إن التنظيمات التي يَكتنفها الغُموض وقِلة المعلومات ونُدرتها في العالم، غالبًا ما تكون تنظيمات لها صِلات استخباراتية إقليمية ودولية تُجند كل من يُحقق غاياتها وأهدافها، وتتلون كالحرباء بلون المنطقة التي تتواجد فيها.

 

ولا شك أن المنطقة العربية تُعاني من صِناعة الإرهاب ولصقه بالإسلام منذ أكثر من عقدين من الزمن، فمن خلال هذه المافيا العالمية التي جَمعت بقايا أجهزة المخابرات العربية التي أصبحت بعد الربيع العربي عاطلة عن العمل>

 

وبعد أن دق الغرب ناقوس الخطر بالخوف على مصالحهِ من أداة تغيير جديدة شعبية وديمقراطية ، بعيدة عن العنف و(الجهاد) والتي كانت تؤكد فكرة الإسلاموفوبيا بعد أن سقطت من أعين الكثيرين كأداة وحيدة في تغيير تلك الأنظمة البائسة؛ كان لا بد من إعادة المنطقة إلى حالة الاستبداد والتسلط بنوع جديد من الاستبداد يَنسجم مع طبيعة المنطقة وطبيعة المرحلة، ألا وهو الاستبداد الديني الأشد فتكًا ونهبًا من الاستبداد السياسي.

 

فالإجرام الذي تقوم به تلك المافيا كل يوم هو نفس الإجرام الذي كانت تمارسه بغطاء الدولة وأجهزتها وبعض عناصرها، أما اليوم فاكتست بالزي الإسلامي الأصولي كعباءة تُخفي وراءها أجنداتها، فهم كالباغية التي ترتدي النقاب والجلباب؛ لتغطي عهرها بالحجاب؛ لتُضلل الناس العاديين، فهم يبحثون عن أطهر وأنقى ما موجود في قِيم ومبادئ المجتمع ويتلونون به.

 

فبعيدًا عن الزي واللحى الطويلة، وأهداف التنظيم غير القابلة للقياس، وبعيدًا عن ساحات الجهاد ودعاة الموت في رحى المصالح الإقليمية والدولية، هناك عمل كان سريًا استخباراتيًا يَكتنفه الغموض والتفصيل لبيع النفط والآثار العراقية والسورية، تلك الثروات والحضارة الإنسانية الضائعة أصبح اليوم بيعُها في العلن في مزادات أوروبا والعالم وتجني قيادات “داعش” من النفط والآثار ملايين الدولارات شهريًا.

 

فمشاهد سرقة وبيع الآثار العراقية ليس جديدًا فقد كان الأول بعد يوم من احتلال العراق حيث قامت مجموعة مما يقرب من 400 مسلح وتحت أنظار الاحتلال باقتحام المتحف العراقي وسرقة معظم القطع الأثرية والسجلات والوثائق الخاصة بالآثار السومرية والبابلية، ومعظم القطع وصلت أوروبا وأمريكا بعد أقل من أسبوعين، فلا شك أن من قام بذلك مافيا منظمة.
وفي نفس العام وبعد دخول القوات الأمريكية مبنى المخابرات العراقي حصلت على الأرشيف العراقي اليهودي الذي كان موجودًا في المبنى، وبعد أيام أعلنت إسرائيل استعادة أكثر من 3 آلاف وثيقة و1700 تحفة نادرة من السبي البابلي لليهود في العراق، وأقدم نسخة للتلمود عرفها العالم، وأقدم نسخة للتوراة، هذه الثروة كانت محفوظة في مبنى المخابرات العراقي للمحافظة عليها.

 

دعوا تلك الأخبار المبكية قليلًا فاليوم أخبار جديدة عن مافيا جديدة تنهب باسم الإسلام، ففيما يتعلق بنهب وبيع الآثار والمخطوطات، تسيطر “داعش” على 2000 موقع أثري في العراق من أصل 12000 موقع وفي مواقع مدينة الموصل تحديدًا، وقد غزت الآثار العراقية والسورية مزادات أوروبا وأمريكا وإسرائيل وأصبحت تزين متاحفهم، فلا يغركم العرض السينمائي في تفجير وتحطيم المواقع الأثرية بين فترة وأخرى بمبررات دينية سخيفة، فلو كانوا يستطيعون تهريبها وبيعها كقطع الآثار الصغيرة لفعلوا.

 

لقد تطورت تلك العصابة في بيع وتهريب الآثار إلى درجة تشكيل دوائر إدارية ومجموعات بحث وتنقيب سرية عن المناجم الحضارية الأعرق، والأعمق إنسانيًا، والأغلى ثمنًا وبيعها لمن يعرف قيمة الحضارة، علمًا أنها لا تقدر بثمن.

 

أما النفط فبحسب مصادر أمريكية تجني داعش من بيع النفط السوري ما يقرب من 40 مليون دولار شهريًا، والنظام السوري أبرز زبائن التنظيم والسمسار الأول لبيع وتصدير النفط الداعشي عبر ميناء طرطوس، ثم لروسيا، ثم للأسواق الأوروبية. فقد سيطرت تلك المافيا على 95% من آبار النفط السوري الذي كان غائبًا تحت سيطرة عصابة آل الأسد التي أخفتهُ وحَرمت الشعب السوري من موارده لعقود، فعصابة الأمس في الخفاء أصبحت زبون وسمسار اليوم في العلن، فهم عصابتان متعاونتان تؤديان نفس الأدوار ونفس الأعمال في السر والعلن الأولى مافيا باستبداد سياسي والثانية مافيا باستبداد ديني.

 

فهذه المافيا بوجهيها القبيحين أصبحت أغنى تنظيم إرهابي همجي في العالم؛ بسبب تلك التجارة الرابحة، تجارة الشعوب ومُقدراتهم، تجارة نَهب النفط والآثار، فهما أفضل بكثير من تجارة المخدرات والأعضاء البشرية وبيع النساء والأطفال، ومقايضة الرهائن الغربيين، وإخراج المعتقلين بالمال وغيرها من الأعمال الإجرامية؛

 

لذا وفي هذا السياق يُمكن القول أن أحد أوجه مشروع “داعش” الكبير هو مشروع يُعيد تدوير تلك النفايات، نفايات ما تبقى من حاويات الأنظمة وبما يَخدم المصالح الإقليمية والدولية، فهؤلاء وجدوا أن الأوطان والشعوب غالية؛ فباعوها، فأصحاب روؤس الأموال يزدادون سنويًا ومستوى المال يَرتفع في البنوك العالمية، أما الفقراء فَيزدادون فقرًا، ليس بفعل التجارة الحرة والرأسمالية فقط، بل بفعل النهب والسلب وغسيل الأموال وبتجارة الشعوب وبدينهم وتاريخهم وحضارتهم ونفطهم وأبنائهم ومستقبلهم، كل ذلك لأنهم فكروا فقط وطَمحوا في التغيير نحو الأفضل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد