حادثة تتلوها حادثة، تتبعها أخرى، يسبقها تفجير، يتخللهما هجوم على كمين.. الأمر أصبح مرعبًا، وتجاوز حدّ العمليات الفردية المتناثرة التي تحدث في جميع دول العالم بلا استثناء، وبلا أي قدرة على كبح جماحها، ولكنها تظل مجرد عمليات فردية تحدث على مدى طويل وغير متصل، لا شك أنها تَحدُث ويتضرر منها كثيرون، ولكنها لا تحدث بنفس الكم والآثار البشعة التي تحدث بها هنا في مصر، وفي سيناء على وجه الخصوص؛ حقل هؤلاء الأوباش ومرتع هذه الحشرات المتطرفة القذرة التي يفوح منها عفن الغباء وضيق الأفق؛ هؤلاء الإرهابيون المساقون كالغنم خلف مجموعة من مَرضى القرون الوسطى المغشيين بأفكار صدئة عتيقة، الحالمين بالقيادة والزعامة دائما وأبدًا.

بغض النظر عن القدرة الأمنية المكلومة التي نعاني منها في مصر نسبة إلى دول الغرب، وهذا شيء طبيعي في بلد ضرب الفساد فيه بجذوره وأصبحت الرشاوى قانونًا مسلمًا به في التعاملات، طبيعي جدا أن يكون تهريب الأسلحة والمرور بها عبر الحدود أسهل وأيسر، ولكن دعونا من هذا فهناك أسباب أخرى أهمّ من ذلك هي حجر الأساس في وجود مثل هؤلاء!

هنا في الوطن العربي وفي مصر بالتحديد يوجد لدينا نموذجان لا نراهما في دول الغرب، فقط يتركزان عندنا ونادر جدًا أن ترى أفرادًا منهما في دولة كالنرويج أو سويسرا أو بريطانيا أو إسبانيا… النموذج الأول هو الداعشي المسالم؛ وهذا النموذج تستطيع أن تراه كل يوم وفي كل مكان، منذ فترة أقام موقع الجزيرة.نت استطلاعًا للرأي عن توسعات داعش في سوريا والعراق، وكانت النتيجة أن 90% يؤيدون ذلك، هم كثير من العامة والبسطاء، تربوا على تقديس التراث وإحاطته بهالة من الإجلال والهيبة، تربوا على ذلك مما يسمعونه في خطابات الشيوخ ورجال الدين على المنابر وفي الراديو والقنوات التليفزيونية وفي خطب الجمعة، ومنهم من درس في الأزهر وتلقن ذلك هناك، حتى تشبَّع بسيطرة التراث والمفكرين الأوائل على عقله.. هذا الشخص عندما يبحث في كتب التراث، أو يتعثر في مقولة من أحد كتب التراث ويجد أنها تتوافق إلى حد كبير مع ما يفعله داعش؛ فلا يملك إلا أن يؤيدهم ويناصرهم ولو سرًا.. فمثلا بعد تفجيري كنيستي طنطا والإسكندرية الأخيرين، أذاع داعش فيديو مصورًا يقول فيه إنه قام بهذا التفجير استنادًا إلى أحكام الشروط العمرية التي أوردها ابن القيم الجوزي في كتابه أحكام أهل الذمة والتي تتضمن الآتي:

«كتب أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غنم: إنا حين قدمت بلادنا طلبنا إليك الأمان لأنفسنا، وأهل ملتنا على أنا شرطنا لك على أنفسنا: ألا نحدث في مدينتنا كنيسة، ولا فيما حولها ديرا، ولا قلاّية (بناء كالدير)، ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب من كنائسنا، ولا ما كان منها في خطط المسلمين، وألا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، ولا نؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوسا، وألا نكتم غشا للمسلمين، وألا نضرب بنواقيسنا إلا ضربا خفيفا في جوف كنائسنا، ولا نظهر عليها صليبا، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون، وألا نخرج صليبا ولا كتابا في سوق المسلمين، وألا نخرج باعوثا – والباعوث يجتمعون كما يخرج المسلمون يوم الأضحى والفطر- ولا شعانين (عيد للنصارى)، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وألا نجاورهم بالخنازير، ولا نبيع الخمور، ولا نظهر شركًا، ولا نرغِّب في ديننا، ولا ندعو إليه أحدًا، ولا نتخذ شيئا من الرقيق الذي جرت عليه سهام المسلمين، وألا نمنع أحدًا من أقربائنا أراد الدخول في الإسلام، وأن نلزم زينا حيثما كنا، وألا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، وأن نجزَّ مقادم رؤوسنا، ولا نفرق نواصينا، ونشدُّ الزنانير على أوساطنا، ولا ننقش خواتمنا بالعربية، ولا نركب السروج، ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله، ولا نتقلد السيوف، وأن نوقر المسلمين في مجالسهم، ونرشدهم الطريق، ونقوم لهم عن المجالس إن أرادوا الجلوس، ولا نطلع عليهم في مجالسهم، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا يشارك أحد منا في تجارة إلا أن يكون إلى المسلم أمر التجارة، وأن نضيف كل مسلم عابر سبيل ثلاثة أيامٍ، ونطعمه من أوسط ما نجد. ضَمِنَّا لك ذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكيننا، وإن نحن غيّرنا أو خالفنا عمّا شرطنا على أنفسنا، وقبلنا الأمان عليه، فلا ذمة لنا، وقد حل لك منا ما يحل لأهل المعاندة والشقاق.

فكتب بذلك عبد الرحمن بن غنم إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكتب إليه عمر: أن أمض لهم ما سألوا، وألحق فيهم حرفيين اشترطهما عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم: ألا يشتروا من سبايانا شيئًا، ومن ضرب مسلمًا عمدًا فقد خلع عهده.

فأنفذَ عبد الرحمن بن غنم ذلك، وأقرَّ من أقام من الروم في مدائن الشام على هذا الشرط».

هذا ما أورده ابن القيم في كتابه، ونفذه داعش بالحرف، ودعمه وأيده مقدسو التراث ومفكرو الماضي! تذكر الوثيقة أنه إن خالف النصارى هذه الشروط -تقريبا خالفوها كلها بالفعل- فهم أهل شقاق ويجوز معاملتهم معاملة الخوارج المنشقين!إن كنا نريد التقدم خطوة للأمام فيجب علينا أن ننظر ونمحص في كل شيء مقدس ولا نسلم لشيء ولدنا عليه، يقول د.ذكي نجيب محمود: «وعقيدتي أن في تراثنا العربي -إلى جانب عوامل القوة التي سنذكرها في حينها- عوامل أخرى تعمل فينا كأبشع ما يستطيع فعله كل ما في الدنيا من أغلال وأصفاد، وأنه لمن العبث أن يرجو العرب المعاصرون لأنفسهم نهوضًا أو ما يشبه النهوض، قبل أن يفكوا عن عقولهم تلك القيود، لتنطلق نشيطة حرة نحو ما هي ساعية إلى بلوغه، إنه لا بناء إلا بعد أن نزيل الأنقاض ونمهد الأرض ونحفر الأساس القوي المكين».

أما النموذج الثاني فهو الداعشي متكامل الأركان، وهو إنسان لا فرق بينه وبين الداعشي المسالم سوى أن الداعشي المسالم يعيش حياة مستقرة إلى حد ما، ولا يعاني من مصائب وكوارث، بالطبع يتخللها بعض المشاكل ولكن نسبة إلى الداعشي المتكامل فحياته حياة دعة ورخاء؛ فحتى يتحول إلى طوره الأخير من الداعشية يجب أن يمسه فقر وجوع واضطراب ومعاناة أو يمسه ظلم وتعذيب وإهانة فيمتلئ قلبه غيظًا وحقدًا ويسانده شعور الرغبة في الانتقام ممن ظلموه من شرطة أو قضاء أو أي مؤسسة أخرى، فيُعمل فيهم فكره الباطن في جوفه، ويضمن مكانًا في الجنة بدلا من الدنيا التي خسرها وعانى فيها!

لكي نقضي على معضلة الإرهاب، علينا أن ننظر في كل هذه القضايا ونعاينها ونبحث لها عن حلول، الطامة الكبرى أن ترى مسؤولا حكوميًا أو أمنيًا يطل علينا ليخبرنا أن كل ما يحدث هو نتيجة للمخطط الخارجي لتدمير مصر وتحطيمها وتفكيك عزيمة وترابط أطيافها من مسلمين ومسيحيين وغيرهم! كفى عبثًا وحمقًا باعتقاداتنا أن هؤلاء الإرهابيين هم مجرد مرتزقة لإسرائيل أو أمريكا، كفانا نومًا في أحضان نظرية المؤامرة الغبية، أوَلا يؤلمكم دماء ضحايا هذه العمليات الإرهابية الغادرة، أوَلا يؤلمكم حتى هؤلاء الشباب الذين يفجرون أنفسهم بأحزمة ناسفة جراء وقوعهم في وحل أفكار صدئة، أوَلا يؤلمكم نحيب أهاليهم وأهالي ضحاياهم، يا ليتكم تفيقون قبل أن تدور الدائرة على أهاليكم وذويكم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد