قال عنه مؤرخون: لولا عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الملقب بعبد الرحمن الداخل، أو صقر قريش، لانتهى الإسلام من الأندلس، إذ إنه أقام دولة قوية في تلك البلاد، بالرغم من وجود الدولة العباسية في الشام آنذاك تحت خلافة أبي جعفر المنصور الذي خلف أخاه أبا العباس عبد الله بن محمد الملقب بـالسفاح، وذلك بعد سقوط الدولة الأموية سنة 132 هجرية.

ولد عبد الرحمن الداخل سنة 113هـ/731م في خلافة جده هشام بن عبد الملك، في بلاد الشام، توفي أبوه شابًا عام 118هـ في خلافة أبيه هشام بن عبد الملك، فنشأ عبد الرحمن في بيت الخلافة الأموي، حيث كان هو وإخوته في رعاية جده هشام. وكان هشام بن عبد الملك يؤثر عبد الرحمن على بقية إخوته، ويتعهده بالصلات والعطايا في كل شهر حتى وفاته.

في أحد الأيام، دخل على الرحمن بن معاوية ابنه الصغير يبكي بكاء شديدًا وفي عينيه الفزع والرعب والهلع، حاول عبد الرحمن أن يهدأ من روع ابنه، لكنه ظل فزعًا مرعوبًا، فقام معه عبد الرحمن، فوجد رايات الدولة العباسية السود خارج البيت، فعلم أنّه مطلوب.

رجع عبد الرحمن وأخذ أخاه الوليد وما معه من نقود، وترك النساء والأطفال وكل شيء، ثم هرب الاثنان نحو الفرات، وهناك وجدا قوات الدولة العباسية تحاصر النهر، فألقيا بأنفسهما فيه وأخذا يسبحان، لكن رجال الدولة العباسية طلبت منهما العودة ووعدتهما بالأمان، في تلك اللحظة كان الوليد قد أصابه التعب من السباحة، فقرر أن يعود، بيد أن أخاه حاول منعه؛ لأنه كان يعلم أنه إن عاد سيُقتل، فردّ عليه إنهم قد أعطوهم الأمان، ثم قفل راجعا إليهم، حتى إذا ما إن وصل قتلوه أمام عيني أخيه.

نجح عبد الرحمن في عبور النهر وقلبه يتمزق من شدة الحزن على مقتل أخيه أمام عينيه، شُل تفكيره تماما، لكنه كان يركز فقط في النجاة بنفسه والبعد عن العباسيين؛ لأنهم سيقتلونه إذا ما أمسكوا به في أي وقت، وفي أي مكان دون رحمة أو شفقة، كما فعلوا بإخوانه وأبناء عمومته.

اتجه ناحية بلاد المغرب يقصد أخواله حيث كانت أمّه من قبيلة بربرية هناك، كانت قصة هروبه طويلة جدًا وعجيبة بها الكثير من المخاطر أيضًا عبر فيها الحجاز ومصر وليبيا والقيروان، حيث وصل هناك وعمره لم يتجاوز التاسعة عشرة.

في غضون ذلك كانت هناك ثورة للخوارج في الشمال الإفريقي بقيادة عبد الرحمن بن حبيب الذي استقل بهذه المنطقة عن الدولة العباسية، والذي كان يسعى للقضاء على صقر قريش لكرهه للأمويين نتيجة لما حدث بين على بن أبي طالب رضى الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان في مسألة التحكيم عام 37هـ.

عندما علم الخوارج بقدوم عبد الرحمن إلى القيروان اجتمعوا وكادوا أن يقتلوه، لكنه هرب من جديد إلى برقه في ليبيا، وظل مختبئًا أربع سنوات كاملة، حتى سنة 136هـ/754م وكان عمره آنذاك 23 سنة.

شعر بالخطر يداهمه من كل مكان، فالعباسيون يتتبعون أثره، والخوارج لا يريدون الحياة له، فكر أن يذهب إلى الأندلس، الإمارة التي تم فتحها بقيادة طارق بن زياد عام 92هـ الموافق 711م أثناء خلافة الوليد بن عبد الملك الأموي، حيث كانت مناسبة له؛ لأنها أبعد الأماكن عن العباسيين والخوارج والوضع في الأندلس ملتهب جدا.

ولأنه كان أميرا ومن نسل أمراء وخلفاء، اختمرت الفكرة في رأسه ورتب لهذه الخطوة ترتيبا دقيقا – بالرغم من صغر سنه – الذي يعكس ذكاءه الشديد في الوصول إلى الهدف، فعمل على اتجاهات عدة؛ فأرسل مولاه بدر إلى الأندلس للاطلاع ودراسة الأمور هناك، وراسل كل محبي بني أمية في الأندلس وراسل أيضا قبائل البربر وطلب مساعدتهم في التخلص من يوسف بن عبد الرحمن الفهري الذي استقل بحكم إفريقية بعد سقوط الدولة الأموية وكذا كل الأمويين الذين هربوا إليها.

كان إقليم الأندلس حينئذ يغلي بسبب النزاعات المتواصلة بين القبائل المضرية واليمانية، فوافقت دعوة عبد الرحمن رغبة اليمانية المدفوعين بالرغبة في الثأر لهزيمتهم أمام الفهرية والقيسية في موقعة شقندة، فاحتشدوا لنصرة عبد الرحمن، ثم وصل الأندلس في عام 138ه.

عندما علم الفهري بدخول صقر قريش الأندلس جهز جيشا كبيرا لملاقاته، لكن صقر قريش أرسل عدة رسائل إليه يطلب منه أن يسلم له الإمارة ويكون رجلًا من رجاله في بلاد الأندلس، بحكم أنه حفيد هشام بن عبد الملك، لكن الفهري رفض، وجهز جيشًا وجاء ليحارب صقر قريش ومن معه.

في شهر ذي الحجّة سنة 138هـ، الموافق مايو 756م، دار قتال شرس بين عبد الرحمن الداخل من جهة والفهري من جهة أخرى عرفت باسم موقعة المسارة أو المصارة، انتصر جيش عبد الرحمن في النهاية، وأراد اليمنيون – جيش عبد الرحمن – متابعة جيش الفهري، لكن عبد الرحمن منعهم وقال لهم قولةً شهيرة تعكس علم ونبوغ وفهم صحيح للأمور: لا تتّبعوهم، اتركوهم، لا تستأصلوا شأفة أعداء ترجون صداقتهم، واستبقوهم لأشد عداوة منهم.

كان يعلم تماما أن تتبع الخصوم يأتي بنتائج عكسية، فقد تتألف القلوب مرة أخرى بينه وبين هؤلاء الخصوم – المسلمين – ويستعين يهم في محاربة أعداء الإسلام، وذلك اقتداء بهدي الرسول محمد صلى الله عليه وسلم حينما دخل مكة فاتحا، وقال (يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟) قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوانه: (لا تثريب عليكم اليوم)، اذهبوا فأنتم الطلقاء.

بعد النصر على جيش الفهري، حاول أبو الصباح اليحصبي – رئيس اليمنيين – أن يؤلب بين اليمنيين وعبد الرحمن الداخل ويحثهم على الخروج لقتاله، لكن اليمنيين لم يوافقوا على ذلك خوفا من عبد الرحمن، ولما علم عبد الرحمن بتلك الواقعة لم يتخذ أي إجراء إلا بعد 11 عاما حيث عزل اليحصبي واستطاع أن يمسك بزمام الأمور في يده.

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد