غالب سكان نينوى هم عرب سُنة، مع أقلية مسيحية وتركمانية وكردية. وأقضية ونواحي نينوى بعضها العرب فيها أقلية، ولكن الجميع أصابتهم الجوائح بسبب سيطرة داعش، وعانت الطوائف والقوميات والديانات أكثر من العرب السنة.

ويبدو أن مرحلة تحرير نينوى لن تنجز إلا إن وجدت مواقف محلية شجاعة تواجه داعش والانتماء العشائري والديني والقومي والأيديولوجي، وإلا فإن نينوى سوف تذهب في ظلمات حرب أهلية، أو بأيد مستبدة ضعيفة تحكم بسبب الجغرافيا والعنصر لا بسبب الكفاءة.

إزالة داعش من المناطق السنية أحد أهم التحديات التي ينبغي تجاوزها، فبعد ما يقارب سنة ونصفًا من احتلال داعش، يأتي زمن التحرير لـ٩٥٪ من محافظة صلاح الدين ومثلها في ديالى، فهل تتحقق الأماني وتتحرر نينوى التي أُهرقت بسببها كل تلك الدماء؟

واليوم تستقبل معسكرات التطوع من أبناء نينوى في أربيل المئات من الراغبين في محاربة داعش، وسوف تكون حربهم ضد داعش أشبه بالثورة الحاسمة وأقرب للتطهير الشامل للخلاص التام من أذى الإرهاب، والمتطوعون من أبناء نينوى أصبح لديهم واضحًا من يمثل بؤر الفساد والاستبداد السياسي، التي جلبت إليهم داعش.

وعملية التحرير القادمة ستعيد ترتيب مراكز القوة، فلا ضباط مرتشون ولا قضاء متحيّز، بل أبناء نينوى المقاومون لداعش هم الأمن والقضاء…تحرير نينوى المنشود يحتاج إلى قيادة مؤسسة تُبنى على مؤسسات، ولهذا فإن الوصول للتحرير الكامل من أصعب الطرق، لكونه يحتاج ثقافة تعايش جديدة، فحكم داعش أثر في المجتمع من جهة التعليم والسلوك، وداعش جعلت من البغدادي الحاكم بأمر الله يملك كل شيء ويحكمه، ومن بعده لا شيء، فلم يترك لنينوى تقليدًا ولا جماعة دينية تختلف معه، ومع هذا فإن فكرة “لجان تحرير نينوى” على ضعف إمكانياتها هي الاستعداد لمرحلة ما بعد داعش.

قد يستغرب البعض إعادة إحياء الحديث عن دور أهالي نينوى في التحرير، ويتعامل معها كخلايا سرية غير منتجة عسكريا كثيرًا، وأن لا فائدة من إعادة ذكرها بين فترة وأخرى، والرد على هذا التعليق أن هذه الخلايا هي جزء من منظومة المقاومة والحرب على داعش في المنطقة يجب أن يروى تاريخهم البطولي من وجهة نظر الآخر، وجزء من تاريخ المقاومة ومحاولات  خلق حرب تدوين ومعلومات استخبارية نشرت غسيل داعش وهو جهد مدني موازٍ للجهد الاستخباري الحكومي.

رصْدُ هذا التاريخ ضرورة لإنصاف من غُيب عن الذاكرة من رموز هذه المرحلة من الشهداء والسجناء، أيضًا أن نينوى ذات خصوصية أو طبيعة مختلفة عن المحافظات الأخرى، وهي جزء مهم من العِراق، يؤثر ويتأثر بالمتغيرات الإقليمية والدولية.

بداية سقوط نينوى كان ارتدادًا لأحداث عالمية كبرى، فبعدها أعلن البغدادي دولة الخلافة، وتأسيس الحشد الشعبي، وإزاحة المالكي عن الولاية الثالثة، وظهور التحالف الدولي بقيادة أمريكا، كل ذلك كان  له تأثير على العالم و دول جوار العراق، وتسبب في ظهور تحالفات ومصالح سياسية مختلفة وجديدة..وولدت تلك الأحداث الكبرى فرصة فرضت روسيا الاتحادية كدولة منافسة للتحالف الدولي في سورية والعراق، وأعطت إيران قوة في حواراتها النووية.

الحديث بالتفصيل عن المقاومين من أبناء نينوى ومدونيها ومصادر المعلومات الاستخبارية الإرشادية غير سهل، ليس لقلة المصادر الإخبارية فقط ولكن لتداخل كثير من الحكايات في بعضها، فالمقاومة هناك كلمة عريضة يدخل فيها العرب والكرد والتركمان والإيزيدية والشبك والمسيحيين.

والمتتبع لخلايا المقاومة في نينوى يجد صعوبة تصنيفها لأنها خلايا محلية ومناطقية تتفق في الإطار العام، فهي تمثل أبناء نينوى وتؤمن بمبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية ومناهضة داعش ومباركة التعايش، ولكن يختلفون في تفاصيل معينة، وقد ينتسب لخلايا المقاومة في الجماعة الواحدة أشخاص مختلفون، فمنهم ذو توجّه قومي وآخر ديني لكنهم متفقون على أهداف عامة..وكذلك بسبب المخاطر الأمنية وتأثير جواسيس داعش فإن هذه الخلايا كثيرًا ما كانت تنحل، ويحدث اندماج لبعضها مع خلايا أكبر.

قام تنظيم داعش بإحداث تغييرات بنيوية مجتمعية؛ فالقتل والمجازر الجماعية والخطف والسلب والنهب والتهجير الجماعي القائم على الفكر التكفيري، خلق قضية المهجرين والنازحين، التي فشلت الحكومة العراقية بالتعامل معها كما يليق ويجب.

لا شك بأن إخفاق الإعلام الحكومي في التعامل مع احتلال داعش لنينوى قد انعكس بشكل سلبي على السياسة الداخلية للحكومة، وبمزيد من التصلب والتلكؤ تجاه مطالب المقاومة من أهالي نينوى، بل تعاملت معهم بمزيد من التضييق على النشاط العسكري المتعلق بمعسكرات المتطوعين.

داخليًّا هناك أشياء كبيرة تقلق داعش، بل يبدو في كثير من الأحيان قسوة داعش وردة فعلها تجاه الأنشطة الخاصة بالمدونين قاسية ومبالغًا بها وغير مفهومة للكثير حتى كتاب الفكر الجهادي، لكن العارفين بما يدور في داخل نينوى من استهدافهم لداعش في قياداتها ومخازنها ومقراتها ومعسكراتها وحركاتها، يقدَّرون أهمية هذا النوع من المقاومة، فهم لن يسمحوا لداعش بتحصيل مكاسب الاستقرار من خلال توفيرالمعلومات النافعة والمهمة مهما كان حجمها ونوعها.

يعاني عشرات الآلاف من الأشخاص في غرب العراق من مشكلة سيطرة تنظيم داعش، وتكاد لا تخلو قرية من تلك المنطقة من وجود ظاهر لعناصر داعش. في البعاج والقائم والرطبة وفي المناطق الحدودية تحديدًا يوجد ما يقارب ٤٠ ألفًا من الأهالي والذين يمكن أن نطلق عليهم مصطلح “المتعايش تحت سلطة داعش”.

أن يكون الشخص متعايشًا مع داعش، يعني أن لا يعتبر له حق بالحياة من قبل الدولة المتحالفة بالضد من داعش، كما ينعدم الرابط القانوني بينه وبين الدولة التي ولد ويعيش فيها، فليس له حقوق وهو متهم والكل يسيء الظن به.نشأت ظاهرة المتعايش مع داعش مع احتلال داعش المناطق الغربية والشمالية في العراق وحيث عمدت داعش إلى تذويب الهوية الوطنية والقومية وتفعيل المناهج الداعشية، حيث توجب على الأهالي التحاكم إلى شرعية تفرض عليهم عادات وتقاليد فيها رهبانية وتطرف.في غرب العراق بعد هزيمة قوات الحكومية العراقية واندلاع موجة التمدد الداعشي في حزيران ٢٠١٤، سعت داعش لتطوير هويتها الخاصة، لتواجه مسألة من هم السنة الذين يشملهم مفهوم المؤمن بداعش والذي يستحق الأمان والكفالة المالية.

وقد كان للظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية أثر كبير على انخراط نسبة كبيرة من أبناء تلك المدن مع داعش.وربما يتواجد بضعة آلاف من الدواعش في منطقة غرب الأنبار لأسباب عدة، منها: التداخل العشائري مع عشائر سورية، وأن معظم أبناء تلك المنطقة ممن عارض جميع القوانين الحكومية الخاصة بضبط الحدود كونهم يعتاشون على التهريب والسوق السوداء الممنوعة، وأن الغالبية العظمى من أهالي تلك المناطق لديهم طباع التدين الفطري السلفي، ولديهم تشابه كبير في العادات والتقاليد مع ضوابط داعش، وتعتبر هذه المنطقة هي مناخًا خصبًا لنمو هذه الجماعات كونها تحتوي على جغرافية متعددة يصعب متابعة المطلوبين فيها، فهي صحار وتلال وشقوق أرضية، وبالتالي هي مخازن سرية طبيعية وأماكن صعب التجسس عليها، فهي صالحة للمعسكرات والدورات الشرعية والإعداد البدني والتدريب على الأنواع المختلفة للسلاح.

بعض هذه الجماعات لا يمتلكون وثائق رسمية وهم اعتادوا على الترحال في تلك المنطقة بين الاْردن وسورية والعراق وربما السعودية إذا تيسر الأمر، من أجل ذلك لا يرغبون في الحصول على أوراق إثبات الهوية ورغبتهم في ممارسة حياتهم بدون أي وثائق رسمية، وفي أثناء تشكل داعش كان عدم الحصول على الوثائق مستقيمًا مع أسلوب الحياة الذي تتبعه هذه الجماعات والذي يقوم على الترحال الدائم. ولا تقتصر حالات انعدام الوثائق الرسمية على أبناء القرى الحدودية بين العراق وسورية، بل يوجد أعداد من المهاجرين الأجانب ممنأحرقوا جوازات سفرهم وتبرؤوا من جنسياتهم الوطنية، والذين تركوا بلدانهم ليستقروا في منطقة غرب الأنبار إما لأسباب أمنية أو اقتصادية أو بسبب “الجهاد”، مثال على هؤلاء المهاجرين جماعات “القوقازية والمغاربة”.

يتواجد هؤلاء المهاجرون في جميع القرى الحدودية على طول ٣٥٠كم، ويتركز غالبيتهم في المنطقة الغربية بين البعاج ومنطقة الرطبة التي يطلق عليها تنظيم داعش ولاية الفرات، وهم من أبناء القبائل التي كانت تتنقل بين السعودية والعراق والكويت والأردن مثل قبائل شمر وعنزة والكرابلة والسلمان والحسينات والعكيدات.

مدينة القيارة هي مقر القيادة والسيطرة لولاية دجلة في جنوب الموصل، داعش فتحت الباب أمام الوجود الكثيف للمهاجرين من جيش دابق، وخاصة كتيبة الصارم البتار(وهم خليط من شمال أفريقيا وشرق سورية والقليل من الخلايجة)، لأن داعش تعتقد أن عشيرة الجبور لا أمان منهم والتي كانت موالية للحكومة والعمل السياسي في القيارة قبل أن تسقط نينوى..

والقيارة فيها آبار نفط هرمة ومصفاة قديمة ومخازن سلاح ومعسكرات وأحياء سكانية واسعة عامرة بالأهالي، يمكن استعمالها دروعًا بشرية.

عسكريًّا بعد النصر في معركة سنجار القادمة، ستكون القيارة منطقة هشة يمكن تحريرها بالتعاون مع أهلها ولعلها تكون هي بوابة تحرير الموصل.

سجل مدونو نينوى أن الوجود العسكري والأمني لداعش لم يكن كافيًا لإحداث التغيير الاجتماعي والثقافي لدى أهالي مدن وقرى جنوب نينوى، ولم  يؤمن إلا القليل من الأهالي بهؤلاء الذين جاؤوا في ركب داعش، وعملوا في خدمتها، سوى ما كتبه المدونون عن المنافقين والتكفيريين الذين انضموا لداعش لحاجات مالية ولتقارب بالأفكار التكفيرية، وقد ظهرت هناك عمليات ثأر عشائرية تسببت بمنازعات واقتتال بينهم.

وما كتبه المدونون عن سياسة داعش وتطرفها ضد من لم يبايع من الأهالي هو الكثير، وما خلفوه من إساءات واضطهادات وإعدامات تمثل أهمها في مدينة القيارة نفسها.

للدواعش محاولات كثيرة لتغيير عادات وتقاليد أهالي القيارة إلى سمات داعشية في الملبس والتدين والسلوك الشعبي، وما يرتبط بها من تقاليد وممارسات..لكن أهم ما يلفت النظر أنه لا تفاعل حقيقي بين الدواعش الأجانب “المهاجرين” والعراقيين “الأنصار”، ولأن وجود عشيرة الجبور الكثيف في جنوب نينوى مهّد السبيل إلى أن تكون داعش غير مستقرة وليس هي بالمدينة الآمنة لسكن المهاجرين من عامة الدواعش ومن كبارهم على السواء..

وإذا كان التراث الشعبي الموصلي الأدبي قد تجاهل الدواعش، فإن الثقافة الشعبية لقرى ومدن جنوب نينوى حافظت لنا على الكثير من مفردات العادات والتقاليد الموصلية الأصيلة. وهو ما يعني، في التحليل انعدام التفاعلات على مستوى العلاقات بين الأهالي الموصليين وبين الدواعش المهاجرين.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد