الكتاب: ما لم يكتب عن داعش: رؤية من الداخل.. الخطر القادم

صدر حديثًا كتاب بعنوان  “ما لم يكتب عن داعش: رؤية من الداخل.. الخطر القادم” للباحثين خليل القاضي وأحمد صلاح عثمان.

وقد احتوى  الكتاب على توطئة وثلاثة عشر فصلًا تميّزت معلومات الفصول بأنّها مستقاة من عدد من الشّخصيّات الّتي عاصرت التّنظيم من الدّاخل، بعضها انفصل عنه، والبعض الآخر مستمرّ مع التّنظيم؛ وبالاستناد على ما استقاه الكاتبان من معلومات في المقابلات التي حصلوا عليها، فقد كشفا حقيقة من يقود تنظيم “داعش” من خلال الشّهادات مع من خبروه.

جاءت التّوطئة بقلم رئيس تحرير وكالة النهار الإخبارية هاني الآغا الّذي اعتبر أنّ “الأمّ هي النظام القُطري العربي بتقسيماته الجغرافية القسرية التي أرسى جذورها النظام الدولي باتفاقية سايكس بيكو السرية بين فرنسا وبريطانيا ما بين عامي 1915 و 1916م الّلتين تقاسمتا الإمبراطورية العثمانية المتداعية فيما بينهما” وذهب الآغا إلى أنّ “داعش وأخواتها وما يدور في فلكها ومن قبلها التنظيمات الإسلامية نتاج هذا الزواج غير المتكافئ بين اتفاقية سايكس -بيكو ووعد بلفور لليهود المستقطبين من شتات الأرض بحصولهم على وطن قومي لهم في فلسطين العربية تاريخًا وهوية”.

كما أفرد مؤلّفا الكتاب عنوانًا داخل كلّ فصل، عُرض تحته كلّ ما يتعلّق بـ”داعش” وأخواتها من الحركات السّلفيّة وعلاقتها بالوهابيّة من النّاحية الفكريّة والهيكليّة والتّنظيميّة؛ بالإضافة إلى وضع سيرة شخصيّة لعدد من شخصيّات التّنظيم.

ويسلّط الكتاب الضّوء على دور الولايات المتّحدة الأميركيّة في نشأة تنظيم “داعش” ويكشف أيضًا حقيقة الخلاف بين قادته، لاسيّما البغدادي والجولاني، ودور حجيّ بكر الحقيقيّ؛ والفظائع الّتي تُرتكب في السّجون الدّاعشيّة وما يجري فيها؛ ويُعرّج على الأسّس الفقهيّة الّتي يستند عليها.

وقد سلّط الفصل الأوّل الضّوء على “المدرسة الوهابية والمدرسة السلفية، وأهل السنة والجماعة منذ نهاية القرن الثاني الهجري والتمييز بين كونهما مدرستين متناقضتين ومدارس مختلفة”. بالإضافة إلى ظروف تبلور الحركة الوهابيّة وأهل السنّة والجماعة.

وفي السّياق نفسه، عرض الكاتبان للاتّجاهين الفكريّين الّلذين برزا نهاية القرن الثاني الهجريّ ضمن دائرة أهل السنّة والجماعة؛ وهما: مدرسة المعتزلة ومدرسة أهل الحديث؛ ومن هنا انطلق بحث المؤلّفَيْن في فكر ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب؛ فقد تبلورت مدرسة ابن تيمية في القرن الثامن الهجري؛ وهو اتهم من يخالفه الرأي بالضلالة، ولا يؤمن بالتجسيم ومشابهة الله في جسمانيته لخلقه (استنادا إلى بعض الأحاديث الإسرائيلية والموضوعة في هذا الشأن).

والحقيقة فإن ابن تيمية لا يتوانى عن الكذب لإثبات صحة آرائه المخالفة لإجماع المسلمين من غير حشوية الحنابلة كما في رواية مالك عندما سأله شخص في تفسير قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى .

كما قرن مؤلّفا الكتاب لأوجه التّماثل والاختلاف “بين عقائد ابن تيمية وابن عبد الوهاب” مع الإشارة إلى أنّ “الاختلافات نابعة من ظروف كلّ منهما” فـ “ابن عبد الوهاب لم يكتف بالقول بشرك المسلمين المعاصرين له فحسب، بل كان يهدف إلى قتالهم وسلبهم أموالهم وسبيهم لنسائهم وأطفالهم، الأمر الذي كان يتطلب توسيع دائرة من يستبيح دماءهم حتى أنه حكم بشرك وإباحة دماء أربعة أصناف من الناس، وأحد هذه الأصناف هو من يحب المسلمين ويبغض الوهابيين…”.

وعندما تناول الكتاب علاقة الوهابيّين بأهل السنّة والجماعة، فقد اعتمد كتبهم ورجالهم المعاصرين؛ ويشير إلى أنّهم يكفّرون “أهل السنّة والجماعة لأنهم يعتقدون باستحباب زيارة قبر الرسول، وقبور الأولياء، ولأنهم يؤمنون بشفاعة رسول الله وهو في عالم البرزخ، ولأنهم بنوا القبة الخضراء على قبر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ ومنعوهم “من دراسة فقه الفقهاء الأربعة”؛ وأباحوا “دماء المسلمين من غيرهم سواء كانوا من أهل السنّة أو من غيرهم من الطوائف الإسلامية الأخرى”.

وتضمّن الفصل الأوّل سردًا للعلاقة بين الوهابيّين والسّلفيّين ونشوء الدّولة السّعوديّة المعاصرة بعد تحالف محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود في الدرعية قبل حوالى مئتين وخمسين عاما حين آمن ابن سعود بعقيدة ابن عبد الوهاب؛ فأباح له قتال المسلمين لأنهم مشركون لا يعتقدون بعقيدة ابن عبد الوهاب”.

وفي الفصل الثّاني استعرض الكاتبان تاريخ تأسيس التّنظيم وشخصيّاته؛ بدءًا من أسامة بن لادن” الّذي خبر أصول التعامل بين القوى والدول والمصالح، وتعاون مع الأميركيين واستفاد من دعمهم وخبرتهم وتصميمهم على طرد السوفيات من تلك الأرض؛ وبالنسبة إلى شخصيّة أبو مصعب الزرقاوي فقد وصفه المؤلّفان بأنّه “الأب الروحي ومؤسس تنظيم القاعدة في العراق، وأنشأ تنظيم التوحيد والجهاد، وشكّل معسكرا له ولجماعته أغلبهم من الأردنيين والفلسطينيين في هيرات، وأنشأ علاقة وثيقة بملا كريكار زعيم تنظيم جند الإسلام ثم أنصار الإسلام في كردستان العراق، وشكل خلايا تنظيمية وارتبط مع مجاميع موجودة على الأرض في ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا وروسيا والمغرب ولبنان ومناطق أخرى من العالم، ومن خلال هذه التنظيمات جند المئات من المسلمين”.

بعد ذلك عرض الكاتبان لتطور التنظيمات والتشكيلات السلفية حتى تشكيل “داعش” ودور الولايات المتّحدة والسّعوديّة والكيان الصّهيونيّ في الإسناد والتّدريب وتزويدهم بالأسلحة المتطوّرة” وتطرق بشكل تفصيلي إلى دور الكيان الصّهيونيّ “في خلق القيادات الدينية الإسلامية من الفلسطينيين المسلمين المتعاونين مع الموساد خريجي جامعة تل أبيب والجامعة العبرية من أقسام الدراسات الإسلامية”. لذا تولّدت لديه “قدرات غير طبيعية للنفاذ والتغلغل ضمن حركة داعش”.

وفي ما يتعلّق بتأسيس التّنظيم، يشير الكتاب إلى ولادة مشروع “الخلافة الإسلامية في 15 تشرين الاول (أكتوبر) عام 2006 إثر اجتماع مجموعة من الفصائل المسلحة ضمن معاهدة حلف المطيبين الذي تأسس بقرار مما عرف وقتها بـ”مجلس شورى المجاهدين فى العراق”  وتم اختيار “أبو عمر” زعيما لها، وبعد مقتل أبو عمر البغدادي في يوم الإثنين 19/4/2010  أصبح أبو بكر البغدادي زعيما لهذا التنظيم”.

لكن لـ”داعش” نفس العقيدة الجهادية التي للقاعدة معتبرة أن إنشاء دولة إسلامية في سوريا مرحلة أولى لقيام دولة الخلافة، وتعاون التنظيم مع “جبهة النصرة ومجموعات إسلامية أخرى خصوصا أحرار الشام لمحاربة النظام السوري”.

وعرّف الفصل الثّاني بشخصيّة “أبو بكر البغدادي” الّذي “استغل الأزمة التي اندلعت في سوريا والفوضى التي حصلت هناك ليعلن دخوله على خط المواجهات في سوريا، فدخل التنظيم إلى الأراضي السورية، إلى شرق سوريا بالتحديد تحت شعار “نصرة أهل السنة في سوريا” معلنًا الحرب على النظام السوري”.

وعن تمويل “داعش” والمستفيد من وجودها وبقائها، يضع الكتاب “قائمة احتمالات تتضمن الدول والجهات التالية: الكويت، السعودية، الولايات المتحدة”.

أمّا خريطة دولة “الخلافة الإسلامية” التي يسعى إليها “داعش” فهي “المنطقة العربية الغارقة في أتون الصراعات الطائفية والمذهبية التي تضعف العرب وتشمت أعداءهم…” وذلك وفق التّقسيم التّالي: “قسمت دولة ما يسمى “الخلافة الإسلامية” التي أعلنها تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” ثلاث عشرة ولاية، وهي: العراق، الشام، الحجاز، اليمن، خراسان، كردستان، بلاد القوقاز، الأناضول، أوروبا، الأندلس وأرض الكِنانة وأرض الحبشة والمغرب”.

بعد عرض ما يمثله التّنظيم من سلاح وقوّات ومصادر تمويل نفطيّة وزراعيّة وجباية الإتاوات من النّاس، ينتقل في الفصل الثّالث إلى تبيان هرم “داعش” التّنظيميّ “بتركيبته الأمنية والسياسية والشرعية في العراق وسوريا” وقادة القيادة المركزية: أبو بكر البغدادي، وأبو عبد الرحمن البيلاوي، والعقيد حجي بكر، وأبو أيمن العراقي، وأبو علي الأنباري ودور كلّ منهم. كما استعرض أسماء قيادة التّنظيم في سوريا: أبو لقمان، وخلف الذياب الحلوس، وأبو عمر قرداش، وأبو عمر الملاكم ، محمود الخضر، وأبو عبد الرحمن الأمني، وأبو علي الشرعي، وأبو أنس العراقي؛ بالإضافة إلى أعضاء المجلس العسكري (المكتب الحربي) والوزراء والمحافظين في التنظيم.

وتطرّق الفصل الرابع إلى ظروف تشكّل تنظيم “جبهة النّصرة” بناءً على  طرح “العقيد حجي بكر فكرة تشكيل مجموعة من غير العراقيين لتذهب إلى سوريا بقيادة سوري، ووقع الاختيار على رفيق السلاح والجهاد القيادي أبو محمد الجولاني كما استعرض علاقته بتنظيم “داعش” وخلفيّات الصّراع بينهما وبين قياداتهما؛ واستكمل العرض في الفصل الخامس بالحديث عن طبيعة الصّراع بين البغدادي والجولاني قبل وبعد إعلان الجولاني البيعة لأيمن الظواهري.

أمّا الفصل السادس فقد تناول فيه الكاتبان كيفيّة تشكيل الجناح الإعلامي للتّنظيم عبر الإنترنت، كيف وضع خطته، ومن أفتى له بالكذب من أجل التضخيم انطلاقا من أن الحرب خدعة” ودور الضابط السعودي الأسبق بندر بن شعلان في تشكيل الّلجنة الإعلاميّة.

وفي الفصل السابع استعرض الكاتبان الانشقاقات داخل تنظيم “داعش” وإجراءاته للحيلولة دونها، من قبيل سحب جوازات السّفر من أعضاء التّنظيم وجنوده خوفًا من هروبهم، بالإضافة إلى إفشال اجتماعات الرّاغبين بالانشقاق عبر مسارين، هما:

  • الإعلام لإحباط مشروع الاجتماع المتعلق بأحرار الشام وباقي الكتائب التي تنوي الانشقاق، وتشكيل جبهة خاصة بهم والتشهير بهم بأنهم مشروع صحوات وعملاء واستخبارات ويجب تفكيكهم بواسطة تشويههم.
  • تضخيم حجم التّنظيم إلى مشروع خلافة، وهذا المقترح طرحه ما يسمى والي حلب العبسي المسمى أبو الأثير الشامي الّذي يحظى بثقة البغدادي.

وأسهب الكاتبان في الفصل الثامن في خلفيّات التّصدّع ومشهد الاغتيالات في التّنظيم، وعلاقته بتنظيم “الجيش الحر” وسلّط الضّوء على اختفاء مؤسّس دولة البغدادي العقيد حجي بكر.

وفي الجزء من الفصل التّاسع عرضا للخلاف مع أيمن الظّواهري، بالإضافة إلى موقع البيعة والذّبح في حروب التّنظيم.

جمع الكاتبان في الفصلين العاشر والحادي عشر بعض الأحكام الّتي يؤمن ويعمل بها التّنظيم، وهويّته؛ واعتمدا على بيانات التّنظيم وتصريحات شخصيّاته.

ويشيران في هذا السّياق إلى أنّ “الولايات المتحدة الأميركية سلّحت “داعش” لإعلان الحرب على بشار الأسد لسببين: الأول للحد من نفوذ إيران المتنامي في المنطقة والآخر لمواجهة روسيا على أرض سوريا باعتبار الأسد حليفا رئيسيا لروسيا؛ فتنظيم داعش مجرد أداة إرهابية تستخدمها السياسة الخارجية الأميركية ليس لإسقاط حكم الأسد، بل كوسيلة تستخدم للضغط على كل من إيران وروسيا، غير أن العفريت خرج من قمقم الطائفية؛ فارتعدت واشنطن من جنونه، فشهرت سكينها لإعادة الجني إلى قمقمه” كما ورد في الفصل الحادي عشر”.

أمّا في الفصل الثاني عشر فقد خصّص للحديث عن أساليب التّعذيب والسّجون السّريّة في التّنظيم؛ وذلك بالاستناد إلى شهادات حية وروايات أشخاص عاشوا في ظل التّنظيم وكنفه.

وأورد الكتاب في الفصل الثالث عشر الرّسائل والمبايعات الواردة إلى التّنظيم من مختلف البلدان، والتي أصبحت خاضعة لحكمه وحدود الدولة الإسلامية التي لا تقف عند حدودها الجغرافية الحالية كما قال المؤلّفان؛ بل يطمح التّنظيم إلى احتلال الدول الخارجة عن سيطرته في الوقت الراهن؛ مكتفيًا بالمناصرين والمؤيدين له في تلك البلدان إلى حين بسط سيطرته ونفوذه بفتوحات قد تصل إلى أوروبا وذلك على حد قولهم”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

داعش
عرض التعليقات
تحميل المزيد