في عام 1935م، نشأت المنظمة العسكرية القومية “أرغون”، التي تم وسمها بالإرهابية في وقت لاحق من قبل البريطانيين نتيجة انشقاقها عن منظمة الهاغانا (الذراع العسكرية للوكالة اليهودية).

وفي عام 1940م، وبعد موت المفكر والسياسي اليهودي جابوتنسكي حدث انشقاق في منظمة الأرغون فخرج أبراهام شتيرن ليؤسس مجموعةً أَطلقت على نفسها (المحاربون من أجل حرية إسرائيل) المعروفة بمنظمة شتيرن، والتي كانت تقول عن نفسها إنها تخوض حربَ تحريرٍ وطنيةٍ ضد الانتداب البريطاني على فلسطين.

وفي عام 2004م -وبعد احتلال العراق من قِبَل الولايات المتحدة الأمريكية- أسس الأردني أبو مصعب الزرقاوي جماعة التوحيد والجهاد التي بايعت القاعدة في عام 2006م، وبعد مقتل الزرقاوي أعلن التنظيم قيامَ الدولةِ الإسلامية في العراق، والتي أصبحت في عام 2013م الدولة الإسلامية في العراق والشام، ومنها إلى إعلان تأسيسِ دولةِ الخلافة الإسلامية في يونيو 2014م. ويهدف أعضاء هذا التنظيم -كما يدعون- إلى إعادة الخلافة الإسلامية وتطبيق الشريعة.

ويتساءل هنا الكثيرون: ما الذي يجمع أسماء تنظيمي الأرغون وشتيرن اليهوديين الإرهابيين مع تنظيم الدولة الإسلامية الذي يوسم هو الآخر بالإرهابي؟

يقول رينيه ماسيجلي (سفير فرنسا في لندن عام 1944م): “علينا أن نشير إلى أن العرب لا يثيرون الآن أي متاعب، وأن الصهاينة هم المصدر الوحيد للفوضى”.

“رينيه ماسيجلي (سفير فرنسا في لندن عام 1944م)”

رغم أن المملكة المتحدة هي صاحبةُ وعد إقامة الدولة اليهودية والمدافعُ الأكبر عن اليهود، إلا أنها لم تسلم من هذه المنظمات الإرهابية لأنها أصدرت ما سُمي بالكتاب الأبيض أو كتاب مالكوم ماكدونالد الأبيض في عام 1939م، الذي تخلى عن فكرة تقسيم فلسطين إلى دولتين إحداهما يهودية والأخرى فلسطينية.

“الكتاب الأبيض 1939م”

كان عددٌ كبيرٌ من أعضاء هذه المنظمات اليهودية الإرهابية من أصولٍ أوروبية، وتتمحور أهدافُهم وأفكارُهم حول الحرب والتضحية من أجل إنشاء وبناء الدولة اليهودية.

كما جاء في الأرشيف الفرنسي أن منظمة شتيرن عندما انشقت عن أرغون فقد استولت على كمية كبيرة من الذخيرة المملوكة لكلٍّ من أرغون والهاغانا، وبدأت بالسطو الممنهج على البنوك للحصول على التمويل اللازم لعملياتها، وأن عدد أعضائها يبلغ بضع مئات من أكثر اليهود تطرفًا.

كما هو عليه تنظيمُ الدولة الإسلامية؛ فالتنظيمُ تتمحور أهدافُه حول التضحية، وخاصة أنه يجب عليك حجزُ مكانٍ لك حسب الدور إذا أردت تفجير نفسك، كما أن هذا الحجزَ ليس مجانًا، وقد يكلِّفك الكثيرَ من المال؛ فالعمليات الانتحارية -كما يرى البعض أو الاستشهادية كما يرى آخرون- ليست للفقراء، كذلك يعرف الجميعُ قصةَ بَدئه بالاستيلاء على بنك المَوصل وبعده معظمُ المصافي النفطية في العراق وسوريا لتمويل عملياته، كما أن أعضاءه الذين يقدَّرون ببضعة آلاف هم من أكثر المسلمين تطرفًا، كما يرى البعض.

“شعار منظمة شتيرن الإرهابية”

ومن أهم عمليات منظمة شتيرن الإرهابية اغتيالُ الوزير البريطاني المقيمِ في الشرق الأوسط اللورد موين في القاهرة يوم 6/11/1944، والذي اعترف في ما بعد منفذو حادثة الاغتيال بأنهم كانوا يعملون تحت إمرة إسحاق شامير الذي أصبح في ما بعد رئيسَ الوزراء الإسرائيلي السابع في الدولة اليهودية الناشئة، ومن عملياتهم أيضًا نسف سرايا يافا في نوفمبر 1947م، وغيرها…

“اللورد موين الوزير البريطاني المقيمِ في الشرق الأوسط (1880-1944)”

كذلك هي عمليات تنظيم الدولة الإسلامية، ولكن باختلاف بعض التفاصيل؛ إذ إن تنظيم الدولة الإسلامية لم ينفذ حتى الآن عمليةَ اغتيالٍ واحدةٍ لقائدٍ أو لرأسِ فسادٍ كما يقول عن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أو قائد التحالف الدولي لدحر التنظيم، بل يركز عملياتِه على المدنيين أو صغار المنضمين للجيوش النظامية مبررًا ذلك بأنهم مؤيدو الطواغيت.

وكانت أهم أهداف منظمة شتيرن الإرهابية تحقيقُ حُلُم إنشاء الدولة اليهودية من نهر الفرات شرقًا إلى النيل غربًا، وهو ما تختلف فيه أيضًا عن تنظيم الدولة الإسلامية الذي يريد إنشاء دولة لا حدود لها.

ويعتقد أوفزي إليادا (الذي ترأس في وقت مضى قسمَ التاريخ المعاصر في جامعة حيفا) بأن منظمتي أرغون وشتيرن ليستا إرهابيتين لأنهما تقاتلان من أجل تحرير إسرائيل، وهو الأمر نفسه الذي يعتقده منظرو تنظيم الدولة الإسلامية، حيث يرون أن التنظيمَ يعمل على التخلُّص من كلِّ التابعين للولايات المتحدة الأمريكية أو مَن يقولون عنهم: المحاربون بالوكالة في الوطن العربي.

وكانت منظمتا الأرغون وشتيرن تقومان باغتيال اليهود المشتبَه بتعاونهم مع الاستخبارات البريطانية أو عناصر التنظيم الأم “الهاغانا”، كذلك يفعل تنظيم الدولة الإسلامية الذي يجعل الأطفال يصوبون تجاه كلِّ مَن يشكُّ التنظيم بتعاملهم مع الجيش العراقي أو السوري أو أيِّ جهةٍ أجنبيةٍ أو عناصر التنظيم الأم “القاعدة”.

“تفجير فندق الملك داود 22 يوليو 1946م”

في الثاني والعشرين من يوليو عام 1946م، كانت بريطانيا على موعد جديد مع العمليات الإرهابية التي استفزت بشدة الإدارة البريطانية وهي عملية تفجير فندق الملك داود في القدس، التي قام مناحم بيجن بإعطاء الأوامر لتنفيذ هذا التفجير، وكانت الطوابق الأربعة من الجناح الجنوبي في الفندق مقرًا للإدارة العامة والعسكرية البريطانية في فلسطين.

وفي وقت لاحق أعلنت منظمة أرغون في بيان لها تبنِّيها الهجومَ الإرهابيَ على السِّفارة البريطانية في روما في 31 – 10- 1946م، وكانت هذه بداية انتقال العمل الإرهابي من داخل فلسطين إلى الدول الأوروبية المركزية؛ إذ تم رصد عمليات إرهابية وقعت في عدد من المدن الإيطالية، هي روما والبندقية وميلانو ونابولي وغيرها، ومنها إلى البرتغال ثم بلجيكا فجميع المصالح البريطانية في الدول الأوروبية، ولكن دولة واحدة لم تقترب منها أو تستهدف أيَّ شخص داخلها هي فرنسا؛ إذ إنها لم تكن تريد فتح جبهة أخرى لن تستطيع الصمود أمامها، كما أن فرنسا كانت إحدى الدول التي ساندت مشروع إقامة الدولة اليهودية، بل كانت تمد هذه المنظمات بالسلاح، كما أن الأرشيف الفرنسي لم يرصد نهائيًّا انتهاكاتِ المنظمات اليهودية ضد الفلسطينيين.

فلم يذكر أنه بين الثلاثين من مارس والخامس عشر من مايو عام 1948م، احتلت المنظمات الإرهابية مئتي قرية عربية وطردت سكانها الفلسطينيين.

كذلك حرفيًّا يفعل تنظيم الدولة الإسلامية؛ إذ إنه هو الآخر انتقل من العمل القتالي داخل العراق وسوريا إلى أوروبا وأمريكا، سواء كانت أعماله بالتفجير الذاتي أم بالقتل العشوائي، ويقوم بتهجير كلِّ مخالفيه في الفكر ويستولي على قراهم، إذ أصبحت مساحة الرقعة التي تقوم عليها دولته المزعومة أكبرَ من مساحة بريطانيا.

وكما كانت طليعة الجيش اليهودي في فلسطين تدعو الشعب الإيطالي للانضمام للمقاومة ونصرة القضية اليهودية، فكذلك يفعل تنظيم الدولة إذ يدعو كلَّ يوم في خطابه الإعلامي الذي لا يتميز كثيرًا عن خطاب منظمة أرغون الإرهابية التي كانت تكتب خطاباتها بأسلوب سلس تعتمد فيه على الفلسفة والتاريخ والأدب، يدعو الشباب العربي والأوروبي المتعصب إلى الانضمام إليه.

“مناحم بيجن – رئيس وزراء إسرائيل 1980 – 1981”

في النهاية غفر المجتمع الدولي لمناحم بيجن وغفرت له بريطانيا التي رصدت مكافآت للحصول على رأسه، مشاركتَه في ارتكاب مذبحةِ دير ياسين وصبرا وشاتيلا وغزوه لجنوب لبنان، وفوق كلِّ ذلك تم منحه جائزةَ نوبل للسلام لسبب واحد فقط أنه إسرائيلي وأن الولايات المتحدة الأمريكية تسانده.

واعترفت الحكومة الإسرائيلية في ما بعد بأن الخدمة العسكرية في صفوف هذه المنظمات الإرهابية خدمةٌ خاضعةٌ للتقاعد؛ فصرفت لجميع الذين خدموا فيها رواتبَ التقاعد المستحقَة لهم، ومنحت بعضَهم وسامَ محاربي الدولة، ثم ذابت تلك المنظمات داخلَ الجيش الإسرائيلي بمرور السنين.

ولهذا السبب يتساءل البعض: هل يمكن في وقت لاحق أن تقوم الدولة الإسلامية بمنح مقاتليها وسام محاربي الدولة ويعيشون بعدها في سلام؟ وهل سيسمح لها المجتمعُ الدولي بذلك؟

على ما يبدو فإن تنظيم الدولة الإسلامية لا يجد عُقدةً في أن يصعد كما صعد تنظيما الأرغون وشتيرن الإرهابيان على رؤوس البشر، لكن تكمن المُعضلة في المجتمع الدولي وعصبة الأمم الذين قبلوا بوجود قادة هذه التنظيمات الصهيونية الإرهابية كمناحم بيجن القائد في منظمة أرجون وإسحاق شامير القائد في منظمة شتيرن، واللذَين أصبحا في ما بعد رئيسين لوزراء دولة إسرائيل ولا تقبل بوجود العدناني وزيرًا لخارجية الدولة الإسلامية، أو أبو علي العنبري ممثِّلاً لها في الأمم المتحدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد