السبب الرئيسي الذي جعل هذا الكتاب «أكثر كتب نيويورك تايمز مبيعًا» للعام 2015 هو بساطة أسلوبه، إذ أن الكتاب أقرب مايكون في سلاسة السرد للأحداث فيه إلى أسلوب التقارير الصحفية وكتب الرحلات. وهذا يعود الى أن كلا المؤلفين صحفيان. والسبب الثاني يكمن في تغطيته لمجمل الأحداث التي مهدت لبروز الجماعات الإرهابية بتسلسل زمني سلس وواضح.

ومما يذكره الكاتبان في سياق تعريف التنظيم الإرهابي، بأن داعش ليست منظمة إرهابية وحسب بل مافيا تمارس كل أنواع التجارة السوداء خصوصا تجارة الأسلحة والبترول والآثار بعد سيطرتها على الموصل العراقية وتدمر السورية. أما من حيث التكتيكات المخابراتية فإن قدراتها قد أبهرت خبراء الجيش الأمريكي، خصوصًا في مجال التجسس والتجنيد. وهذه الخبرات ليست حديثة العهد بها لأن العديد من قيادات داعش كانوا ضباطًا في الجيش العراقي السابق وقياديون في حزب البعث المعروف بشدة اعتنائه بالمسائل التنظيمية.

 أما من حيث الوسائل والأدوات الفكرية «الإقناعية» وهي أهم سلاح لديهم كما يورد الكاتبان في ذيل المقدمة، يأتي نجاحهم في خداع الأغلبية السنية المقهورة في سوريا والمكون السني «المهمش» في العراق بأن التنظيم هو خط الدفاع الأخير عنهم في خضم هذه الحرب الطائفية المسعورة. ولنجاح هذه «التمثيلية» يرسخ التنظيم في خطابه لنظرية المؤامرة القائمة على ثلاثة أطراف رئيسية وهم إسرائيل أولًا والصليبيون وحلفائهم (كما يسميهم التنظيم) كالسعودية والخليج ثانيًا وأخيرًا إيران وعملائها في سوريا والعراق. لكن ما غفل الكاتبان عن الإشارة إليه، وهو أمر لا يقل أهمية عن كل ماذُكر آنفًا، هو شدة اهتمام التنظيم بالخطاب الدعائي التعبوي وتركيزه فيه على تحريك الوتر الثقافي-الاجتماعي بكل مضامينه الحية والمؤثرة. وقد أشار غيرهما الى ذلك ومنهم الباحث توماس هيجهامر Thomas Hegghammer الذي أطلق عليه مصطلح «الثقافة الجهادية» . jihadi culture ويقوم هذا التكتيك الدعائي على إثارة النوازع الثقافية التأريخية والدينية والقبلية… إلخ، وتحريكها وتأجيجها عاطفيا وشعوريا بحيث تطغى وتسيطر على الحس المنطقي. ولايختلف اثنان أن داعش استثمرت هذا المجال استثمارا كبيرا من خلال مايسمى بالأناشيد الجهادية. ولا يختلف اثنان أيضًا بأن تلك الأناشيد نجحت نجاحًا باهرًا في تجنيد الشباب والمراهقين وكسب تعاطفهم بل وحتى دفعهم لارتكاب عمليات إرهابية بتفجير أنفسهم.

 ورغم أن هذا التكتيك ليس جديدًا أبدًا، استخدمه المدافعون عن الحريات والأوطان منذ القدم بوازع أخلاقي وقضية عادلة، إلا أنه لم يمنع أن يتم استغلاله لصناعة الوهم من قبل أصحاب القضايا غير العادلة. فقد استخدمه أتباع الجنرال فرانكو إبان الحرب الأهلية في إسبانيا وكذلك استخدمته ألمانيا النازية عبر الإذاعة وبقوة لم يسبق لها مثيل آنذاك، ثم استخدمه الحلفاء كنوع من الدعاية المضادة وصار من يومها يُعرف بالسلاح غير القاتل.

عمومًا فإن المثير للإهتمام أن داعش نجحت في إحداث نقلة نوعية في هذا التكتيك سواء من حيث الأسلوب والتوقيت والظروف. فأما من حيث الأسلوب، نجد أن لغة تلك الأناشيد هي العربية الفصحى أو اللهجة النجدية وكلاهما أقرب لفطرة العربي من غيرهما من اللهجات، ناهيك عن القالب الشعري الكلاسيكي الرصين والاختيار الحريص جدا والدقيق للمؤثرات الصوتية والمرئية والكلمات المحركة للنوازع الثقافية الأخلاقية وجدانيًا (سيف رشيد، فجر جديد، إعادة الحق، إقامة العدل… إلخ) ونوازع الفروسية في زمن القهر وجلد الذات (أشباح ليل، فتيان هول، أباة الضيم، نفل الحديد… إلخ) والوتر الديني بشقين هما النفيري (يادين بالروح نحميك، نصرة دين الله، الاهتمام لأمر المسلمين، إعلاء كلمة التوحيد… إلخ) والتبشيري (حرق جيوش الصليب في دابق، فتح روما، تحرير بيت المقدس … إلخ). أمثال هذه الكلمات تلي وتسبق كلمات أخرى لو وضعت دونها لأفزعت السامع مثل كلمات الحرق والذبح والدم والهدم والتمزيق والتشريد والقتل والتفجير والتخريب والبطش والدمار. ومع الألحان الحماسية الشجية والأصوات القوية والمشاهد الهوليودية التي تحبس الأنفاس يتم تهريب مضامين الإرهاب وجدانيا إلى الفكر على غفلة من المنطق كما يتم تهريب المخدرات عبر الحدود على حين غفلة من الجمارك.

 إن الخطر هنا يكمن في التسويق للوهم بطريقة جعل الاختياري واجبًا والواجب مفروضًا والمفروض حتميًا لا مناص منه ولا مفر عبر الخلط الممنهج بين الديني والثقافي وربطهما بمشكلة الوجود والخلاص. أي بمعنى آخر شرعنة الطائفية والإرهاب وجدانيًا وعاطفيا كمدخل لقبولها والتسليم بها شرعيًا. ولو نظرنا بدقة أكبر لأدركنا كيف يلعب عاملا التوقيت والظروف بقضية التسويق للوهم لدى الخطاب الدعائي الداعشي. ففي فترات الضعف بعد طرد عشائر الأنبار والصحوات للقاعدة من الأنبار وغيرها في العراق كانت أناشيد داعش أقل دموية ووحشية مما أصبحت عليه بعد الاستيلاء على الموصل والأنبار وصلاح الدين عام 2014. فمثلًا نلاحظ في إصدارات «صليل الصوارم» أناشيد مثل:

صليل الصوارم نشيد الأباة (صليل-نشيد) (صوارم-أباة)

ودرب القتال طريق الحياة (درب-طريق) (قتال-حياة)

فبين اقتحام يبيد الطغاة (اقتحام، إبادة-طغاة)

وكاتم صوت جميل صداه (كاتم-جميل)

هنا تأتي الكلمات (طريق، حياة، أباة، طغاة، جميل) لتقنع السامع بأن لا غبار على الاقتحامات بالمفخخات والقتل بكواتم الصوت. وعلى هذا المستوى كانت معظم الأناشيد تأتي مغلفة للباطل بحق مشروع، وهذا يقع في ظل الوصف الذي ذكره كتاب ويس وحسن بـ«أن داعش تستند إلى شذرات من الحقائق (كظلم الحكومات وبطش المليشيات) وحقائق أخرى جيوسياسية لتدعي بانها تواجه مشروعا شيطانيا عالميا يُحاك ضدها! وقد يتساءل السائل: هل الكلمات وحدها تفعل كل هذا الفعل؟ والجواب نعم تفعل إذا ما اقترنت بمؤثرات صوتية ومرئية عالية المستوى كما هو الحال في أناشيد داعش.

عمومًا فهذا يعني أن داعش تعي تمامًا أهمية التكتيك الدعائي. ففي فترة ضعفهم، إضافة إلى نشيد «صليل الصوارم»، أصدروا أناشيد أخرى يناشدون فيها أهالي المناطق السنية ذات التركيبة القبلية ويمتدحون المدن وأهلها مدينة تلو أخرى. وكل هذه الأناشيد جاءت لتؤثر في النفوس خصوصًا مع شعور أهالي تلك المناطق بالضيم والقهر والتهميش.
ومع احتلالها للمدن واكتسابها للقوة، لم يعد في وسع داعش إلا المجاهرة بالرعب لتضمن سكون الأهالي من المدنيين بعد ابتلاعهم للطعم من جهة وخوف أعدائها من مواجهتها من جهة أخرى. ولهذا ظهرت اناشيد تسوق للوهم على طريقة الكاميكاز اليابانيين في الحرب العالمية الثانية، خصوصا إذا ماعرفنا أن كلمة كاميكاز باليابانية تعني الإعصار المقدس. ولهذه الغاية أصدرت داعش أناشيد مثل:

قريبًا قريبا، ترون العجيبا

صراعًا رهيبا، وسوف ترى

بعقر ديارك، تكون المعارك

لأجل دمارك، حسامي انبرى

وقد قمت بإسماع هذا النشيد لبعض زملائي من الباحثين في الدراسات الإنسانية (علم نفس وتاريخ ولغويات) ممن لا يتكلمون اللغة العربية وليسوا مسلمين. العجيب أنه أثر في نفوسهم حتى أن أحدهم قال لي أنه يشبه في إيقاعه طبول الحرب في معارك العصور الوسطى. وآخر قال لي أنه يرفع مستوى الأدرينالين مع أنهم لم يعرفوا فحواه! السبب هو تسارع النغم واقتصار البيت الواحد على أربع كلمات فقط إضافة إلى تكرار بعض الأصوات الصحيحة كالقاف والكاف والسين مع قافية الألف الممدودة (ترى، انبرى) والتي تعطي إيحاءً بالعظمة والقوة والمهابة. وأكثر شعر الفخر ينتهي بقافية الألف وأشهرها قصيدة عمرو بن كلثوم «ألا هبي بصحنك فاصبحينا».

 

وبالعودة إلى كتاب ويس وحسن لتسليط الضوء على ما لم يفلت من قلميهما، فإنهما أوردا في صفحة 16 و 17 معلومة تفيد بأن القاعدة ومن بعدها داعش كانت تولي اهتماما كبيرا باستغلال القيم التأريخية والإسلامية في النفوس. فعلى سبيل المثال يقول الكاتبان إن مكان المسجد الذي خطب فيه البغدادي خطبته في الموصل في 28 يونيو (حزيران) 2014 هو نفسه المكان الذي خطب فيه صلاح الدين الأيوبي خطبته التي أعلن فيها نيته التصدي للحملة الصليبية الثانية على بلاد المسلمين آنذاك. وقد أشار أكثر من باحث غربي كهيجهامر وإليزابيث كيندال إلى استغلال القاعدة وداعش للمضامين الاجتماعية-الثقافية لكسب الدعم المعنوي وخلق حاضنة شعبية لهم خصوصًا في المناطق السنية في اليمن والعراق وغيرهما. لكن كل هذا لم يكن لينجح لولا توفر عوامل أخرى أورد الكاتبان لمحة عنها، وأهمها دعم إيران!

ففي صفحة 18 وصفحة 19 يتحدث الكتاب عما قاله كولن باول لمجلة الأتلانتك عام 2006 بأن الولايات المتحدة كانت على علم بكل تحركات الزرقاوي خصوصًا بعد أحداث سبتمبر وأن نظام الرئيس السابق صدام حسين لم يكن له أية علاقة بالزرقاوي وإنما طهران. وقد قال باول بالحرف الواحد بأن إيران تريد السيطرة على العراق. وكان من ضمن سياستها لتحقيق هذا الهدف تقديم الدعم لجماعة الزرقاوي تكتيكيًا لاستراتيجيًا، وذلك عن طريق إمداده بالأسلحة والتجهيزات العسكرية ثم التعتيم على تحركاته والتغافل عنها.

 الكتاب يزخر في طيات صفحاته بشخصيات معروفة في الأوساط الإرهابية وحوادث وملابسات وجرائم وقعت لايتعدى الكاتبان في طرحهما أبعد من توثيق تلك الحوادث والشخوص وتقديمها للجمهور الغربي. إنما تكمن أهمية الكتاب في الإشارة إلى حقيقة أن القاعدة وداعش والمليشيات الطائفية الشيعية وغيرها من الجماعات المتطرفة كلها تلعب لعبة خطيرة جدًا وهي تفخيخ الإرث الإسلامي نفسه عبر استغلال فكرة إعادة إحيائه كوسيلة ومبرر للعنف الدموي. ويرى الكاتبان أن دوامة العنف الطائفي من ناحية الصراع المحلي والإقليمي لن تبقى محصورة في الشرق الأوسط بل ستتعداه وهو أمر يراه كلاهما حتميا لا مفر منه إذا استمرت الأمور على هذا الحال.

أما نحن العرب، فعلينا أن ننظر بجدية أكبر إلى الأهمية الكبيرة للأدب بوصفه مرآة لثقافتنا وركيزة أساسية في البحوث متركبة التخصص Interdisciplinary وليس فقط وسيلة للمتعة والتفاخر والشتم وجلد الذات. فمصطلح «أدب الإرهاب» لم يجر البحث عنه في محافلنا الأكاديمية كما يجب إلى يومنا هذا بينما جرت أقلام الباحثين حتى قطعت باعًا طويلًا في هذا المجال تناولت فيه أدب الإرهاب في روايات جوزيف كونراد وكيبلنغ وغيرهما منذ عهد الاستعمار وما قبله وتأثير مثل هذه الأنواع الأدبية في تجسيد العنف والظلم في المجتمع وصولًا إلى دراسات أدب الإرهاب باللغة العربية ماضيًا وحاضرًا، في وقت لانكاد نحس فيه بخطر أدب الإرهاب على مجتمعاتنا وثقافتنا وديننا. فهل من معتبر؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

ISIS: Inside the Army of Terror. By Michael Weiss and Hassan Hassan (New York: Regan Arts, 2015)
عرض التعليقات
تحميل المزيد