مطالبون نحن بالانتماء للإسلام فقط. فهو الحق المطلق، والمعنى هنا الإسلام بموجهاته ومنهجه في كل مناحي الحياة.

لأن الانتماء لغيره قائد إلى الضلال حتى وإن كان هذا الانتماء داخل إطار الإسلام انتماءً لفهم أو توجه أو جماعة.

فالانتماء له لوازم لا تنفك عنه وهي الولاء والعصبية. وهما حجابان سميكان يمنعان رؤية الحق خارج الجماعة أو الحزب أو التنظيم ويجعلانك أسيرًا للرؤية الداخلية.

بل تجد أكثرهم حتى وإن رأى حقًا في غير جماعته أو حزبه أو تنظيمه أنكره وجحده عصبيةً وتنكبه وعدل عنه بطرًا وأنفةً.

أقل الأمثلة درجة الانتماء لنوادي الكرة. فإنك تجد المناصر للنادي الفلاني لا يقرُ بميزة ولا أفضلية للنادي المنافس له حتى وإن كانت هذه الميزة أو الأفضلية واضحة كوضوح الشمس في كبد السماء. فمثلًا يندر أن تجد مشجعًا لبرشلونة يعترف بمهارات وإمكانيات كريستيانو رونالدو والعكس يصح في حالة ميسي مع مشجعي ريال مدريد. ودافعهم في ذلك العصبية أو الولاء.

وليس مفاجأة أن هذا حادث وحاصل بوضوح كبير في الجماعات والتيارات الإسلامية. فإنك تجد الجماعة الفلانية لا ترى في نظيرتها إلا الشر والضلال وكذلك تبادلها الجماعة الأخرى ومنتموها نفس المسلك المجحف. وليس هناك خير مطلق ولا شر مطلق كما هو بديهي عند كل عاقل.

تجد الصوفية مثلًا لا يعترفون بفضل للسلفية ولا السلفية يجدون خيرًا في الصوفية. ثم تنتقل إلى الإخوان فتجدهم يجرحون السلفية وهم يبادلونهم كذلك التجريح والتجريم. وينسحب هذا المفهوم على جميع تشكيلات التمايز داخل المجتمع المسلم فهؤلاء لا يرون الخير الذي في هؤلاء وأولئك ينكرون الفضل الذي في غيرهم حتى وإن كان نسبيًا أو واضحًا ولا غبار عليه.

لذلك فإن الانتماء يجعلُ الإنصافَ عزيزًا والعصبيةَ عادةً والولاءَ مشوهًا. حتى جعل الله إنصاف المخالف من التقوى لصعوبة ذلك واستحالته على البعض، قال تعالى في آية: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ».

حتى الإسلام، وهو الانتماء الأمثل الأسمى والأوجب لم يجعل الولاء له مانعًا من الإنصاف والإقرار بالحق الذي في غيره من الملل. حتى قال الله في آية منصفًا بعض النصارى: «لَيْسُواْ سَوَاء منْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمةٌ قَآئِمَةٌ»؛ وقال في أخرى: «وَلَتَجِدَن أَقْرَبَهُمْ موَدةً للذِينَ آمَنُواْ الذِينَ قَالُوَاْ إِنــا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَن مِنْهُمْ قِسيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ».

وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن النجاشي ملك الحبشة – حينما أمر المسلمين بالهجرة إليها – منصفًا إياه ببعض ما فيه من الخير رغم أنه كان وقتها على الكفر: «فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق وإنه يحسن الجوار».

وثبت عن عمرو بن العاص أنه أنصف الروم ببعض ما فيهم من الميزات والخصائص الحسنة حينما ذكر حديث النبي: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس». فقال هذا الصحابي الجليل: ذلك بأن فيهم خصالًا أربعة «إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وأرحمهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك».

والأمثلة على هذا المنوال كثيرة وكلها تدل على أن منهج الإسلام قائم على الإنصاف لأنه المؤدي إلى تلمس معاني الحق في خضم ضجيح الباطل وهو القائد إلى انتقاء الخير بين أكوام كثيفة من الشر.

لذلك فالانتماء للإسلام وحده والولاء لمنهجه قرآنًا وسنة هو الطريق الوحيد لرؤية الحق دون حجب وموانع العصبيات والولاءات الأخرى.

فالحق واضح وأبلج وهو ليس حكرًا ولا حصرًا لجماعة أو تنظيم أو حزب وإن ادعوا ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد