكرية، واستخدم الرصاص الحي في قمعها، مما كانت من نتائجها استقالة جوملاك واستلام إدوارد جيريك حكم بولندا.

بولندا الآن

لم يحدث أي تطور على العلاقات بين إسرائيل وبولندا حتى عام 1990، وعند انهيار الحكومة الشيوعية بدأت العلاقات تتحسن وعادت السفارة الإسرائيلية في بولندا من جديد، وأصبحت العلاقات في تطور إلى وقتنا الحالي.

والجدير
بالذكر في عام 1991 كان ليخ فاليسا أول رئيس بولندي يزور إسرائيل، وكانت زيارته مهمة
بالنسبة للعلاقات الثنائية حيث إنه اعتذر عن كل الاضطهادات التي عاناها اليهود في
بولندا خلال السنوات السابقة وأخبرهم أن بولندا الآن هي بولندا الصديقة التي
يمكنهم الاعتماد عليها.

العلاقات الثنائية الآن في قمتها حيث وقعت بولندا اتفاقية مع إسرائيل لشراء
أنظمة الدفاع (David’s Sling) بقيمة 7،6 مليار دولار،
كما أن التجارة بين البلدين في عام 2016 وصل إلى 682 مليون دولار.

إسرائيل تبحث عن أصدقاء مخلصين لها وباعتقادي بولندا واحدة منهم، من الجدير بالذكر أيضًا رأيت تعليقًا بولنديًا على سر العلاقة القوية الحالية بين بولندا وإسرائيل، قال: إسرائيل وبولندا لديهما نفس التاريخ، فكلاهما قامت عليه إمبراطورية لبلد آخر، وكلاهما استقل بعد الحرب العالمية وكلاهما يحارب من أجل استمراريته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد