“في وجه الموجة الصليبية الظلماء، أحيت بلاد الرافدين مشروعًا غيَّرَ المشهد السياسي للعالم”.

 

بهذه الكلمات الرنانة، وبيد صانع أفلام ماهر، وتتابع مذهل في اللقطات المطعمة بمزيد من رونق الأنشودة، التي تداعب أرواح المسلمين وأعناق الغرب؛ بدأ فيلم “لهيب الحرب” الذي بثته الجماعة الراديكالية الأكثر شهرة على الساحة الدولية الآن، والتي عرفت باسم ”الدولة الإسلامية في العراق والشام“ حديثها للملايين حول العالم.

 

خطاب مُلهب للحماس خاصة لأولئك الذين مات الآلاف من ذويهم في أنحاء متفرقة من العالم الإسلامي تحت أطنان القنابل وركام الأنقاض، ومئات الآلاف من الصواريخ التي استهدفت الكائن الهلامي المسمى بـ”الإرهاب”، والذي اقتصر حصرًا على كل ما هو إسلامي.

 

ولكنه كان خطابًا مثيرًا للرعب للبعض الآخر من قاطني هذا العالم ذوي البشرات البيضاء والوجوه الملونة من مواطني الدول الغربية الأكثر رفاهية.

 

لم يكن ليدور بخلد أحدهم حتى موعد بث هذه اللقطات، وفي ذروة الاحتقان العاصف الذي يعتصر قلوب وأكباد الملايين من المسلمين حول العالم، في العراق وسوريا وأفغانستان وبورما وغانا والصومال وفلسطين، وغيرهم ممن ضاعت أراضيهم واحترقت آمالهم تحت نيران قوات التحالف الدولي تارة، ودول غربية بعينها تارة أخرى، وتحت مظلة فضفاضة تتسع لكل شيء وأي شيء هي مظلة الحرب على الإرهاب؛ لم يكن ليدور بخلد أحد مواطني الشرق الإسلامي أو أكثرهم تفاؤلا ورغبة في تلقين الغرب درسًا قاسيًا جراء عدوانية بعضه ولا مبالاة البعض الآخر قبيل ما يحدث من انتهاكات للمسلمين، أن يظهر تحديدًا وفي هذا التوقيت الفارق في تاريخ الأمة الإسلامية، البطل المنقذ والزعيم المفدي في صورة ”أبي بكر البغدادي“ ورفاقه ليعلنوا حلمًا طالما كان ولا يزال معقد آمال قلوب المسلمين حول العالم “حلم الخلافة”.

 

هكذا صنعت عقود من البطش والتنكيل بكل ما هو إسلامي تحت حجة ردة الفعل من الغرب تجاه عدائية ووحشية الإسلام، أو مُدعيه من الجماعات الراديكالية المتطرفة؛ موجة من الكراهية والعنف المضاد لكل ما هو غربي فيما عرف بصراع الحضارات، على الرغم من أن الغرب كان دوما “الفاعل” المحرك لموجة الكراهية والعنف تلك.

 

إلى هنا، وحتى لحظة كتابة هذه السطور، كان المقال أدبيًا بامتياز يبرر ويدعم بل ويصفق لمشروع الخلافة الجديد كما يحلو لمؤيديه أن يطلقوا عليه.

 

ولكن على الجانب الآخر من العالم، وتحديدا في أمريكا وبعض الدول الغربية الكبرى، وفي الغرف المغلقة، وبعد سنوات خلت من الحرب المزعومة على الإرهاب التي ثبت للعالم ضعف الأسباب التي قامت عليها، يدور على النقيض تمامًا من كل هذا التنظير البيروإسلامي جانبٌ آخر من المشهد..

 

كانوا بحاجة لإضفاء المزيد من الخوف والرعب على قلوب مواطنيهم الذين ضجروا بخطابات الحرب على الإرهاب، لا سيما وأن الأسباب الملفقة التي أعلنها الساسة لتلك الحروب انكشفت عن آخرها!

 

فلا أسلحة دمار شامل ولا نازيين جدد في العراق، اللهم إلا أصحاب الغزو أنفسهم.

 

والناتج بعد كل هذا أن المسلمين بعد عقود من الاستهداف والبطش، يتوغلون في قلب العالم الغربي بالسياسات الناعمة، ويغيرون ديموغرافيته حتى أنهم أصبحوا جزءًا من نسيج دول كبرى، ويحملون جنسية مواطنيها، بل وبات الساسة في تلك الدول يعتبرون بكتلتهم التصويتية وثقل تأثيرهم في الانتخابات، ولا ينفكون يداعبونهم أحيانًا كثيرة بوعود الحرية الدينية ورفع القيود عن طقوسهم وشعائرهم إسلامية الجذور والمنشأ.

 

وفي ظل توجه العالم للتكتل وما قد يبديه تخوف البعض من أن الذعر هو ما يجعل الإنسان اجتماعيًّا، فيميل للعيش في جماعات أكبر، ولأنه ربما تتصدر فكرة الخلافة الإسلامية المشهد مرة أخرى في نسختها الحداثية، سواء كانت اتفاقيات أو معاهدات بين الدول الإسلامية تكفل لهم وزنًا اقتصاديًا وعسكريًا مريبًا، ومع بزوغ نجم دول إسلامية بعينها كتركيا، ووصول الإخوان المسلمين حينئذ بصناديق الاقتراع لسدة الحكم في عدد من البلدان الإسلامية ذات الثقل، كمصر وتونس وليبيا، كان لابد من إضفاء المزيد من ملامح الرعب على كائن ”الإرهاب“ الهلامي وبث الرعب من خلاله في قلوب العالم، حتى المسلمين أنفسهم.

 

كان ينبغي للغرب أن يصنع من ”خيال مآتته“ عدوًّا يتيح له أن يظهر في الوقت الذي يريده وفي المكان الذي يريده، بعد أن احترقت بطاقات أوراق اللعبة في يده واحدة تلو الأخرى، بدءًا من القاعدة في أفغانستان، ومرورًا بسقوط نظام صدام حسين في العراق..

كان بحاجة إلى إجراء عملية تجميل أو قل تقبيح للعبته القديمة المتمثلة في “الإرهاب الإسلامي” لتمكنه من أن يحطم أنظمة ويُثبت أقدام أخرى، ويلعب دور شرطي العالم الذي يجيده، ويريده.

بطاقة جديدة تمكنه من أن يضغط على رقبة رؤساء ويداعب شبق آخرين للسلطة.

 

أن يهرول مواطنوه بدافع من الخوف إلى صناديق الاقتراع مجددين تأييدهم المطلق لسياسات الحرب على الإرهاب.

 

فكان لـ”داعش“ أن تكون، وكان لها أن تتسيد المشهد..

بآلة إعلامية جبارة، ولقطات احترافية، وعمليات تثير الرعب هنا وهناك، ودموية تحاكي أفلام الرعب في أفلام هوليوود..

بشعارات رنانة مختارة بعناية فائقة لتداعب قلوب وعقول المسلمين، وتبث الرعب منهم في قلوب من قبلوا من المجتمعات الغربية إدماجهم في النسيج المجتمعي لتلك الدول، وعرفوا عنهم سماحتهم وطيب معاشرتهم، لتثبت لهم خطأ تصورهم، وتظهر المسلمين في صورة الشيطان الذي لا يمكن ترويضه! وتبث الكثير من الكراهية والعنف تجاههم.

 

ولم تكن، ولن تكون لديك القدرة يومًا ما على أن تدفع أشخاصًا ليموتوا جراء ما تؤمن به، بل جراء ما يؤمنون هم أنفسهم به!

 

في حقبة ما من حقب التاريخ، وانطلاقًا من مبدأ الإبداع المطلق في فن الخداع والتمويه، وتأمين الشخصيات العامة كرؤساء الدول والزعماء؛ طرحت في عقول علماء أجهزة مخابرات بعض الدول فكرة شيطانية مجنونة، ألا يتم الاستعاضة عن الزعيم أو الشخص المراد تأمينه ببديل يشبهه في الملامح والوجه ونبرة الصوت فقط. بل محاولة زراعة الأفكار داخل هذا الشخص بطرق نفسية شتى، لخلق يقين في داخله أنه هو فعلا الشخص الذي يحمل وجهه، وبالتالي يستحيل تمييزه أو التفرقة بينهما، ذلك أن الشبيه لا يعرف أنه شبيه، بل يؤمن تمامًا أنه صاحب الشخصية التي يحملها، بل ومن الممكن أن يفقد حياته في سبيل ما تؤمن به.

 

وبغض النظر عن إمكانية حدوث هذا من عدمه، إلا أنه يبدو أن هذه الطريقة نجحت في خلق داعش بامتياز.

رجال يؤمنون من منطلق عقيدتهم الروحية أن الموت هو طريقهم إلى النعيم الأزلي، وأن النعيم المخلد فيما يفعلون، أو إن شئت الدقة فيما يعتقدون أنهم يفعلون.

أما الحقيقة التي أعتقدها تمامًا أن ما يحدث لهم هو أنهم يسيرون على ما خُطط لهم دون النزوح عنه قيد شبر.

 

قتل هنا وذبح هناك، دماء تغرق الصحف والشاشات، رؤوس مقطعة وآيات قرآنية تُجتث تمامًا من سياقها لتدلل على معانٍ بعينها.

والنتيجة رعب عَصف بقلوب المسلمين أنفسهم أكثر من الغرب، وأدى إلى أن فقد المسلمون أو جزء كبير منهم إيمانهم بما يقدسون.

 

هل هذا هو ما نؤمن به حقا؟! هل ما تفعله داعش هو ما قامت عليه دولة الإسلام!

ونتيجة لذلك تبهت الحقائق وتضيع الثوابت في هذا الكم من الهرج والمرج والمغالطات.. وتعلو الفتن وتندثر الحقيقة وتحدث ارتدادة عنيفة عن ثوابت ومسلمات هذا الدين الحنيف.. وهذا بالضبط ما يُراد لنا.

 

انشغل المسلمون عن الدعوة لدينهم بموقف الدفاع، بل وصار بعضهم يتنصل من إسلاميته وجذوره وضاعت الأصوات المعتدلة في بحر اللغو المتلاطم، وخبا نجم الإسلام الذي أضاء يومًا الدنيا بسماحته وعدله.

 

وعلى الجانب الآخر من العالم، يهرع المواطنون من دافعي الضرائب بدافع من الذعر المبرر إلى حكوماتهم لتفعل شيئًا، فتنفق الأنظمة الغربية بسخاء على منظوماتها العسكرية في رضا وتأييد، بل وزخم شعبي لمواطنيها الذين يطالبون بالثأر.

ولم يكن هذا ليحدث طالما دارت رحى المعركة في ساحات حرب بعيدة عن تلك الدول، مثل العالم الإسلامي!

بل ينبغى جلب بعض الضوضاء هنا في قلب عواصم هذه الدول الغربية، لبث الذعر في نفوس مواطنيها، فلتتحرك إذًا بعض الدمى من تلك الجماعات الراديكالية المنسوبة زورًا للإسلام لتحدث بعض الضجيج والذعر.

لذلك لا تكاد تفهم لتلك الجماعات الإسلامية توجهًا أو رؤية. فهي تارة تحارب السنة في الشام بالوكالة عن جيش النصيرين وتتفادى الاشتباك مع قوات النظام، وتارة تحدث بعض الجلبة على الحدود التركية، وأخرى تتبنى أعمال عنف بعيدة كل البعد عن الدول التي تقود تحالفًا للقضاء عليها، كأعمال عنف في بيروت أو فرنسا، التي تلعب دورًا هامشيا مقارنة بالولايات المتحدة في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، وفي ظل ضغوط من مواطنيها لوقف الزج بقواتها هناك! هكذا بات لفرنسا الحق أن ترد.. بل وبتحريض من مواطنيها.

ولا أستبعد أن تقوم “الدولة الإسلامية” بعمل إرهابي في ألمانيا للزج بها هي الأخرى في كفة الدول المؤثرة، والضغط عليها بورقة اللاجئين الذين سيبدو وجودهم حينها مصدر قلق وموردًا للإرهاب.

دائرة مفرغة أيها السادة، تحاك ببراعة منقطعة النظير، والدمى والدماء دومًا من المغرر بهم أو الأبرياء، وفاتورة العنف يحاسب عليها الإسلام في النهاية.

ينبغي أن نفيق إذًا ونمسك بأطراف اللعبة لنتحرك في الجملة الدولية من خانة المفعول به إلى كوكبة الفُعلاء، أو لنجد لنا كهفًا رطبًا في مزبلة التاريخ!

 

تم بحمد الله

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

داعش
عرض التعليقات
تحميل المزيد