حاول المقال تقديم رواية فهمية للإسلام من خلال تصور أستاذنا المهندس أحمد معاذ الخطيب، قد تكون الرواية غير مألوفة، لكنها ضرورية جدًا في عهدنا هذا، وفي زمن تم فيه خلط التاريخي بالديني والسياسي بالمقدس.

تتجاوز هذه الرواية المعنى الشعبي المتداول للإسلام وتسطر تعريفات مهمة لكل من يريد فهم الإسلام كما جاء على يدي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم.

حيث يقول الخطيب:

خلال التاريخ الإسلامي غيب جزء ليس بالقليل من الدين، وأصبح هناك حمل ثقيل لا بد من جره أينما ذهبنا، وهذا الجزء الثقيل ولدته التراكمات التاريخية، وليس أمرًا ضروريًا لا يمكن تجاوزه، وقد درسنا في كتب العقيدة أن من صفات الرسل الفطانة، وهي شيء قطعي، فلن يرسل الله إلى البشر رسولًا غبيًا (أستغفر الله) وفي الحديث الصحيح أن العلماء ورثة الأنبياء، ومن جمع الأمرين يتبين لنا أن أي غبي يتحدث عن الدين لا يمت إلى سلك العلماء بنسب (مهما كان نوع اللباس الذي يرتديه).

ويبين الخطيب في روايته (القصور العقلي عند بعض المتحدثين) فبعض حملة الدين يجعلونه حقل تجارب لمعرفتهم الهزيلة به، وبالتالي يسببون له أفدح النكبات، وقد بدأت ألاحظ توجه قسم من الناس إلى الإلحاد، لا جحودًا لله، بل يأسًا مما يطرحه البعض من رؤية دينية هي محصلة الاستبداد والظلم.

عندما يصلح حملة الدين مساره طوعًا بنوع من إعادة الإحياء فإنهم يردون له بهاءه وعذوبته، ولكنهم عندما يقسرون الناس على فهم خاص له، فإن التصحيح يأتي حتى من خصومه والذين لا تكون لهم نية حسنة في الموضوع، ولكنهم يقدمون خدمة للدين وهم لا يشعرون.

على سبيل المثال: البنى الدينية الواعية في المجتمع لا يمكن لها أن تتحالف مع الاستبداد فتبحث الأنظمة السياسية الاستبداديةُ عن مؤسساتٍ دينية متخلفة فتتحالف معها، وتفرضها على الناس وتخنق كل فكر آخر لصالحها، ويكون عملها الأساسي هو التخدير للناس وحمل الدين خارج طريقه إرضاء للفكر الاستبدادي، واستثمارًا لمنافع خسيسة يرميها الاستبداد في وجه المؤسسة المتخلفة فتبقى تحرث عليها زمنًا طويلًا .لا يعتمد الراوي في روايته على التعريف الاصطلاحي والتعقيد اللفظي، بل يلتزم عمق الفكرة ورشاقة اللفظ والبعد عن الحشو والإنشاء وصناعة الكلام. وسوف تكون هذه الرواية في نقاط واضحة استخلصتها من مقالته إيمان بلا أوصياء:

يبدأ الخطيب تعريف الدين من خلال تحرير الوعي من فكرة قصور الدين وضعفه وحاجته إلى من يناصره، وهنا ندلف إلى الضابط الأول:

الدين لا يحتاج إلى حارس ولا إلى حابس.

يقول الخطيب: (نحن لا نخاف على الدين مهما أصابه، بل نتألم لحملته السذج الذين يفقدون الاتجاهات، وقد كتب الإمام العظيم الجويني في غياث الأمم أنه (لا يخلو الدهر عن المراسم الكلية، ولا تعرى الصدور عن حفظ القواعد الشرعية …).

ومع هذا فسلاح الدين وجيشه غير المنظور فالدين يعتمد على الفطرة وهو الضابط الثاني في رواية الخطيب:

البحث عن الفطرة (تتجه دورة الحياة إلى الفطرة).

الدين بمعناه الفطري لا يمكن اقتلاعه بحال، وصحيح أنه في حالة الهجوم عليه أو ضعفه فإنه يفقد جزءًا من سطوة الأحكام والقوانين.

ولكن حركة الحياة الفطرية التي أودعها الله في النفوس ترده إلى القوة! لا، بل إلى الأخلاقية!

الفطرة لا تزول، يمكن للأخلاقية وحدها بالعمل الجاد والمتوازن أن تزرع القانون، وليس القانون وحده قادرًا أبدًا أن يزرع الأخلاق.

ثم يضع الخطيب الضابط الثالث في روايته للإسلام، وهي الفصل بين هيمنة المؤسسة الدينية التي غالبًا تم تأميمها.

يقول الخطيب:

(مهما بلغ أي حاكم من الغرور فإنه لن يفكر في أنه معصوم، وقد يحكم بالقتل مرة فيخطئ ولكن الأخطر من ذلك أصحاب عمائم يتماهون مع الحاكم فيصدرون له فتاوى باطلة أخطر من السيف بكثير، وتبقى تذبح إلى يوم الدين.

نعم، يخرج الدين من تحت سيطرة الاستبداد، لأن الرموز الدينية التي كانت السادن الأساسي للظلم تفقد قدرتها على تعبئة الجماهير، بل قل تخديرها، لأنها لا تمتلك الوعي، والاستبداد لا يستطيع أن يتابع ضبط الجمهور العريض، الذي يبدأ بالخروج إلى الساحة ليبحث عن الخلاص! دون أن يكون ممكورًا به أو مغسول الدماغ، وسيبحث بعدها عن الحرية دون أن يشك في دينه (لأنهم علموه أن الحرية ضد الدين)، وسيبحث عن العدل بشوق (لأنهم لم يعودوا قادرين على إخباره أن الظلم قدر لا بد من الاستسلام له)، ويبدأ الناس يفكرون أن نهب أموال الأمة ذنب أعظم بكثير من نظرات متلصصة لشاب رأى فتاة جميلة في الطريق، ولا يعود الناس يجلدون أنفسهم من خلال استنفار وهمي يظنون معه أن المصائب بسببهم هم المساكين (والذين في القمة من المبرئين الأطهار) ولكن لأن هناك من يظلم ويؤله نفسه بلا انتهاء).ثم وفي مباشرة واضحة يضع الخطيب نقاطًا واضحة يبدأ بالرأس بعد الفساد السياسي هو وحسب تعبيره (المشكلة في المؤسسة الدينية التي كلما تخلفت ساقت الدين إلى حتفه).

خلال التاريخ استغل السياسيون الدهاة سذاجة بعض حملة الدين فأوحوا إليهم بالأفكار الفاسدة والتي يمكن أن تنتشر في كل وقت وأي مكان، ولا توقفها إلا فطنة العلماء، وأسوق على هذا بعض الحيل والخدع، معتذرًا عن تفصيل الأسماء لأن الغرق في التاريخ وتقديسه لا يزال له نصيب كبير بسبب الأعمال الطويلة لمؤسسات التخلف خلال القرون:

عندما قتل أهل البيت الكرام ادعى الحاكم أنه لم يعلم (أرجف المؤرخون بذلك، والسؤال: عندما علم ماذا فعل؟ لا شيء، لأنه يريد ذلك، ولكن لا يستطيع مواجهة الأمر لأنه سيفقد شرعيته فتولت المؤسسات المرتبطة تغطيته.

الضمور الفقهي في السياسة الشرعية الصالح المغفل.

ملئت كتب التاريخ بالثناء على ملوك استغفلوا الصالحين الذين حولهم، فأوهموهم ببعض الصلاح الفردي (حقيقيًا كان أم مزورًا) فغرق فيه السذج! غافلين عن فسادهم الحقيقي، فماذا يهم الأمة إن صلى الحاكم في اليوم والليلة مليون ركعة وهو يمص دماء شعبه ويكدس أموال المستضعفين، لينفقها على حاشيته وعائلته ولهوه والشعراء والشيوخ المنافقين الذين يؤمون بابه.

هذه المؤسسة المتخلفة تتخشب مع الوقت، وتصبح عبئًا ثقيلًا، ولا فائدة منها؛ لأنها استهلكت تمامًا، ولم تبق لها أي جاذبية، ولا بد من التخلص منها، ولكن عملية التخلص لا تجري بيسر، فاقتلاعها وهي العميلة الأصيلة يسبب هزة مرعبة في النفوس؛ لأنه يعطي رسالة مفادها : لا تثقوا بنا، ويحاول الأغبياء أو السذج زيادة الالتصاق بالهيئة المستبدة فيزداد نفور الناس منهم، ويحصل هناك فائدة حقيقية للدين، وهو خروجه من تحت السيطرة الاستبدادية.

الضابط الرابع:

لا يمكن ربط الدين بأية سياسة؛ فالدين أكبر من أية راية رفعت باسمه وعلينا أن نتجنب السياسي المستغل: حيث يرى الخطيب أن تخلف الأمة المسلمة لا يلغيه وجود بعض من يحملون الدين بصدق وأمانة، لأنهم لا يحققون الكفاية، وهناك من يحمل الدين السياسي الذي تفرخه الأنظمة الاستبدادية التي تتظاهر بفصل الدين عن الدولة في اتجاه واحد، أي أنها تمنع الدين من التنفس ثم تتدخل في كل أمور الدين، وتطرح رؤية دينية ليست فقط تحريفًا للشريعة، بل فيها أعظم الإهانة للإنسان الذي كرمه الله.

غفلة حملة الدين عن الالتحام بحياة الناس وغرقهم في التاريخ أو تماهيهم مع الأنظمة الاستبدادية هو منبع أساسي للفساد والإلحاد.

ثم بعد أن يفصل الخطيب بين الدين وبين هيمنة الدولة يبدأ في تعريف الدين وهو الضابط الخامس تعريف الدين حيث يضع حدًا للدين.

ما هو الدين؟ للإجابة عن هذا السؤال لابد من معرفة الوظيفة الحياتية للدين حيث يقول الخطيب:

– الدين الذي لا يخرج الناس من الظلم هو عين الفساد.

– الدين الذي لا يتصدى لرد الحقوق إلى الناس هو باب الإلحاد.

– الدين الذي يغرق الناس في الفرعيات غافلًا عن مقاصد الدين هو عين الخرافة والضياع.

– من صفات الدين الأساسية التسامح وحملة الدين الحق صمام أمان للمجتمعات، ووسيط توازن ولكن عندما تجد حاملًا للدين ضيق الصدر مع مخالفيه، لا يتوانى عن التأجيج ضدهم فيحكم على بعض الأمة بالكفر وعلى آخرين بالمروق، وعلى ثلة أخرى بالإعدام، فهل هذا إلا دليل فشله الذريع في مهمته فيعوض فشله بسياط الجلادين، معلنًا أنه وريث أصيل لمحاكم التفتيش الرهيبة، ولكن في صيغتها المعاصرة ثم يدلف الخطيب إلى :

الضابط السادس:

ما هي العبادة؟

– العبودية لله تقتضي الحرية، وعندما سندركها فنهاية الظلم ستكون أسهل مما نظن بكثير (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ).

وأخيرًا يقدم الخطيب في روايته رؤية مستقبلية حيث يعظ بدقة (الأنظمة الظالمة لا خيار لها، فإن تفاهمت مع القوى الواعية كان ذلك لصلاح البلاد كلها، وإن رفضت خربت مؤسستها الكهنوتية بيدها وحررت الناس من أحد أمكر الأدوات للاستعباد، وهناك مقاصد أساسية يقوم الدين الحق عليها، فإعلان الوحدانية لله والعبودية الكاملة له، تعني أننا في كامل الحرية لأن سيدنا هو الله، ولا يمكن أن نكون مستعبدين لمخلوق.

ويعود الخطيب ليذكر بمتانة الدين وقوته الذاتية فيقول:

– لسنا أوصياء على الدين ولن يخسر شيئًا برحيلنا، فنحن الذين نقوم به وليس هو الذي يقوم بنا.

صار عند الناس نفور شديد من مشايخ أي سلطة في كل البلاد ولا يثقون بمن يسكت عن الحق.

ثقوا تمامًا أن الناس لا يبحثون عنا، بل يبحثون عن إيمان بلا أوصياء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد