لقد أصبح الغاز الطبيعي المسال في السنوات الأخيرة أحد أهم مصادر الطاقة النظيفة المطلوبة في معظم أنحاء العالم، وعلى الرغم من أن أكبر مستهلك لهذه المادة هو الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، فإن دولًا قليلة تقوم بإنتاجها.

فقد ظهرت أهمية الغاز الطبيعي في أواخر القرن العشرين كوقود نظيف وبإنبعاثات كربونية أقل، في ظل الإحتباس الحراري الذي يعاني منه كوكب الأرض.

حيث وقعت غالبية الدول علي إتفاقية كيوتو في اليابان عام 1992 الخاصة بخفض إنبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مما وجه أنظار العالم للبحث عن مصدر للطاقة النظيفة وأقل خطورة من إستخدام الطاقة النووية، ووجدت الدول الصناعية مأربها في الغاز الطبيعي، مما عزز من أهميته كمصدر بديل ونظيف.

تعتبر روسيا أكبر دولة لديها إحتياطي غاز في العالم (48 تريليون متر مكعب) تليها إيران (33 تريليون متر مكعب) فقطر ب(25 ترليون متر مكعب) ثم تركمنستان ب(17.5 تريليون متر مكعب) ، وبالتالي يقع معظم احتياطي الغاز في العالم في أسيا مما ينقل الصراع العالمي إلي هناك.

مع وصول كل من بوتين وجورج بوش إلي سدة الحكم في القطبان السياسيان الأبرز مع مطلع القرن الحالي، وضحت خطط كل منهما لإستغلال الغاز افضل إستخدام ممكن، وبرزت عدة مشاريع عملاقة لنقل الغاز بالأنابيب، حيث أخذت روسيا بزمام المبادرة وشرعت بمد شبكة من انابيب الغاز التي تمد أوروبا ب40 % من إحتياجاتها من الغاز.

في المقابل وضعت أمريكا مخطط لإيجاد بدائل للغاز الروسي القادم لأوروبا لتقليل هيمنة روسيا علي مفاصل الإقتصاد والطاقة في  أوروبا؛ ومن ثم تقليل النفوذ السياسي لروسيا الراغبة في إستعادة مكانتها السابقة.

كما بدأت بالتدخل في رسم مسارات الغاز في وسط أسيا لتوزيعه علي الدول الصديقة ،تحت إشراف الشركات الامريكية.

مشروع الغاز المار بأفغانستان

تبلورت فكرة مشروع نقل الغاز التركماني في عام 1996 وبدأت المباحثات مع حكومة طالبان في أفغانستان، حيث جري إختيار إحدي الشركات الأمريكية لتنفيذ الجزء المار بافغانستان من الأنبوب، حيث سافر وفد من حكومة طالبان لأمريكا لإستكمال المباحثات.

كان الدعم الأمريكي للمجاهدين في أفغانستان ولحركة طالبان كبيرا في معاركهم مع السوفيت، وبعد إنتهاء الغزو السوفيتي لأفغانستان إستمر التعاون بين حكومة طالبان والحكومات الأمريكية المتعاقبة.

فبعد إستيلاء حركة طالبان علي حكم أجزاء كبيرة من أفغانستان عام 1996، رحبت أمريكا في البداية بالحركة بسبب التقارب في وجهات النظر حول مشاريع نقل الغاز من وسط أسيا عبر أفغانستان باكستان والهند، حيث جري توقيع عقد مع شركة يونيكال الأمريكية ودلتا السعودية لبناء الخط في القسم الأفغاني.

وفد من حكومة طالبان في زيارة لهيوستن في 4 ديسمبر عام 1997، للتباحث في شأن إنشاء خط أنابيب غاز عابر لأفغانستان (موقع المعرفة)

الرئيس الامريكي رونالد ريجان والملا عمر ووفد طالبان في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض عام 1988

خط الغاز التركماني لباكستان والهند

 

أيمن الظواهري عميل روسي

أيمن الظواهري عميل روسي .. هكذا فجر ليفتننكو هذه المفاجأة قبل وفاته بسنة متأثرا بجرعة من سم البلوتونيم الذي تجرعه مع الشاي أثناء إستقباله لرجال أعمال روس في أحد فنادق لندن.

إليكسندر ليفتننكو ..عميل بالمخابرات السوفيتية أعلن إنشقاقه وهرب إلي لندن هو وزوجته حاملا كما هائلا من الأسرار ، حيث عمل لسنوات مسؤلا في قسم العملاء الخارجيين ، حيث يؤكد أن المخابرات الروسية ألقت القبض في ديسمبر 1996 علي أيمن الظواهري أثناء عبوره للحدود الداغستانية في طريقه للشيشان ، حيث تم سجنه لستة أشهر بذريعة عدم حمله تأشيرة للدخول إلي روسيا ، بينما يدعي ليفتننكو أنه قد تم تجنيده للعمل لصالح المخابرات الروسية في أفغانستان.

في السنوات التي أعقبت الانسحاب السوفيتي من أفغانستان، يعتقد ان الظواهري أقام في بلغاريا والدنمارك وسويسرا، واستخدم في بعض الأحيان جواز سفر مزور للسفر إلى منطقة البلقان، والنمسا، واليمن، والعراق وإيران، والفلبين. وفي ديسمبر 1996، أشارت تقارير إنه سجن لستة شهور، في روسيا بعد القبض عليه، لدخوله داغستان، في طريقه للشيشان، من دون تأشيرة دخول سارية المفعول، وفي عام 1997، يعتقد أن الظواهري قد انتقل إلى مدينة جلال اباد الأفغانية، حيث كان أسامة بن لادن يقيم.

وفقا لمقال كتبه الظواهري، فإن السلطات الروسية فشلت في التعرف على النصوص العربية في جهاز الكمبيوتر الخاص به، ولذا لم تكتشف هويته!!

لكن شهادة الكسندر ليتفينينكو الضابط السابق في المخابرات الروسية الذي أسلم، هي شهادة خطيرة جدا، وتم قتله في لندن بعد فترة قصيرة من تحدثه عن هذا.

في يوليو 2005 في مقابلة مع صحيفة بولندية رزيكزبوسبوليتا، زعم ليتفينينكو أن أيمن الظواهري، القيادي البارز في تنظيم القاعدة، تم تدريبه لمدة نصف عام من قبل المخابرات الروسية (جهاز الأمن الفيدرالي) في داغستان في عام 1997، للمخابرات الروسية، وسماه بالعميل القديم.

إحتلال أفغانستان

توترت العلاقات بين أمريكا وحركة طالبان، بعد هجمات السفارة الأمريكة في دار السلام ونيروبي عام 1998 وتوقف العمل بمشروع خط الغاز التركماني.

حيث  عمدت روسيا إلي تصعيد الموقف في أفغانستان كرد فعل علي مساعدة أمريكا للمجهدين وحركة طالبان ضد روسيا، حيث قامت بالتحالف مع أيمن الظواهري بعد تدريبه ومن ثم زرعه في أفغانستان في أوائل عام 1997 وتحويل الموقف ضد أمريكا بعد  إقناع الظواهري لبن لادن بحرب مصالح أمريكا في كل دول العالم حيث خرج أسامة بن لادن من السودان إلي أفغانستان في أواخر 1996 ، وهو ما أسفر عن تحالف أيمن الظواهري مع أسامة بن لادن لتأسيس الجبهة العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين، لضرب مصالح أمريكا في أسيا الوسطي، وهو ما يتوافق مع مصالح روسيا.

كل هذه التغيرات دفعت أمريكا إلي تغيير قواعد اللعبة والدخول إلي قلب الأحداث

عمدت أمريكا إلي دخول افغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر التي تشير بعد التحليلات في أمريكا نفسها إلي إفتعالها عبر المساعدة في تفجير البرجين من الأسفل من أجل الدخول إلي مكامن الغاز في أسيا ، حيث إستولت أمريكا علي أفغانستان القريبة من الغاز في كل من إيران وتركمنستان.

عقب إحتلال أفغانستان حاولت أمريكا إستكمال مشروع خط الغاز التركماني إلي الهند وباكستان، إلا أن وجود تنظيم القاعدة وحركة طالبان في طريق خط الغاز أوقف المشروع تماما.

تأثير تنظيم القاعدة على ممر الغاز المحتمل

في بداية وصول حركة طالبان إلي الحكم كان العلاقة  مع أمريكا إيجابية رغم إلتزامهم بتطبيق الشريعة،كما أن المصالح الإستراتيجية أسفرت عن دخول شركات النفط الأمريكية لبناء خط أنابيب، إلا أن دخول التنظيم علي الخط كان الغرض منه هو ضرب المصالح الأمريكية وتفجير العلاقات بين طالبان وأمريكا، وهو ما أسفر عن توقف خط الغاز من تركمنستان إلي الهند.

خطط بديلة

في عام 2002 وبالتزامن مع إحتلال أفغانستان ومع إشتداد المعارك في أفغانستان بين أمريكا وحركة طالبان التي إتخذت نهج القاعدة في حرب أمريكا، برزت فكرة جديدة للإلتفاف علي المخطط الروسي الرامي لتعطيل أنبوب الغاز إستفادة من الغاز التركماني، أطلق الغرب فكرة خط نابوكو لنقل الغاز من تركمنستان إلي أوروبا عبر بحر قزوين وأذربيجان فجورجيا وتركيا، حيث يكون بديل عن الغاز الروسي الذي يغطي كم كبير من الإحتياج الأوروبي.

إيقاف روسيا للمشروع البديل أيضا

ولأن موسكو ليست بالفريسة السهلة، ومن الصعب عزلها وتحييدها بناء على الرغبات الامريكية الجامحة، فقد أظهرت روسيا ممانعتها قولاً وفعلاً لذلك المشروع الذي اعتبرته يستهدف كيانها الإقليمي ومعادياً لها، وتبنت خطة استراتيجية دفاعية وذلك لمجابهة مشروع نابوكو وتفريغه من جدواه من النواحي القانونية والاقتصادية والسياسيةً.

فقد لجأت روسيا في تنفيذ استراتيجيتها إلى إثارة جدل قانوني حول مسار الأنبوب، وإمداداته وذلك من أجل الإيقاف الفوري أو على الأقل تعطيل مشروع خط نابوك.

هذا الخلاف الذي أثارته روسيا هو ماهية الصفة القانونية للمسطح المائي لبحر قزوين في ظل القانون الدولي ، وهل هو بحر أم بحيرة ؟

هذا المحور من الاستراتيجية الروسية جعل من المستحيل، ليس فقط إنشاء خط أنابيب الغاز عبر حوض قزوين، بل حتى تطوير تركمانستان أو أذربيجان لأية حقول غاز على سواحل حوض قزوين في ظل هذا التعريف، إلى أن يتم الاعتراف به كبحر، وبالتالي فلا حق لأي دولة أخرى مطلة على البحر في حقول النفط والغاز على شواطئ الدول الأخرى المطلة على المسطح المائي.

وجاء المحور الثاني في الاستراتيجية الدفاعية الروسية عبر بناء قوة روسيا الاحتكارية في شراء كامل الغاز المنتج في أواسط آسيا وبالتالي احتكار بيعه عن طريقها وعبر أنابيبها العابرة للقارات، لذا فقد دخلت روسيا في عقود شراء غاز طويلة المدى من كل حكومات الدول المفترض منها ضخ الغاز في خط أنابيب نابوكو، كتركمانستان التي تنتج حالياً نحو 80 مليار متر مكعب سنوياً، وقامت روسيا بشراء أكثر من 50 مليار متر مكعب في عقود طويلة الأجل.

كما أن أذربيجان التي يعول عليها كثيراً بعد انسحاب تركمانستان من إمداد النسبة الأكبر من الغاز المنقول إلى أوروبا، دخلت هي الأخرى في تعهدات مع روسيا بعقود بيع طويلة المدى.

الغاز الإيراني محاصر

بالتزامن مع خط أنبوب وسط أسيا الأمريكي، كانت المفاوضات لمد خط غاز من حقل فارس، اكبر حقل غاز في العالم، إلي باكستان إنتهاء بالهند والصين، إلا أن العقوبات الأمريكية علي طهران عام 2006 منعت من تمدد الخط، حيث إنسحبت الهند من الإتفاقية بعد وعود أمريكية بإنشاء مفاعلات نووية لتوليد الطاقة.

كما ضغطت أمريكا علي باكستان لإيقاف المشروع وإستبداله بخط غاز من تركمنستان عبر أفغانستان، إلا أن باكستان وقعت العقد في 2009 وتم إقامة القسم الخاص بإيران عام 2011 ، ومع التقارب الصيني الباكستاني وإنشاء ممر جوادر لربط غرب الصين ببحر العرب عبر باكستان، دخلت الصين كممول رئيسي لإستكمال خط أنابيب السلام بين إيران وباكستان، خصوصا مع رفع العقوبات عن طهران في أوائل عام 2016.

حيث يعتبر نجاح هذا الخط إنتصارا للتحالف الروسي الإيراني علي حساب التحالف الأمريكي، حيث سيمكن من ضم باكستان لهذا التحالف، كما انه من الممكن أن يمتد هذا الخط لاحقا إلي غرب الصين في إطار ممر جوادر ( أحد روافد طريق الحرير) وبالتالي يمكن إيران من إستغلال مخزونها من الغاز بالشكل اللازم، ويأمن للصين كميان كبيرة من الغاز، دون المرور بالطرق البحرية الواقعة تحت سيطرة الأسطول الأمريكي.

العقوبات الأمريكية علي إيران والرد الإيراني

تقوم أمريكا بتوقيع عقوبات علي إيران لمنعها من تطوير حقول الغاز (بالإضافة إلي قضية تخصيب اليوراينوم)  في تسلسل للعقوبات بدءا من عام 2006 و2007و2008، ومن ثم مد خطوط أنابيب إلي وسط أسيا، وهو ما تحقق بإنسحاب بعض الشركات الصينية والأوروبية من تطوير حقول الغاز، في المقبل تدعم إيران تنظيم القاعدة وحركة طالبان بشدة من أجل الضغط علي المصالح الأمريكية في وسط أسيا وإعاقة الشركات الأمريكية عن إستكمال مشاريع الغاز في أفغانستان، حيث تضمن الدعم إستقبال مقاتلي الحركة للتدريب في المدن الإيرانية من أجل إشعال المنطقة جنوب تركمنستان بين أفغانستان وباكستان، بالإضافة إلي إستضافة قيادات وعائلات وأسر قيادات التنظيم.

إنشقاقات طالبان بسبب الدعم الإيراني

بينما بدأت الانشقاقات من “طالبان” في الميدان، إذ أعلن القيادي في الحركة عبد الله جريك، والذي لديه نفوذ على الحدود مع دول آسيا الوسطى في شمال أفغانستان، انشقاقه من الحركة بحجة أن إيران وروسيا بدأتا تتلاعبان بها.

وقال جريك في حوار مع وسائل إعلام أفغانية: “كنا نقاتل لتطبيق الشريعة وإعلاء كلمة الله، ولكن لما وصلت إلينا أسلحة إيرانية وروسية لندمر بها بلادنا ولنقاتل بها أبناء شعبنا، أدركنا أننا ضحية حروب أجنبية.

الثورة السورية وممرات الغاز وداعش

قامت الثورة السورية في خضم موجة الربيع العربي، وإقتصرت علي مظاهرات سلمية رغم القتل والقمع الأمني، إلا أن قيام إيران وسوريا والعراق بالتوقيع عل مشروع الخط الإسلامي الذي ينقل الغاز من ايران إلي الساحل السوري وأوربا بعد ذلك (عبر العراق) يوليو2011، حول الثورة فجاة إلي ثورة مسلحة، وبدعم من دول الخليج المناهضة لإيران، خصوصا بعد رفض سوريا مشروع الخط القطري الذي ينقل الغاز من نفس الحقل غلي أوروبا عبر سوريا وتركيا.

ظهور داعش وتسليح الأكراد

ظهرت داعش في شمال غرب العراق وشرق سوريا في يونيو 2014، وهو نفس مسار خط الغاز الإيراني المار من إيران والعراق إلي سوريا، ويعد الإنسحاب الكبير من الجيش العراقي وترك مخازن الأسلحة كغنيمة لداعش ، الأمر الذي يدعو للتساؤل والتعجب!!

حيث أدي ظهور داعش في تلك المساحة إلي إجهاض أي محاولة لإحياء خط الغاز الإيراني المدعوم من روسيا.

وبعد بروز دور تركيا في الساحة الدولية والإقليمية، برزت الحاجة إلي عزلها عن إمتدادها الإقليمي، وأصبحت تركيا تشكل معضلة للغرب بالتساوي مع إيران، بالرغم من إختلافهما في قضية الصراع في سوريا، قامت أمريكا وألمانيا بدعم الاكراد المتواجدون في جنوب شرق تركيا وغرب إيران لتشكيل دولة تابعة للغرب، لكبح جماح اللاعبين الرئيسيين في المنطقة.

حيث تقوم اللعبة علي تسليح الحزب السوري الكردي لمحاربة داعش، وبالتالي تقوم الأحزاب الكردية بإحتلال المناطق التي تقوم بتحريرها، تمهيدا لربط الأكراد في سوريا مع أكراد العراق وجنوب تركيا بحزام كردي واحد، إلي حين الإعلان عن قيام الدولة الكردية المزعومة.

وجدير بالملاحظة هو رفض أمريكا دعوات تركيا لحرب داعش إنطلاقا من الأراضي التركية، والتصميم علي تسليح الأكراد، كما تم إلقاء سلاح أمريكي لداعش بالخطأ عدة مرات، الأمر الذي يدعو للدهشة عن تكرار الخطا، حيث إستخدمت داعش هذا السلاح في دحر المعارضة الإسلامية مثل أحرار الشام وجيش الفتح، الذي تدعمهم تركيا، مما يشتت الجهود التركية في حرب داعش والأكراد ودعم المعارضة المسلحة والجيش الحرفي إدلب وحلب.

حيث ترغب تركيا في خلق حزام شمال سوريا مستخدمه المعارضة الإسلامية لمنع قيام حزام كردي محتمل لتطويقها، حيث تعد تلك التحركات مناوئة لما تقوم به أمريكا.\، وهو ما تحقق بعمليتي درع الفرات (أغسطس 2017) وغصن الزيتون(يناير 2018)

فكان الحل هو إلقاء السلاح لداعش والإدعاء بأن الأمر مجرد خطأ متكرر.

تأثير ظهور داعش علي تغيير ممرات الغاز

أدي ظهور داعش إلي إلغاء مرور خط الغاز الإسلامي من إيران إلي أوروبا عبر سوريا والبحر المتوسط، الذي يحظي بموافقة روسية، ونجحت خطة أمريكا في إيقاف أي خطوط غاز تقع تحت الوصاية الأمريكية.

بوكوحرام والسيل الإفريقي

تعتبر دلتا نهر النيجر في جنوب نيجيريا المطلة علي المحيط الاطلسي، من أكثر المناطق الغنية بالتفط والغاز، حيث تحتل نيجيريا المركز السابع عالميا في إحتياطي الغاز، حيث قامت الجزائر بالتفاهم مع الجانب النيجيري من أجل مد خط أنابيب بين البلدين ينقل 30 مليار متر مكعب من الغاز إلي أوروبا في عام 2002، بالشراكة مع عملاق الغاز الروسي غاز بروم الذي يطمح في السيطرة علي ممرات الغاز إلي أوروبا لاهداف سياسية.

الصراع بين روسيا وأمريكا علي الغاز الأفريقي

تحاول الدول الغربية تنويع مصادر الغاز، في إطار حماية أمن الطاقة في الإتحاد الأوروبي، في سبيل ذلك تحاول أوروبا إستغلال كميات الغاز الكبيرة في نيجيريا كمصدر بديل للغاز الروسي الذي يمد اوروبا ب 40% من إحتياجاتها من الغاز.

خط الغاز بين نيجيريا والمغرب بديل لخط غاز نيجيريا الجزائر

ظهور بوكو حرام .. هل هي صدفة؟

ظهرت الجماعة المتشددة في شمال شرق نيجيريا المسلم وكانت تحرم التعليم الغربي أو تعليم الفتيات، وظلت الجماعة محدودة الـثأثير عام 2002 وهو للمفارقة نفس العام الذي شهد توقيع عقد خط الغاز الجزائري، ومع تجدد المباحثات حول المشروع عام 2009، عاودت الجماعة نشاطها بدأت بالتمدد وقامت بعدة عمليات ضد الحكومة،

وتم تحريك ملف خط الغاز المار من الجنوب النيجيري إلي الجزائر مرة أخري  في عام 2009 وقام وزير الطاقة الجزائري شكيب خليل بتوقيع اتفاق لإقامة أنبوب الغاز، وبلغت إستثمارات المشروع 10 مليار دولار بالإضافة إلي 3 مليار لمحطة الغاز.

التدخل الأمريكي الأوروبي

أسفرت التدخلات الغربية في هذا المشروع إلي بروز فكرة ربط نيجيريا عبر المغرب وأوروبا عن طريق غرب القارة، بديلا عن المشروع الجزائري الذي تشرف عليه روسيا، حيث قامت نيجيريا بالسير في كلا الملفين معا، واسفرت المفاوضات عن توقيع العقد مع المغرب مستعينا بالشركات البريطانية والأمريكية لتمويل وإنشاء الأنبوب حيث تم توقيع الغعقد، الأمر الذي شكل إنتصارا للمغرب علي غريم التقليدي الجزائر، كما شكل نصرا سياسيا للغرب علي الغريم الروسي.

دول الخليج تتدخل

علي الجانب الاخر ساندت الدول الخليجية المغرب من أجل تحويل مسار خط الغاز للمرور بغرب أفريقيا، حيث يتم إكمال إمداد خط غاز (نيجيريا-بينين-توجو-غانا) ليصل إلي المغرب ومن ثم أوروبا ، كعقاب لروسيا التي تمنع مرور خط الغاز الخليجي إلي تركيا ، بالرغم من المشاكل الحدودوية بين المغرب وموريتانيا وبالرغم من مرور الأنبوب بعدة دول أفريقية تعاني من إنخفاض مستوي الإستقرار والأمن ، الأمر الذي أثار دهشة وإستغراب الجزائر.

التدخل الفرنسي لمحاربة بوكو حرام

بعد إنتخاب الرئيس النيجيري الحالي محمد بخاري رئيسا لنيجيريا في إبريل عام 2015، عمد إلي تكوين إئتلاف لمحاربة بوكو حرام في سبتمبر 2015،يتكون من خمس دول هي الكاميرون والنيجر ونيجيريا وتشاد وبنين، وبالرغم من إتخاذ قرار بتشكيل تلك القوة في فبراير 2015، إلا أن القوة لم تدخل في مواجهة مع الحركة إلا بعد إنتخاب محمد بخاري بعدة أشهر، خصوصا أن الرئيس النيجيري السابق جودلاك جوناثان  طلب من أمريكا قبل ذلك في عام 2014 المساعدة في محاربة بوكو حرام ،إلا أن الإستجابة كانت باهتة ،تحت زعم إنتهاك حقوق الإنسان في نيجيريا.

وبالرغم من وجود تلك الجيوش والقواعدة العسكرية منذ بداية تمدد بوكوحرام، لكن يبدو أن الدعم العسكري واللوجيستي لم يحدث إلا بعد التوافق علي نقل مسار الخط غربا بعيدا عن أيادي الشركات الروسية، حيث حثت فرنسا مستعمراتها السابقة لدعم الإئتلاف المحارب لبوكو حرام.

من الجدير بالذكر أن نيجريا طلبت الدعم من روسيا في مجال مكافحة الإرهاب في عام 2017 وتم تزويد نيجيريا بمروحيات ومعدات روسية في يونيو من نفس العام ، حيث تلعب الحكومة النيجيرية علي إحتمالية أن يتم تدشين أي من الخطين سواء إلي الجزائر أو المغرب، لأنه من الوارد تعطيل الخط في أي وقت بسبب الأفخاخ السياسية المتوقعة في دول العبور، والخلافات المحتملة، فيكون هناك بديل روسي محتمل.

تأثير بوكو حرام علي أنبوب الغاز

وبالرغم من وجود عدة جماعات محلية تهاجم خطوط الغاز بحجة عدم التقسم الجيد للثروة، حيث تقوم الشركات الأجنبية بتحويل مكاسبها الضخمة إلي الخارج، إلا ان تاثير الجماعات المتطرفة الإسلامية كان أكثر وأوقوي، حيث قاموا بالسيطرة علي مساحات واسعة ومبايعة تنظيم داعش مما عطل مشاريع إمداد خطوط الغاز إلي أوروبا.

المناطق الشمالية تسيطر عليها بوكو حرام وهي تقطع مسار أنبوب الغاز إلي الشمال وبالتالي لبابلبلي فقد تم إعاقة تنفيد خط الغاز الجزائري

مخدوعون أم خونة؟

يغلب الظن علي كثر من المحللين أن معظم المنضمين للجمعات الإسلامية الجهادية هم أشخاص صادقي النية ولهم عقيدة قتالية، إلا أن أجهزة المخابرات الغربية تستغل ذلك الحماس وتوجه فيما يتوافق مع أهدافها المرحلية، مستخدمين قاعدة أن العدو يدمر نفسه، حيث تقوم المخابرات الأمريكية بتسهيل إيصال الدعم لتلك الجماعات وتوجيهها لضرب جهات وتنظيمات معينة، كما حدث مع تنظيم القاعدة في إيران حيث يحظر التنظيم تنفيذ ضربات داخل إيران بسبب المصالح المشتركة للتنظيم، حيث تعتبر إيران ممر لإمدادات المال والسلاح ومركز للتدريب ، كما حدث ذلك في العشرية السوداء في الجزائر، حيث قامت المخابرات الفرنسية والأمريكية بإنشاء تنظيم الجيا المتطرف والذي قام بإستقطاب العناصر الجهادية للقيام بهجمات ضد النظام الجزائري، وبعد أربع سنوات تم تصفية جميع القيادات الإسلامية وتبقي عناصر المخابرات ، التي أتمت قيادة التنظيم.

كلمة أخيرة

يجب علي المجتمع الإسلامي أن يلم إلماما جيدا بالمتغيرات والصراعات علي المستوي الإقليمي والدولي، وكيفية إدماج التيارات الإسلامية في تلك الصراعات من أجل إستخدامهم في ضرب أعداء لدول كبري، ومن أجل تشويه الدين الإسلامي ، كما حدث في تنظيم القاعدة وداعش.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

إيران تحتضن تنظيم القاعدة وفق مصلحتها
عرض التعليقات
تحميل المزيد