لقد سمعنا في كثير من الروايات، من محللين سياسيين وأطباء وعلماء، إن بعض الأمراض المعدية والفتاكة والأنفلونزا الخطرة سريعة الانتشار، التي ظهرت بشكل مفاجئ في مراحل مختلفة في الماضي، وقتلت مئات الآلاف من البشر، ومن ثم اختفت، هي في حقيقة الأمر من صنع شركات الأدوية الكبرى، لبيع الأدوية المضادة والوقائية، وكسب أرباح خيالية.

ومن هذا المنطلق، “نتساءل” هل أنفلونزا داعش من صنع مخابرات الدول الخارجية، بمساعدة وكلائها في المنطقة من بقايا الأنظمة السابقة، ومن كلاب الحراسة الجدد، لفرض الأنظمة الانقلابية الجديدة في بلدان الربيع العربي، كأدوية مضادة لداعش؟ أكذوبة محاربة ميليشيات الحوثي لداعش في اليمن، وسطوع نجم حفتر في ليبيا، انقلاب السيسي في مصر، وصعود السبسي في تونس، وابقاء الأسد على أجنحة المقاتلات الروسية في سوريا، والقومجي الآخر وميليشيات الحشد الشعبي في العراق، جميعها أتت إلينا عبر أجندة السياسة الخارجة، كحلول أمنية تحمينا من داء داعش .

إذا تساءلنا إلى أين يتوجه المال السياسي فيما يخص داعش؟ إنفاق أموال طائلة للحرب ضد الإرهاب! وصفقات السلاح المعلنة منها والمخفية، يبدو الأمر مريحا بالنسبة للمشاهد وهو يشاهد على شاشات التلفاز الكم الهائل من الاجتماعات الدولية؛ للبحث فيما يخص الحرب ضد الإرهاب، وتلك الأموال التي تنفق في هذه الحرب، تحالفات عسكرية، وتسليح جماعات أخرى بأيديولوجيات مناهضة ضد داعش كما يقال!

ولكن هل الحرب ضد الإرهاب بهذه الطريقة هي الحل؟ هل الحروب والفوضى حل لمشكلة تعتبر ظاهرة متطرفة وسلوك متوحش تعود أسبابها للمشاكل الاجتماعية المتمثلة بالفقر والشرذمة والجهل والبطالة وصعوبة سبل التعليم المجاني وسوء الصحة وتصحير الوعي وتجفيف ينابع المعرفة ومحاربة هوية المجتمع وقمع الحريات واحتقار المواطن … إلخ! وغيرها من الأعمال والظروف التي كانت تمارسها وتفرضها علينا الأنظمة الاستبدادية السابقة بغية تركيع الشعوب وتقبل أمر الغالب على المغلوب، أليس الحل للقضاء على الإرهاب هو في إنفاق جزاء بسيط من ذاك المال في القضاء على الجذور الاجتماعية والأرض الخصبة التي تنتج الإرهاب؟

وإذا نظرنا أيضا كيف يتم الإنفاق على العديد من مصانع الإعلام العربية، بشتى وسائلها من بث على شاشات التلفاز ومن مجلات ومواقع الإنترنت، وتوظيف الطبقة العاملة الصغيرة من الإعلاميين والصحفيين والكتاب لتركيز على ما يخص الإرهاب والإخوان (الإسلام السياسي) الهدف منه اتهام الأول وتطبيعه على الثاني، والتي في واقع الأمر تندرج تحت تنفيذ مشاريع القوى الاستعمارية، بدورها تهدف إلى إشغال الشاب العربي عن حقيقة داعش والبقاء في جدل دائم عن هوية هذا الكيان وكيفية محاربته، ولإقصاء الإخوان عن الساحة السياسية في الوطن العربي الذي يمتلك أكبر القواعد الشعبية، منتجة بذلك إحداث فراغات شاسعة في المنطقة العربية لتقوم أيضا الإمبراطوريات الاستعمارية بملء تلك الفراغات، وأبرزها الإمبراطورية الفارسية التي تغلف نفوذها وتوسعها في المنطقة بطابع ديني.

يتجه رأس المال السياسي خلف الستار للإنفاق في بناء داعش، أعني بذلك جميع الإمبراطوريات التي تمتلك أهدافا وطموحات استعمارية مختلفة في المنطقة، بداية من الإمبراطوريات المحيطة بالمحيط الأطلسي، وصولا إلى الإمبراطورية القيصرية والإمبراطورية الفارسية، من تسليح وصناعة وإعلام وحفلات الموت المصورة تلك التي تمتلك الدقة في التصوير والإخراج لدرجة أنها تعجز دولا عن الإخراج مثلها.

داعش الذي حضر تزامنا مع الربيع العربي، يمثل رأس حربة مشروع الإمبراطوريات الاستعمارية في تكبيل الثورة، وفتح بوابات الغزو والتوسع، وفي إبرام أو تجديد عقود الاستعمار إلى أجل غير مسمى.

خلف ذلك العالم المغيب، والكتائب السوداء، وحفلات الموت المصورة، تتخفى أيادي المصالح الاستعمارية تمول من هنا، وتبرم صفقات من هناك، تسليم مواقع، تجارة بالنفط، وتمرير السلاح، وفيما يخص هدفهم السامي تتجه منصات الإعلام العالمية الكبرى في مبالغة وتكبير ذاك العدو “عدو العالم” وإعطائه حجما أكبر من حجمه بكثير، وإن هذا العدو سوف يلتهم العالم، ونشر حفلات الدم والذبح والحرق، متجه بذلك إلى مهاجمة الوعي الثوري وإحداث الذعر والصدمة لدى الشارع العربي وترميم جدار الخوف، فيما يخص حياته وحياة أسرته وأمنه اليومي، وتركيعه ليرضى بالخبز القليل، وبعد ذالك يقدم إلينا المصل المضاد المتمثل بالإنقلابين المصحوبين معهم بأبشع القيود القمعية للحريات والأيديولوجيات الطائفية والمناطقة كأمر واقع وحل بديل عن داعش، بل كعلاج مضاد لداعش، أنتجته لنا مصانع المخابرات الخارجية، وكما يقال المثل الشعبي، يخيرنا بالموت فنرضى بالحمى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد