فتحت صورة الرئيس المعزول محمد مرسي وهو يخرج من بيته المتواضع دون مرافقة بعد توليه مقاليد الحكم، ثم عندما وقف على منصة بين مئات الألوف كاشفًا عن صدره ليرى الناس أنه لا يرتدي سترة ضد الرصاص، فتحت هذه الصور شهية المسلمين لدولة إسلامية معاصرة.

ومع أن هذه التجربة فشلت أو تم إفشالها إلا أن الشهية لازالت قائمة، بل حتى بعد أن أثارت جزئيات تطبيق الحدود وفرض غطاء الوجه من قبل الدولة الإسلامية في العراق والشام من سخط عربي وإسلامي ودولي، وما نجم عن ذلك من تشويه لفكرة الخليفة ظلت الشهية لدى قطاع كبير من المسلمين مفتوحة.

عادة ما يتم وضع كل الأشخاص المؤيدين لحكم إسلامي في سلة واحدة، وبعد ذلك يتم توزيع التهم المناسبة عليهم بين إسلامي سياسي أو إرهابي أو على أقل تقدير تراثي ومعادٍ للحداثة.

لا يمكننا في حال من الأحوال الوصول إلى حل لواقعنا إلا لو حصلنا على قراءة صحيحة له بعيدًا عن التهميش والتجاهل والاتهام، نعم هناك من يسعى لاستغلال الإسلام حتى يصل للحكم، وهناك من يقرأ نصوص القرآن بصورة انتقائية ليبرر العنف الكامن في داخله، وهناك من يريد أن يحصل على عيشة تكون صورة طبق الأصل عن عيشة السلف، إلا أنه بالمقابل هناك تيار مختلف جدًا عن كل ما ذكرنا.

لا أعتقد أنه ثمة تنظيمًا أو حزبًا يمثّل هذا التيار، إلا أنني متأكد أن أفراده موجودون وبكثرة، وما سأذكره من أفكار يؤمن بها قطاع واسع جدًا، نجده اليوم بين صفوف الناشطين والمدوّنين الشباب الذين على الرغم من التشويش الذي يعانون منه، إلا أنهم يرون صورة مختلفة ولديهم نية للوصول إليها.

يؤكد المسلمون السلميون[1] أن العقائد الدينية – ولا سيما الإسلام – ليست مصدرًا للعنف، إنما الأفراد وما يحيط بهم من ظروف هم من يصنعون العنف، بمعنى أنه ثمة أشخاص عنيفون بطبعهم وهم يلجؤون إلى النصوص ويقرؤونها قراءة انتقائية ليبرروا عملهم الشنيع فقط؛ ففي المسيحية هناك متطرفون يتجاهلون تعاليم السيد المسيح الداعية للسلام ويصفون الإنجيل بأنه (أفضل كتاب تعليمات للحرب)[2]، حتى العلمانيون والقوميون لم يكونوا سلميين دائمًا، لقد خرج منهم من حمل السلاح ليدافع عن مبادئه وينشرها بالقوة لقد ( كانت الحرب العالمية الأولى نذيرًا بقرن من المذابح التي لم يسبق لها مثيل، ولم تقع الإبادة الجماعية بدافع ديني – كما أصبح البشر يعرفون الآن – وإنما قادتها الأمة القومية التي أصبحت تمثل القيمة المقدسة)[3].

هذا التيار لا يعجبه أي شكل من أشكال الحكم التي شهدناها أو سمعنا بها في العصر الحديث، سواء تلك التي تدّعي صراحةً تطبيق الإسلام مثل إيران والسعودية، أو تلك التي تلعب على الوتر الحسّاس مثل تركيا، ولدى هذا التيار جرأة كافية لنقد كل أبحاث الفلاسفة والسياسيين وعلماء الاجتماع بآية واحدة من القرآن الكريم.

لا يقبل هذا التيار أن يُتّخذ الدين سلّمًا للصعود إلى كرسي السلطة حتى لا يقع الناس ضحية الاستغلال وهو ما يسمى اليوم بالإسلام السياسي.

يعترف الإسلاميون السلميون بحقوق الآخرين وحرياتهم، ولكنهم يشككون بالديمقراطية؛ لأنها برأيهم تهدف إلى أمركة العالم أكثر من كونها طريقة لتحريرهم ونهضتهم، إن صورة الأسلحة المحرمة دوليًا التي استعملتها أمريكا في غزوها للعراق لا تغادر ذاكرتهم.

يمقت هذا التيار المفكرين والكتّاب الذين يتغنّون ليل نهار بالغرب وبتقدمه ويشتمون العرب وهمجيتهم، وكأن الغرب لم تسبق عليه قرون كان غارقًا فيها في وحل الظلم وظلام الجهل، وكأن العرب والمسلمين لم يقدموا أي شيء للبشرية.

لا يمنحون ثقتهم المطلقة لدعاة التجديد والذين يقدمون قراءات معاصرة للتراث الإسلامي وللفقه بصورة خاصة، فهم يخشون خطر التلاعب بالدين.

ينظرون بألم وحرقة عندما يشاهدون فلمًا يعرض واقعة وحشية ترتكب باسم الإسلام، ويتمنى كل فرد فيهم لو أنه يخرج من بين لقطات الفلم ويخاطب الناس قائلًا: ليس هذا هو الإسلام!

يشعرون بالمظلومية عندما يشاهدون الإعلام العالمي – وعلى رأسه الإعلام العربي – يضجُّ حزنًا وأسى على قتلى في حادث طعن أو دهس حصل في دولة أوروبية، بينما يتناسى الجميع مئات المسلمين الذين يموتون يوميًا في فلسطين والعراق وأفغانستان وسوريا جوعًا وقتلًا ومرضًا.

لا يملكون رؤية واضحة لتفاصيل الدولة التي يريدونها، وكيف ستدار شؤون الناس بصورة تحقق المصالح وتؤمّن التواصل مع باقي سكان الأرض وبشكل يتفق مع الشريعة التي يؤمنون بها ويعتبرونها منهج حياة ودليل سعادة في الدنيا والآخرة.

يذهبون بعيدًا جدًا؛ فمع أنهم لا يمسخون الدولة لتكون مجرد لجنة تراقب حركات الناس وتصرفاتهم، إلا أنهم يتوقعون دولة تحكم بعدالة عمر بن الخطاب وبشجاعة علي بن أبي طالب وبتقوى عمر بن عبد العزيز؛ دولة يحمل فيها الحاكم أكياس الطحين وينقلها للمواطنين، دولة يؤخذ فيها الحق للقبطي من المسلم دون تمايز على أساس الدين أو الطبقة.

حتى لو جاء أي نظام وقدّم لهم ما شاؤوا من ضمانات بأنه قادر على أن يحقق هذه الصور فإنهم لن يكونوا مسرورين؛ إنهم يريدون أن يروا هذه الصور تحدث باسم الإسلام، ليس تعصّبًا كما يعتقد البعض، ولا حبًّا لقهر العباد، فهم يعتقدون أن تطبيق هذه الصور باسم الإسلام سيجعل الناس يحبونه ويعتنقونه عن قناعة راسخة، وهكذا يفوز هؤلاء الناس بجنة الدنيا وجنة الآخرة، إنهم يحبون أن يروا ذلك يحصل باسم الإسلام حبًا للناس، وليس كرهًا لهم.

يظهر أن قسمًا كبيرًا منهم لم يتمكن من تقديم الكثير خلال موسم الربيع العربي؛ لأنهم وجدوا أنفسهم مسجونين بمؤسسات تمتلكها أنظمة قمعية لم تقدم لهم من الغذاء سوى ما يأكله السجين في معتقله، وهكذا باتوا يبوسون يد السجّان ويدعون عليها بالقطع.

إن فهم هذه الفئة مسألة ملحة جدًا، وهي أفضل من تجاهلهم أو مهاجمتهم، علينا أن نعترف بهم ونقترب منهم أكثر دون خوف، ولعلهم ضمن هذا الهدوء يصلون إلى قناعة أن الفكرة مهما كانت إنسانية، ولكنها عندما تتحول إلى إيديولوجية دولة؛ فإنها حتمًا ستفقد الكثير من إنسانيتها.

لا تقفوا في وجههم فربما يحتاج العالم إليهم في ظرف حرج كأيامنا الصعبة هذه، ربما لن يجدوا طريقًا للدولة، ولكنهم سيجدوا طريقًا لدعم الدولة بشيء يتفرّدون به،  وتذكروا أنه يومًا ما (ساهم أكثر من نصف مليون شخص في أحداث ذبح وقعت في راوندا نتيجة حرب أهلية، ونظرًا لاستحالة سجن كل هؤلاء وكذلك نظرًا للنقص الحاد في المحامين وموظفي القانون أناطت الحكومة بمحاكم الغاكاكا دورًا رئيسًا، كانت هذه المحاكم تعمل على مستوى القرى وتعتمد قانونًا متجذرًا في العرف المحلي، لقد قدمت هذه المحاكم الأهلية شيئًا لم تقدمه الحكومة ولا حتى المجتمع الدولي)[4].


[1] – يمكننا تسميتهم اختصارًا: الإسلالَـمِيون: الإسلاميون السلميون؛ كإشارة إلى التيار الإسلامي الذي يحلم أن يصل إلى دولة إسلامية بالطرق السلمية في مقابلة الإسلاميين الدمويين، الإسلامَويون، وهم الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تعتمد على الدم والعنف في تحقيق مشروعها.

[2] – ص402، حقول الدم، كارين آرمسترونغ، ترجمة: أسامة غاوجي.

[3] – ص454، حقول الدم، كارين آرمسترونغ، ترجمة: أسامة غاوجي.

[4] – ص307 ، نهوض المجتمع المدني العالمي – بناء المجتمعات والدول من أسفل الى أعلى، دون إيبرلي، ترجمة: لميس فؤاد اليحيى ، بتصرف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد