هذه المدينة التي يعدها العرب مدينة محتلة من قبل دولة تركيا، وهذه المعلومة مغلوطة بشكل متعمد حتى نبقى تحت دائرة الخلاف الإسلامي بأن هذه الدولة تحتل جزءًا من هذه الدولة، وعلى هذا المنوال، حتى أصبحت الشعوب الإسلامية ترى أنها دولًا تحتل بعضها بعضًا دون توجيه بوصلتها نحو الاحتلال والسطوة الغربية على الدول الإسلامية.

المنطقة العربية والأناضول وأجزاء كبيرة من إيران، وأرمينيا، وأذربيجان، ووسط أوروبا؛ كلها مناطق كانت تتبع للدولة العثمانية، وعند التقسيم الغربي أو بما يعرف «سايكس بيكو» والتي قبلها العرب تحديدًا من أجل إشباع رغبة السلطة والزعامة للكثير من الخون والعملاء في تلك الفترة، وكذلك حزب الاتحاد والترقي الذي لم يكن يختلف شيئًا عن القوميين العرب، وكان التقسيم بحسب رؤية الغرب للمنطقة، وليس بحسب اللغة أو الجنسية؛ لأنه لم يكن جنسية لنا جميعًا من الأساس، فكان التقسيم مقصودًا لتشكيل حالة من عدم التوافق والقبول بين أفراد الأمة على المدى البعيد.

إذ نرى أن المنطقة العربية تقسمت إلى 22 دولة وهم أبناء لغة واحدة و95٪ منهم يدينون بدين الإسلام، فالمصري لا يقبل الليبي ويعتز بفرعونيته أكثر والأردني لا يتقبل السوري والسوري لا يتقبل اللبناني، وكذلك الفلسطيني مع أنهم أبناء بيئة واحدة وأغلب عائلاتهم تتقسم بين هذه الدول حتى الأخوة منقسمين بين هذه الدول، إلا أن الخلاف والتعصب موجود، وهذا أيضًا ينطبق على دول الخليج والمغرب العربي، فهذا ما أنتجه «سايكس بيكو».

وفي العودة إلى الإسكندرون هي مدينة أتت ضمن هذا التقسيم، وفي الحدود الدولة التركية التي هي مركز الخلافة العثمانية أو وريثها، وما يشاع بأن ما جرى هو احتلال تركي للأسكندرون ما هو إلا لزيادة كمية الكراهية بين الدول الإسلامية ووصف بعضهم للآخر بالمحتل والعدو وغيرها من المصطلحات، وهذا ما يساهم في عدم التوافق بين أبناء الأمة الذين كانوا تحت مظلة دولة واحدة ودين واحد، وتقبلوا الاتهامات الغربية ضد بعضهم دون النظر أو التفكير أنهم بالأساس أبناء أمة ودين واحد.

فإذا أردنا التقدم إلى الأمام والتوفيق لهذه الأمة علينا بنسيان العقبات والخلافات والبؤر التي صنعها الغرب من أجل التفرقة، والعمل على توحيد الصفوف ووجهات النظر تحت مظلة الدين الذي يوحدنا جميها حتى ولو بقينا دول متفرقة، فالوحدة ليس بتوحيد الدول ضمن خارطة بلا حدود داخلية، بل يجب أن نمحو هذه الخطوط من أذهاننا حتى ولو بقيت على الخارطة فالأهم هو توحيد الاتجاهات للنهوض بالأمة من جديد، لننظر إلى الاتحاد الأوروبي مثلًا؛ بقيت الحدود، لكن فعليًا وذهنيًا جرى طمسها على أرض الواقع وبين الأفراد، فكل الدول بالنسبة للشعوب دولة واحدة وعملة واحده.

ما قام به الغرب أنه عمل على تقسيمنا، وفي المقابل وحد صفوفه، وأصبح كأنه دولة واحدة، والمصيبة أننا تقبلنا أمر التقسيم، وشجعنا الغرب على الوحدة، موضوع القومية والعصبية وحب السلطة في أمتنا ساهم في دمارنا ولا يوجد من يتعظ.

ولو قمنا بالرجوع إلى آراء سكان لواء الإسكندرون سواءً العرب منهم أم الأتراك من خلال تصويت يقوم من خلاله المواطنون باختيار الدولة التي يريدون أن يتبعوا لها، برأيكم هل من الممكن أن يقبلوا العيش ضمن نظام سياسي استبدادي ظالم قاتل عنصري طائفي، أم الخدمات التي سيتم تقديمها من قبل هذا النظام لتطوير الإسكندرون من بنية تحتية جاذبة للسياحة والاقتصاد وغيرها، رأينا المدن السورية والخدمات المقدمة لها من قبل النظام وقبل الحرب هل كانت جنة أصلًا، انظروا إلى الرقة، والحسكة، ودير الزور، ودرعا وغيرها من المدن السورية هل كانت خدماتها كما هو مطلوب! فقد كان جرى عمل مقابلات من قبل كثير من العرب لتفضيلهم التبعية لتركيا أم سوريا؟ للأسف لم يختر أحد منهم أن يتبع الدولة السورية! فيكفينا تكبرًا وصنع الخلافات وتجذيرها وزيادة دائرة الخلاف بين أبناء الأمة الإسلامية، وليس القومية التي لا تعنينا بشيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد