الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

فالقارئ للعنوان من الوهلة الأولى سيشعر بالصدمة والرفض الكلي للموضوع، لقناعتنا بأن هذا ليس من الإسلام في شيء، ولكن قد نُغفل جوانب قد تكونُ ذات أثرٍ كارثي علينا.

لن أقوم بتعريف داعش كما تعرفه التعريفات التقليدية، ولن أقوم بعرضه بشكل إعلامي، ولكني سأصرح بأن ما من نار إن لم يكن هنالك حطب!

نسمع كثيرًا من المحللين والعاميين يتداولون أخبارًا حول أصول تنظيم داعش، فمنهم من يقول هو صناعة أمريكية، ومنهم من يقول هو صناعة أجهزة استخبارات عربية، ومنهم من يقول هو من صنع اليهود، وقد أخالفهم جميعًا في الرأي فلو افترضنا أنه حقا صناعة هذه المؤسسات أو الأجهزة فمن أين أتى هذا العدد من المقاتلين لداعش وغيره من الفِرق؟! هل حقا تم بكل بساطة إغواؤهم! إذا كان هذا هو السبب حقيقة واقتنعنا به فنحن حمقى حتمًا! فمن المستحيل أن يحدث كل هذا وبهذه السرعة لولا وجود تقبل ودافع داخلي للتوجه إلى مثل هذا الشيء!

فلو افترضنا أن الولايات المتحدة الأمريكية هي من خلقت تنظيم داعش فمن أين أتت بمقاتليه؟ لم تقم باستيرادهم من كوكبٍ آخر! ولو كانت غير الولايات المتحدة فسنسأل ذات السؤال.

والواقع يشهد أنهم كلهم من أبناء جلدتنا فكيف يحدث هذا في دينٍ اتسم بالرحمة ونبذ العنف والتعصب والإرهاب!

الإجابة على هذا ليس بالأمر الصعب وليس بالأمر السهل في ذات الوقت فنحن نرى بأم أعيننا كيف تتم صناعتهم اليوم وذلك يكون بعدة أسس منها:

1- تكريس التعصب للمذهب العقدي رغم الادعاءات الكاذبة بعكس ذلك، مما نتج عنه نبذ كل مخالف لعقيدة الفرد وعدم تقبله، بل ووصفه بأبشع الألفاظ التي قد يرافقها تكفير الغير.

2- تكريس التعصب للمذهب الفقهي رغم الادعاءات الكاذبة بعكس ذلك أيضًا، فيوصف كل مخالف بالضال وهذا أمر مشاهد في عموم مجتمعاتنا ومن ينكر هذا فهو متملق يعيش في عالم النظريات بعيد عن الواقع.

3- الإسلام دين كامل ولكن إسلامنا نحن المسلمين إسلام نظريات، فنحن نصيح بالصوت العالي بأنه يجب علينا احترام الخلاف وأن الاختلاف رحمة، ومن يجتهد فيصيب له أجران ومن يخطئ فله أجر، وأنه كلٌ يؤخذ منه ويرد إلا النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن سرعان ما نرى عكس ذلك تماما في الميدان! فلا يقبل مخالفة الرأي بل ويسارع إلى وصفه بالضلال وتشويه صورة الدين «ومفاده نبذ الغير وإخراجه من دائرة الإسلام الصحيح في نظره» ولا يقبل أي اجتهاد جديد فيصفك بالمبتدع الضال الشاذ ومقولة كلٌ يؤخذ منه ويرد فهي أكبر نظرية معطلة عند المسلمين فقد أعطوا للتاريخ والسابقين قيمة القداسة والأسطورية فما عاد أحد يستطيع أن يرد منه شيء! فيجب عليك إلزامًا الاتباع والخضوع كالدواب! ولو حاولت رد شيء لن تسلم من قذفك بالضلال والكفر والعمالة لصالح الأجندات السياسية ضد الإسلام.

4- نشأ عند كثير من أبناء المجتمعات العربية قناعة تامة بأنه ليس هنالك أي دولة حالية تمثل الإسلام، بل إنها كلها تتجه نحو العلمانية وما شابهها مما نتج عن هذا الاعتقاد حاجة في نفوس الكثيرين إلى وجود دولة تمثل كيانهم الديني باعتقادهم.

لا يمكن وصف كل ما سبق بأنها ادعاءات واهمه بل إنها عين الحقيقة ومن ينكرها فما هو إلا مزيف للحقائق يحاول إخفاءها ظنًا منه أنه ينتصر لدينه بإنكارها، وما يفعله حقيقة لا يعدو عن كونه إلا زيادةً في جراح المكلوم.

هذه الأسس في ظني نتجت جراء التشدد والتزمت والتعنت للمذهب ولرأي شيوخ هذه الفئة وتحريم مخالفتهم ومعاقبة من يخالفهم فكان هذا أول الأسباب وللأسف فإن هذه الفئة المتعصبة منتشرة في شبه الجزيرة العربية بل وتكاد تكون المسيطرة عليها وهذا واضح للعيان.

وأما السبب الثاني فهو كامن في صلب العملية التعليمية، إذ أن تعليم طلاب العلم الشرعي في أغلبه قائم على التعليف! وما المقصود بالتعليف؟

فالتعليف هنا يقصد به فحوى المثل المشهور «لا تعطني سمكة بل علمني كيف أصطاد» فتعليمنا اليوم هو كالتعليف يتم وضع السمكة في فمك ولا يتم تعليمك كيف تصطاد، بل ويتم معاداتك ومهاجمتك من قبل كثير من المدرسين أنفسهم إذا حاولت الاصطياد بنفسك! فنشأ لدينا جيل متعصب لا إراديًا يحفظ ما يمليه عليه المدرس باختلاف مذاهب مدرسيهم وتعصباتهم.

قد ينتبه البعض فيقول إن الدواعش وأمثالهم ليسوا متعلمين أصلا ونسبة طلاب العلم الشرعي لا تتجاوز 3% منهم! وهنا يجب علينا توسيع مداركنا قليلا! فهذا الجيل الذي تعلم التعصب سواء من مشايخه أو من جامعته وما شابهها سيخرج إلى الميدان وسيعلم الصغار تعصبه وشذوذه وسيقف على المنابر ويعلم العوام أصول التعصب، فلا نستغرب وجود داعش وأمثالها إذ يتم زرع هذا التعصب والميول لتحقيق فكرة الدولة الإسلامية في نفوس الصغار والكبار!

ولا يسلم من كل هذا إلا من أخذ العلم من الراسخين البعيدين عن التشدد والتنطع، الواضعين للنظريات في حيز التطبيق، الساعين للفهم الصحيح لجوهر الإسلام والقائم على نبذ التعصب واحترام الغير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد