في لحظة تاريخية شكلت بريق أمل بل سنى يضيئ عتمة الليل البهيم؛ اعتلى أبو بكر البغدادي المنبر في الجامع الكبير، وألقى خطبة صلاة الجمعة بمدينة الموصل، ليعلن نفسه خليفة للمسلمين، وأن الدولة الإسلامية قد تحققت أركان إعلانها وتوفرت شروط مبايعتها. فدخل العالم إلى مسرح أحداث حمل العناصر الفجائية المفجعة تارة والمطمئنة حينًا آخر.

القوة التي تمتع بها تنظيم الدولة الإسلامية منذ ظهوره، لا سيما في الجانب الإعلامي، وقدرته على استقطاب كفاءات عدة إلى جانب انتصاراته المتعاقبة؛ جعله موضع أنظار العامة، بل أسقط كل التكهنات حول علاقته بتنظيم القاعدة، حيث بدا التنظيم أكثر قوة من القاعدة، مما دفع عددًا من المهتمين والمعنيين إلى زعم أن الدولة الإسلامية ورقة استخباراتية غربية، أو كما ادعى الموظف السابق في وكالة الأمن القومي الأمريكية، إدوارد سنودن، أن وكالة الأمن القومي الأمريكية والبريطانية إلى جانب الموساد الإسرائيلي هم وراء ظهور تنظيم «داعش». والحال أن مجمل المعطيات والأحداث تؤكد بما لا يدع مساحة للتردد أو الريبة أننا أمام تنظيم يشكل جيلًا جديدًا من تنظيم القاعدة الأم، أما فرضية وجود علاقة بين داعش والمخابرات الأجنبية فيما يخص التأسيس والتوجيه فيدحضه مقتل حذيفة البدري، نجل الزعيم أبي بكر البغدادي، في عملية اقتحام في جنوب مدينة حمص السورية. كما أن العديد من قادة الصف الأول قد قتلوا على يد التحالف الدولي أمثال أبي مسلم التركماني، الرجل الثاني في هرم التنظيم الذي قتل بطائرة أمريكية مسيرة سنة 2015م؛ إلى جانب القيادي أبي علي الأنباري، الذي فجر نفسه بحزام ناسف أثناء إنزال عسكري جوي كان يروم استهدافه؛ وعدد منهم تعرض للاعتقال والتعذيب في سجن بوكا وأبو غريب، ثم تعرض للقتل بعد انضمامه إلى صفوف التنظيم.

فنكاد لا نجد منهجية بحث وتحليل علمية وموضوعية مقبولة لربط نشأة تنظيم داعش بالجورنالجية الأمريكية أو غيرها، بل إنه امتداد طبيعي للقاعدة، حيث شكل ظهوره في العراق انتصارًا في لحظة وهن حقيقية في جسد الشعوب العربية. أبعد من هذه الرؤية نرى أن إعلان الخلافة في العراق على رغم قصر المدة نسبيًّا؛ إلا أنه أعاد التوازن المفترض وألهم الأجيال وبعث روحًا جديدة تنطوي على اتباع النهج الزرقاوي الذي يدعو إلى الشدة والغلظة. ثم إن ادعاء أن الغرض من تأسيس داعش من قبل الاستخبارات هو جذب وحصر الأفراد ذوي الفكر الجهادي، فهذا معطى مستبعد لكونه لم يتحقق كفاية على أرض الواقع؛ فالأعداد التي انضمت إلى داعش ليست نهائية، بل إن أغلبها كانوا من الأنصار – المقاتليين المحليين- بما فحواه أن خطة عش الدبابير لم تنزل فعليًّا إن كانت حقيقية، فهي لم تكشف عن مدى استعداد كل فرد مسلم في العالم للانخراط في هذا الصراع. ينضاف إلى ذلك الحرب الإعلامية المضادة والتكتيم الإعلامي الذي استهدف المنابر الإعلامية لداعش، من غلق لحساباتهم، وفرض حظر على الولوج إلى مواقعهم ومنصاتهم الإعلامية.

أما عن جذور تنظيم داعش فتعود إلى الخط الجهادي الراديكالي الذي باشره أبو مصعب الزرقاوي، الذي هاجر من الأردن إلى العراق سنة 2001م، وأقام صرح جماعة التوحيد والجهاد سنة 2003م بعد تخرجه من الساحة الأفغانية، التي تلقى فيها تدريبات شرعية وعسكرية لم يدر لها الظهر وأعلن مبايعته وجماعته «التوحيد والجهاد» تنظيم القاعدة بقيادة الشيخ أسامة بن لادن. فأضحى الزرقاوي أميرًا للقاعدة في بلاد الرافدين، وكان له الأثر الكبير والفضل الوارف في شد بنيان التنظيم الأم، وتمدده إلى العراق الذي كان تحت الاحتلال الأمريكي.

واعتبارًا للساحة العراقية والإقليمية أعلن الزرقاوي مطلع سنة 2006م دمج جماعة «التوحيد والجهاد» مع كافة الفصائل المسلحة السنية في بلاد الرافدين وتشكيل «مجلس شورى المجاهدين»، وهذا التحالف يجد مبرره في تنسيق الجهود وتوحيد الرؤى وسد الثغور ، وبعد خمسة أشهر فقط قُتل الزرقاوي بغارة أمريكية؛ أعقبه في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) من السنة نفسها حل المجلس وإقامة أساطين دولة العراق الإسلامية تحت حكم أبي عمر البغدادي.

أبو عمر البغدادي الأمير السابق لجيش الطائفة المنصورة، التي اندمجت في مجلس شورى المجاهدين، كان موظفًا في سلك الشرطة العراقية، ثم تركه أو سرح منه حسب تعدد روايات السرد التاريخي؛ بعد حوالي خمس سنوات من العمل لإرتباطه أو لفكره المنحاز للجماعات الإسلامية. المحطات التي قادها أبو عمر البغدادي لم تختلف عن سلفه، فظلت دولة العراق الإسلامية عقبة أمام القوات الأجنبية. إلا أن فرع تنظيم القاعدة في العراق سيعيد الظهور بقوة بعد مقتل أبي عمر البغدادي وتولي خلفه أبي بكر البغدادي زمام الأمور.

استمر تنظيم دولة العراق الإسلامية في العمل الجهادي بزعامة أبي بكر البغدادي فرعًا تابعًا لتنظيم القاعدة، ومع بداية الربيع العربي الذي أرادت الشعوب العربية فيه الانعتاق من الأنظمة الديكتاتورية المستبدة، وهو هدف يشاطرها فيه تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة في الآن نفسه، ما أعطى للجماعات الجهادية المساحة الكافية للعمل الميداني موفرًا لها مصادر التمويل الذاتي والأفراد الراغبين في الانضمام للصفوف، ما فتح الباب على مصراعيه لكل أجناس وأصناف الجماعات والحركات على اختلاف مرجعيتها الدينية والعسكرية.

تنظيم الدولة الإسلامية استغل الثورة السورية فأوفد أبو بكر البغدادي بناء على إرادة زعيم تنظيم القاعدة الجديد، أيمن الظواهري، جنديًّا من جند الدولة إلى سوريا لإنشاء فرع جديد للقاعدة في الشام فبدأت تمظهرات التشنج العلائقي بين القاعدة الأم وفرعيها في العراق وسوريا، وهي مرحلة حساسة في تاريخ هذه التنظيمات التي تعد الأهم على الساحة.

هكذا تشكلت في أواخر سنة 2011م جبهة النصرة تحت قيادة أبي محمد الجولاني الذي استطاع أن يجد له موطئ قدم في الساحة الشامية بفضل الخبرة العسكرية التي يتمتع بها عناصر جبهة النصرة الموفدون معه من العراق، فكان ارتباط جبهة النصرة بتنظيم القاعدة عطفًا على عملياتها العسكرية في سوريا دافعًا ومسوغًا لواشنطن لتصنيفها ضمن قائمة الإرهاب نهاية عام 2012م. في خطوة موالية أعلن أبو بكر البغدادي بتاريخ 9 أبريل (نيسان) 2013م اتحاد دولة العراق الإسلامية وجبهة النصرة لأهل الشام تحت مسمى دولة العراق الإسلامية في العراق والشام، هذه الأخيرة هي التي تسمى إعلاميًّا بـ«داعش»، وهو مصطلح يعده أنصار التنظيم قدحًا وازدراءً أكثر منه نحتًا هجائيًّا. وفي اليوم الموالي نشر الجولاني خطابه الذي نفى فيه علمه بالاتحاد مع الدولة الإسلامية وتجديد بيعة تنظيم القاعدة وزعيمها أيمن الظواهري.

هذا السجال لم يتوقف عند هذا القدر، حيث بعد حوالي شهرين أصدر أيمن الظواهري قراره بحل تنظيم داعش، مع بقاء الدولة الإسلامية في العراق بزعامة أبي بكر البغدادي، وجبهة النصرة لأهل الشام في سوريا تحت قيادة أبي محمد الجولاني، إلا أن قراره كان عرضيًّا لم يجد صدى؛ إذ أقر أبو بكر البغدادي ببقاء الدولة الإسلامية في العراق والشام، وأصدر المتحدث الرسمي حينها، أبو محمد العدناني، كلمة صوتية تحت عنوان «عذرًا أمير القاعدة» اعتبر فيه أن الدولة الإسلامية في العراق والشام تمتثل لنصائح وتوجيهات القاعدة وتقر بفضلها في الساحة الجهادية رغم حل القاعدة على أرض الدولة الإسلامية، وهذا ما وصفه أبو محمد العدناني في كلمته بقوله «لا يصح لدولة أن تبايع تنظيمًا». وقد يعزى سبب الانشقاق عن تنظيم القاعدة إلى مقتل أسامة بن لادن وفقدان الأب الروحي للتنظيم، إلى جانب الاستقلال المالي والميداني الذي تمتع به تنظيم داعش، ينضاف إلى ذلك رفض بعض أوامر أيمن الظواهري بعدم استهداف الجمهورية الإيرانية وملفات أخرى.

أما جبهة النصرة فقد غيرت اسمها إلى جبهة فتح الشام وإعلان فك ارتباطها بتنظيم القاعدة، في محاولة لتخفيف الضغوط الدولية عليها والحصول على دعم مالي وسياسي وشعبي من أطراف محلية ودولية.

في المحصلة النهائية نجد أن تنظيم الدولة هو امتداد للقاعدة لكن بعد توفر شروط الاستقلال وأسباب التمكين أعلنت الخلافة الإسلامية وقيام الدولة، وهو خلاف يرجح أن يكون قد بدأ فكريًّا لينتقل للهيكلة والتنظيم، حيث تبدَّى لكوادر داعش أن المصلحة في التمدد إلى الشام ودول أخرى وإعلان الخلافة بدل التبعية للقاعدة والركون إلى منهجها وفكرها، وهذا موضوع آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد