يقف المرء حائرًا عاجزًا أمام مسرحيات وألاعيب القوى العالمية والإقليمية، في حين تصبح حقيقة وموضوعية المعلومة مرهونة بمصدرها، فكل وسائل الإعلام تتحول لجند تخدم أجندات القوى التي تملكها وتديرها.

هي محاولة لفهم الأسباب التي تجعل تنظيم داعش يظهر أكثر وحشية من النظام السوري، ليس جهدًا للتقليل من حجم إجرام الأول بل لنعرف كيف تتسامح أطراف عالمية مع إجرام النظام السوري وتدعمه فئات شعبية لا يستهان بعددها داخل مجتمعاتنا!، كيف انحرفت الأنظار عن مصدر العنف ومنشؤهُ، إلى نتاجه وتبعاته، وجود «الشبيح» داخل مجتمعاتنا لا يقل خطورة عن وجود «الداعشي»، غير أن أحدهم يبرز إرهابه من خلال نظام مستبد، وآخر لا يعترف بالأنظمة ويمكن أن ينشط ويرهب الناس منفردًا دون الحاجة لقوانين تشرعن فعلته ونظام يدعمه.

من ناحية كمية إحصائية فإن النظام السوري يتفوق على إجرام داعش بمئات المرات، ويسبقه بعشرات السنوات، أما من ناحية كيفية نوعية فكل طرف يحذو بطريقته الخاصة في إبادة وإهلاك البشر، لكن مع ذلك فإن الصورة المصدرة تجعل من داعش أكثر توحشًا من النظام السوري، لذلك قمت بالتأمل وملاحظة الأسباب التي تساهم في تعزيز هذه الصورة.

أسهم الكثيرون في البحث والكتابة عن نشأة وأصول داعش بل وكشف الأسرار وراء غموضه ومن يقف وراء هذه التنظيم المجهول، لكني في هذه التدوينة أناقش جزئية أخرى، وهي الصورة الظاهرة واختلافها بين داعش والنظام السوري، وليس الهدف إلا هذه الجزئية المحددة.

1- المجتمع الدولي واللعبة السياسية

يلعب المجتمع الدولي دورًا مهمًا في السياسات العالمية والإقليمية، وبسبب امتلاكه القوة فإنه يفرض قواعد الممارسات السياسية، ويحدد المشروع والمحظور وفق مصالحه الإستراتيجية في مختلف مناطق العالم، فتدخُّل الدول الغربية في شؤون الشرق الأوسط لم يكن يومًا إلا لحماية مصالح الغرب في الشرق.

وعليه فإن منطلق التعامل مع أي طرف (دولة أو تنظيم) في الشرق الأوسط مرهون بمدى توافق هذا الطرف مع شروط ومعايير المجتمع الدولي، والامتيازات تكون بحسب الخدمة المقدمة للغرب، وليست الديمقراطية هي الفاصلة، ولا يوجد اعتبار لحقوق الإنسان وطبيعة النظام الحاكم.

لذلك فقبول أي طرف في اللعبة السياسية الدولية متعلق بشكل مباشر بمدى توافقه مع السياسة الدولية للمجتمع الدولي، غير ذلك يعني استخدام كل أساليب القوة من قِبل الدول الغربية للانقلاب على من لا يتوافق مع سياساتهم، ويبدو أن النظام السوري عرف كيف يحفظ شرعيته عند المجتمع الدولي.

نرى ذلك جليًا في الثورة السورية وكيف تقوم الدول الغربية في حظر مشروعية بعض التنظيمات الثورية لمجرد عدم رضاها عنها، وفي المقابل فإنها ما تزال تتعامل مع النظام السوري المُجرم على أنه طرف رسمي في المفاوضات.

علاقة داعش بالمجتمع الدولي مجهولة لنا، لذلك تعرضت للمجتمع الدولي وموقفه من النظام السوري، والتنظيمات الثورية بشكل عام، ولم أتعرض لداعش لأن علاقته كما قلت مجهولة ومبهمة لنا. المهم، هو التشديد على دور المجتمع الدولي وسياساته الانتقائية الخداعة تجاه النظام المستبد في سوريا.

2- الطائفية والتكفير مقابل الوطنية والممانعة

تسويق الفكر الطائفي التكفيري الإقصائي من قِبل داعش مقابل تسويق مشروع الممانعة والتغني بالوطنية والعروبة، لا يمكن التقليل من أهمية ما يبثه كل طرف من أفكار حول ذاته، فتصر داعش على تسويق الطائفية والتكفير وحتى الفئوية الضيقة، بينما يصر النظام السوري على حمل راية «الممانعة». صحيح أن داعش صريحة وواضحة فيما تعلن عنه وتبثه من أفكار ومعتقدات، وصحيح أن النظام السوري يكذب ويخفي الحقيقة، إلا أن الأثر يكون عند بعض الفئات المخدوعة والمهومة بمشروع الممانعة والمقاومة، وبعض الطوائف التي رأت المصلحة في تدعيم النظام السوري لحماية وجودها.

3- إعلان إقامة الدولة

فيما يبدو لي أن أكثر ما أزعج المجتمع الدولي، والدول المجاورة للعراق وسوريا هو إعلان إقامة «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، في تلك اللحظة كانت اللحظة الحاسمة أو ربما الفارقة بين داعش والمجتمع الدولي، فلا مشكلة مع وجود داعش كتنظيم يعيث في الأرض فسادًا، ويزيد من تأزم الحال في المنطقة العربية، لكن الخوف من تطور فكر هذا التنظيم لإعلان قيامة دولته.

يرتكزالمجتمع الدولي على مفهوم الدولة عند «ماكس فيبر» هو «كيان سياسي يستطيع أن يتحكم في الاستخدام المشروع للعنف في إطار جغرافي معين على مجموعة معينة من الأفراد»، لذلك لا مشكلة لدى المجتمع الدولي لو بقي النظام السوري يقتل شعبه ليل نهار وعلى مسمع ومرأى العالم بأسره، لكن مشكلتهم عندما تضيع البوصلة وتنتشر الكيانات والتنظيمات التي تستخدم العنف في إطار جغرافي واحد – أضف لذلك إعلان إقامة الدولة -، لأنها بذلك تفقد العنوان للتعاون والحفاظ على المعادلة في المنطقة، إضافة لتعريف «ماكس فيبر»، فإن المجتمع الدولي يشرع استخدام أساليب العنف التي لا تسبب الخطر عليه وعلى مصالحه وسيادته، فكانت مشكلتهم مع نظام الأسد في استعماله السلاح الكيماوي ولم تكن مشكلتهم أبدًا في أنه قتل مئات آلاف السوريين ودمر البلاد وهجّر العباد، وكانت مشكلتهم مع داعش إعلان إقامة الدولة ولم تكن مشكلتهم مع فظاعة داعش قبل وبعد قيام «دولتهم».

4- قريبًا قريبًا.. الإعلام والترويج

بينما كان يعمل النظام السوري بكل أذرعه الإعلامية – التي زورت عديد الوقائع – لتجميل صورته ومحاولة دحض الادعاءات التي تتهمه بفعل المجازر والإبادات الجماعية، دأب تنظيم داعش على تصدير أبشع المشاهد الوحشية، والملفت في هذه الجزئية أن التنظيم لم يترك للإعلام أي فرصة في المبالغة والتهويل، بل قام هو بالمهمة وأخرج فيديوهات بتقنيات عالية توثق إجرامه النوعي.

كان الفرد من داعش يصر على أن يظهر في مظهر المرعب، وانقطع عن العالم التواصل، بينما حافظ أعضاء النظام السوري على علاقتهم بالمجتمع الدولي والإعلام، وحتى مشاركتهم في حلقات الاتجاه المعاكس على قناة الجزيرة القطرية التي تعتبر رأس الحربة الإعلامي ضد النظام السوري.

5- الحل العسكري الإستراتيجي مقابل السياسة والدبلوماسية

تحاول داعش بناء نظامها المستقل عن عالم السياسة، فهي كما يبدو لا تعترف إلا بالحل العسكري الإستراتيجي ولا تعترف بالمفاوضات والحلول السياسية والدبلوماسية، في المقابل عمل النظام السوري على التواجد في جنيف للتفاوض، فرغم وحشيته في الميدان لم يتنازل عن حقه الممنوح من المجتمع الدولي وقام طوال الوقت بالتواجد في المشهد الدبلوماسي، من استقبال للوفود والمشاركة في بعثات ومفاوضات حول الأوضاع في سوريا. هذه السبب مرتبط مع السبب الأول، حيث أن هذه الممارسة متعلقة بالمجتمع الدولي ومدى علاقة الأطراف معه. فنظام الأسد جزء من المنظمومة، وعمل على التواصل والتعامل معها ليؤمن مكانته دوليًا.

6- باقية وتتمدد.. التوسع الجغرافي

أطماع تنظيم داعش لم تتوقف عند إعلان إقامة دولته، فأيديولوجيته تقضي بتوسيع الرقعة الجغرافية حتى الوصول للهدف المنشود، وهو إعادة نظام الخلافة في أقطار العالم الإسلامي، هذا السبب دفع بالكثير من الدول للاصطفاف وقتال التنظيم، لأنه بات يشكل خطرًا إستراتيجيًّا على جغرافيتهم السياسية، بينما النظام السوري يمثل الدولة السورية بحدودها المتعارف عليها اليوم، ولا توجد لديه أي نية في التمدد والتوسع الجغرافي، بل الأنكى من ذلك أنه لم يبادر لاسترجاع الجولان المُحتل منذ عام 1967م، لذلك فإجرامه مقتصر على شعبه، والدول الحديثة يهمها حدودها وأراضيها، فمادام نظام الأسد لا يشكل خطرًا إستراتيجيا على الدول المجاورة أي الدول الغربية فلن يحصل أي نوع من التدخل المباشر لإسقاط النظام.

7- الخوف من المجهول

يظهر للعيان من يقف وراء النظام السوري، ومن يدعم تشبثه في الحُكم. لكن الأمر يختلف تمامًا فيما يتعلق بداعش، فحتى اليوم لم يعرف عن الداعمين الحقيقيين للتنظيم، كيف نشأ، ومن أين جلب عتاده، ولمن يبيع النفط الذي يسيطر عليه وأسئلة كثيرة، المجهول مخيف ولا يمكن الوثوق به وإن كان يظهر خيرًا.

الخوف كذلك من المستقبل المجهول تحت حُكم داعش، فالناس يخافون الجديد، فكيف يكون الخوف من المجهول المُخيف!

  • ما أهمني هو نقاش الأسباب، وليس مصداقيتها بقدر فاعليتها في تشكيل الوعي العام. ناقشت الأسباب التي شكلت هذه الصورة، بغض النظر عن أخلاقية ومشروعية أدواتهم المستعملة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد